الهيئات المسئولة عن تنظيم الجوالى والاقليات العربية والاسلامية في الولايات المتحدة، مثل مجلس العلاقات الاسلامية ولجنة الامريكيين العرب، هذه الهيئات تلقت عددا كبيرا من رسائل التهديد والوعيد والتقريع عبر كل الوسائل العصرية للاتصال السريع بالانترنت والبريد الالكتروني والهواتف، حدث ذلك فور وقوع انفجارات الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن حدث ذلك حتى قبل ان تمضي سويعات تكفى لانقشاع سحابات الدخان التي غطت سماء المدينتين المنكوبتين.. وقبل ان تتجه الاتهامات ببرهان او بالتخمين الى اية جهة معروفة او مجهولة للامريكيين او لغيرهم بتدبير الهجوم المباغت الذي لا سابقة له. اهم من هذا في الاشارة الى رد الفعل الانفعالي العاجل ضد عرب الولايات المتحدة ومسلميها، ان الهيئات المقصودة بالتهديد معتبرة نفسها ضمن «نسيج المجتمع الامريكي المعني بهكذا عمليات لا انسانية». بعض الامريكيين لم يكتفوا بهذا الاسلوب الابتزازي عن بعد، فراحوا يتعرضون لمن صادفوا في طريقهم من العرب والمسلمين بالسباب وفي مدن مثل لوس انجلوس وديترويت وجهوا اهانات لبعض النساء المحجبات ومن يعرفون من ابناء الاقليات العربية والاسلامية ومؤسساتهم كالمساجد والمدارس والمحلات التجارية الامر الذي اضطر معه هؤلاء الى طلب الحماية ومنع الانفلات الطائفي والعنصري تجاههم. رد الفعل هذا يعيد الى الاذهان ما جرى عقب تفجير او كلاهوما الشهير عام 1995 ففي ذلك الحين تعرض العرب والمسلمون لنحو مئتي حادث اعتداء بطرق مختلفة باعتبارهم مسئولين داخل الولايات المتحدة او خارجها عن الحادث لكن الذي ثبت لاحقا هو براءتهم من الاتهامات الجزافية، وهو الامر الذي استدعى اعتذارا من مستويات حكومية امريكية رفيعة. تكرارية هذه الاحداث وردود الافعال تعني ان العرب والمسلمين مقبولون في الولايات المتحدة في اطار منظورات سلبية تدمغهم بالارهاب او بالصلة معه على نحو اوتوماتيكي وفي العلوم السلوكية وعلم النفس الاجتماعي تصنف هذه الاتجاهات على انها حالات مرضية خطيرة اذ لايوجد اي مبرر طبيعي لرمي اقلية داخل مجتمع كبيرة كالمجتمع الامريكي تتكون من عدة ملايين بصفة قبيحة كالارهاب. غير انه يوجد لهذه الظاهرة اسباب غير طبيعية فهي من صناعة الاعلام الذي تتحكم فيه امريكياً وغربيا بشكل عام، قوى ضالعة في كراهية العرب والمسلمين ثم ان المداخلة الصهيونية، اليهودية وغير اليهودية، على خط التفاعلات الامريكية (والغربية) والعربية الاسلامية، مع تحكمها الواضح في مفاتيح تكوين رؤى ومواقف واتجاهات الرأي العام منحها فرصة ممتدة وقوية لحرف المعنيين عن جادة الاحكام الصحيحة ومؤخرا جرى تحالف كريه بين الصهيونية من جانب وبين الداعين الى ترشيح العرب والمسلمين كعدو للغرب فيما اسموه «صراع الحضارات» كان من جرائره اذكاء العداوة ضد كل ماهو عربي واسلامي ووضعه موضع الاتهام كلما كان هناك موجبا لذلك مثل احداث اوكلاهوما سابقا ثم نيويورك وواشنطن حاليا. في ضوء ظاهرة كهذه قابلة للتمدد والانتعاش ينبغي الاعتراف بوجود شحنة مختزنة من الصور والانطباعات غير السوية داخل العقل الامريكي، حول العرب والمسلمين، وبكل الاسى فان شحنة كهذه لايمكن تفريغها واحلالها بالانطباعات المضادة فيما يعرف بتصحيح النمطية الا بجهود جبارة اعلاميا وتعليميا وتربويا وثقافيا الذي يحتاج الى وقت مطول وموارد هائلة ومداخل للتأثير لا تقع جميعها في حوزة الجانب العربي الاسلامي فثمة ماهو مطلوب من المؤسسات الامريكية المعنية بهذه النواحي ومع ذلك فان الآليات الهادفة الى تحقيق هذا الهدف الكبير بوسعها تبنى خطوطا عريضة، على درجة بالغة من الاهمية والعمق، منها: اولا: ان الولايات المتحدة دولة عظمى على تداخل لا حصر لانماطه وابعاده مع كل شعوب الدنيا هذه السعة في الانتشار تخلق تشابكا مع قضايا دولية بالسعة ذاتها وفي حالة كهذه فانه من السهل ان يقع الامريكيون في عداوات كثيرة مع قوى معلومة او مجهولة مستترة ومن العيب تماما سياسيا وخلقيا وقانونيا، ان يركز هؤلاء انظارهم شطر العرب المسلمين كلما تعرضت مصالحهم للاذى داخل بلادهم او خارجها. ثانيا: الولايات المتحدة هي في التحليلين الاول والاخير مستودع بشرى ضخم، يحوى كل الوان البشر وأروماتهم القومية والدينية انها اكبر دولة استيطانية عرضها التاريخ ولاشك، ان الوجود العربي والاسلامي فيها هو احد تجليات هذا الواقع والشاهد ان تخصيص المنظور السلبي بهذا الوجود ينطوي على تمييز وابعاد عنصرية اذ أين المبرر القوى (الطبيعي كما سبقت الاشارة) لنزع هذا الوجود عن النسيج الامريكي؟ لماذا لاينظر للعرب والمسلمين الامريكيين على نحو ما ينظر الى بقية الشرائح الامريكية؟ واذا قيل بأن للعرب والمسلمين قضايا عالقة تستوجب عداء مع بقية الشرائح او من هذه البقية بالتبادل فلماذا لا نتحدث بالمنطق ذاته بالنسبة للآخرين؟ أليس للشرائح المنتمية لاصول صينية او روسية او فيتنامية او ألمانية او ايطالية او يابانية او حتى للشعوب الاصلية (الهنود الحمر) قضايا عالقة مع ذوي الاصول الاخرى؟! نود القول ان القاء تبعة الاحداث السيئة ـ المأساوية منها بالذات كما هو الحال مع تفجيرات الثلاثاء الدامي ـ على عرب امريكا ومسلميها لايستقيم ومنطق المساواة بين الاعراق والقوميات في الولايات المتحدة ذاتها. ثالثا: ثم ان الربط التلقائي بين عرب امريكا ومسلميها وبين الدول والمناطق التي ينتمون اليها بأصولهم التاريخية وجذورهم القومية، عند كل حدث أو ملمة، لا يتسق والعقل السوي. بمعنى انه حتى لو ثبت ضلوع عرب او مسلمين من خارج الولايات المتحدة وعربها ومسلميها، في ما يسيئ للولايات المتحدة، فانه لا يتعين على الامريكيين، رسميا او شعبيا، القاء التبعة على مواطنيهم من العرب والمسلمين، لمجرد انهم يعودون بجذورهم الى العرب المسلمين! والعكس بالعكس. لا نعرف مثلا ان السياسة الامريكية او المواطنين الامريكيين صبوا جام غضبهم على اليابان او الصين او انجلترا..، لمجرد العثور على تشكيل اجرامي او عصابي ينتمي افراده الى هذه الدول باصولهم القريبة او البعيدة. ربما قيل هنا، بأن العرب والمسلمين الامريكيين، يدافعون عن مصالح بلادهم الام ويسعون للتأثير على سياسات واشنطن في هذا الاتجاه، ومن ثم، عليهم تحمل اخطاء أبناء هذه البلاد في بعض المناسبات. لكن هذا مردود عليه، بأن هذه الشريحة الامريكية تضطلع بما يقبله النظام الاجتماعي والسياسي الامريكي، كل الشرائح الامريكية تراعي في معظم الاحيان مصالح دولها وقومياتها الاصلية. وهناك لوبيات وروابط وجماعات ضغط تقوم بعرض رؤاها لهذه المصالح بشكل مباشر، وتحاول لي عنق السياسة الامريكية في اتجاه ما يخدم هذه الرؤى، ولعل اللوبيات العربية او الاسلامية تقع في ذيل قوائم جماعات الضغط المؤثرة قياسا بغيرها، لا سيما باللوبي الصهيوني او اليهودي هناك. كثير من هذه الخطوط تغيب عن ذهن صناع القرار الامريكي، ومن المؤكد انها غير واضحة بين يدي الرأي العام الامريكي، ونخشى ان تكون المسارعة بتصدير العرب والمسلمين الامريكيين لمواجهة قوائم الاتهام وايذائهم، بعد كل ضرر يصيب المصالح الامريكية داخليا او خارجيا، ناتج عن استضعاف لشأن ابناء هذه الشريحة في الداخل او عن استضعاف لدولهم القومية واصولهم في الخارج. وهذا عيب ظاهر لا يتعين على الدولة الامريكية اقله ان تقع فيه. فالعرب والمسلمون امم وشعوب كبيرة، ساهمت في صنع التطور الحضاري الذي اوصل الولايات المتحدة الى وضعها المميز الراهن، ايذاء ابنائهم والتمييز بينهم في الداخل الامريكي يجرح صدقية التعددية الامريكية من جميع جوانبها، كما ان الصاق التهم بتهم حيثما اتفق وبدون تحقيق، ليس له من تفسير سوى وقوع الشعب الامريكي في اسار «عنصرية بنيوية»، يصعب الشفاء منها. ولذلك تداعيات لا تخدم المصالح الامريكية في الاجلين المنظور والممتد. بقلم: د. محمد خالد الازعر ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة