بعد اللحظات الأولى التي احتبست فيها انفاس مجتمعات الغرب عقب مفاجئة سلسلة عمليات التفجيرات الارهابية، التي هزت وخلخلت الحصن الأمني في الولايات المتحدة الامريكية ارتفعت في أوساط الخبراء والمحللين حالة من اليقظة غير المعهودة في أوروبا، وبدت التكهنات تنطلق بحذر والاستنتاجات تخرج من الافواه منطقية قريبة جدا من النظريات العلمية المدروسة، لكن بعضها كانت تستبق الاحداث واتسمت بالعدائية للعرب والمسلمين، وتقتضي أمانة الكلمة في مثل هذه الحالات الخطيرة والحساسة جدا ان نرصد وننقل ردود الافعال بحيادية شديدة، بعيدا عن العاطفة، وبموضوعية، وبدقة متناهية حتى نتمكن من عكس صورة واقعية وحقيقية لنسيج الفكر الاوروبي وآرائه بمختلف فرقه وتوجهاته، ويتوجب هذا تقسيم ردود الفعل... تصنيفها.. تحديدها.. توصيفها. ردود الفعل الرسمية بداية جاءت متابعة رجالات السياسة في هولندا وبلجيكا بدهشة غريبة، وامتنع هؤلاء جميعا في الساعات الاولى للحادث عن منح وسائل الاعلام المحلية اجابات لاسئلتهم، وكأنهم اتفقوا مسبقا على خطة صمت، وتلى ذلك اختفاء كبار رجالات اتخاذ القرارات لساعات قليلة، حيث بدأت تصريحاتهم بأساليب تقليدية تقتصر على التعاطف مع الشعب الامريكي وحكومته ورئيسها، وسرعان ما اعلنت قرارات اجتماعات طارئة للحكومات ومجالس النواب، ومؤسسات سياسية شملت وزارات وخبراء الخارجية والعدل والدفاع والامن، ومن نتيجتها عمليات تأمين المصالح الامريكية والاسرائيلية في أوروبا، وإدانة الاعمال الارهابية والوقوف لجانب الولايات المتحدة الامريكية ومساندتها، لكن اقتصرت عبارات الدعم والمساعدة على المساهمة في عمليات انقاذ الضحايا، وخلت تماما من ذكر التضامن والتحالف في عمليات عسكرية ضد مرتكبي التفجيرات في امريكا كما ان اول تصريح رسمي لرئيس الحكومة الهولندية، تتضمن تحذيرا من قيام أمريكا بردود فعل غير مدروسة، وطالب حكومة واشنطن بالتأني والحكمة. كما لم تمض الا ساعات قليلة حتى عقدت بسرعة اجتماعات بسرية تامة (بين كثير من اعضاء حكومتي لاهاي وبروكسل ـ وكبار موظفي اعضاء البعثات الدبلوماسية الامريكية ومنهم جنرالات في مكاتب الملحق العسكري في البلدين) اسفرت نتائجها عن ارتفاع مستوى لهجة ساسة اوروبا، حيث اعلنت رسميا عقد اجتماعات طارئة للحكومات الاوروبية. ومجالس الامن القومي واعتبرت هذه الاجتماعات في حالة انعقاد دائم، ثم تطور الامر بعد ذلك لاعلان الاتحاد الاوروبي في بروكسل عن اجتماعات مماثلة اضاف لها تكوين لجنة تنسيق أوروبية مع قيادة حلف شمال الأطلسي، تتابع التطورات وتقوم بالتحضير لاتخاذ قرارات رسمية. تفعيل المادة رقم 5 من وثيقة حلف الناتو لقد افرزت عمليات التنسيق والاجتماعات نتائج جاءت في شكل اعلان عقب اجتماع قمة للناتو مساء الاربعاء الماضي 12 الجاري على لسان «روبرتسون» الامين العام لحلف شمال الأطلسي اول قرار تاريخي للحلف، وذلك بتفعيل المادة رقم 5 من وثيقة حلف الناتو، والتي تقضي «بأن حلف شمال الأطلسي يعتبر الاعتداء على الولايات المتحدة الامريكية او على دولة من اعضائه وعددهم «18 دولة» او امريكا الشمالية، اعتداء على الحلف كله، يستوجب التحالف والدفاع وقد جاءت ردود فعل حكومتي هولندا وبلجيكا على قرار تفعيل المادة رقم 5 مفاجئة غير متوقعة بالمرة، الامر الذي ادى لغضب جنرالات الناتو. تباين وجهات النظر في أوروبا لقد بدت عملية اعلان المواقف الاولية لوجهات نظر الدول الاوروبية اعضاء الحلف، تنذر بحدوث انشقاق بين أوروبا والحلف، تجرى في الوقت مباحثات موسعة لتحجيمه وتطويقه سياسيا ذلك على الرغم من تصريحات كل من رئيس وزراء هولندا «فيم كوك» ونظيره البلجيكي بأن بلادهما تتضامنان وتقفان مع قرارات الحلف وتؤيديان تفعيل المادة رقم 5 لوثيقة الناتو، الا ان الموقف الرسمي لهولندا جاء مشروطا وتشوبه تحفظات منطقية افادت ان تأييد هولندا لهذه المادة لا يعني تنفيذها دون تمحيص ودراسة، وذلك لاسباب اهمها: ـ المادة رقم 5 من وثيقة حلف الناتو تنص على انه لابد من ثبوت بالأدلة القاطعة اعتداء دولة من خارج الحلف عسكريا على دولة عضو بالحلف. ـ ايضا تنفيذ هذه المادة لا يعني فقط التحالف شن اعضاء الحلف لحرب عسكرية مضادة. وتساءلت هولندا عن: ماذا سيكون الموقف في حالة اتفاق حلف شمالي الأطلسي على عدو جماعي «نفترض جدلا» وعلى سبيل المثال انه دولة «افغانستان» وتأتي الادلة على مرتكب او مرتكبي العمل الارهابي ضعيفة؟ ويجيب احد خبراء الشئون الاستراتيجية الهولندي «فيم بوست» قائلا انه في هذه الحالة يكون من الصعب على هولندا التحالف في عمل عسكري. ـ تخشى هولندا على مصالحها في الدول العربية والاسلامية. ـ تفجر صراع جديد بين (الشمال والجنوب) من ناحية و(الشرق والغرب) من ناحية اخرى، قد يؤدي لحرب عالمية ثالثة، لا يستطيع احد بتكهن نتائجها الخطيرة على الانسانية. الخبراء والمحللون خلت معظم وجهات نظر خبراء الشئون السياسية والاستراتيجية في هولندا وبلجيكا من توزيع الاتهامات العشوائية، وذلك على الرغم من توجهات غالبية كبار الاعلاميين مديري حلقات النقاش والمناظرات نحو القاء تهمة تدبير وتنفيذ التفجيرات الامريكية على المنظمات والجماعات الاسلامية تارة، واخرى على «اسامة بن لادن» بصفته الشخصية قائدا، وعقلا مخططا، وممولا لحركات ارهابية، اضافة لعرض تاريخ نشأة جماعة الاخوان المسلمين، والقاء الضوء على فكر واحد من اهم مرشدي الاخوان «حسن البنا»، وبعرض افلام تسجيلية للاخوان في مصر والاردن وباكستان، وخاصة افغانستان. واعتبر بعض المحللين في هولندا ان تزامن عرض نظرية الجهاد عند الاخوان المسلمين، من الممكن ان تؤدي لتكوين رأي عام اوروبي مشوه ومغلوط عن المسلمين، وقال: ان الجهاد درجات ولا يبيح استخدام القوة العسكرية الا في حالة استرداد اراضي للمسلمين، انتزعت منهم بالقوة، وتساءل: هل ينطبق هذا الوضع على امريكا؟ التي لا تحتل أي بلاد اسلامية، واضاف نعم تساعد الولايات المتحدة اسرائيل، والشعب الفلسطيني يدافع عن ارضه في الداخل بأسلوبه الخاص، لكن لم نسمع منذ ان توقفت منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها المختلفة عن ارتكابها لاعمال ارهابية خارج الاراضي الفلسطينية، وعن «بن لادن» لم يستبعد احد ضلوعه بشكل او اخر في حوادث التفجيرات الامريكية، في ذات الوقت اتفقت معظم الآراء على انه «بن لادن» لا يملك القدرة على عملية متفوقة من هذا النوع، تحتاج لقدرات فنية وتقنية عالية، وكذلك معرفة دقيقة بحركة الطيران الداخلي واللوجستيك في امريكا، ايضا لم تستبعد بعض الآراء ارتكاب احدى المنظمات الامريكية، الهاربة في الجبال بالولايات المتحدة، والتي تعيش حالة خصومة سياسية واجتماعية مع حكومة واشنطن، وعلى سبيل التذكير حذر من القاء التهم العشوائية، مذكرا بما حدث عقب عملية تفجير اوكلاهوما، واتهام المسلمين في الشرق الاوسط بارتكاب تلك الجريمة، وثبوت ان الفاعل الحقيقي هو امريكي، واضاف ان الشيخ المصري «عمر عبدالرحمن» المسجون في امريكا، توجد شبهة تورطه في حادث بأمريكا، و«اسامة بن لادن» كان وراء حادث تفجير سفارة امريكا في دار السلام، لكن لا يجب استباق الحصول على ادلة حقيقية حول مرتكب عملية تفجير مباني مانهاتن، حتى لا يتورط العالم في حرب لا ضرورة لها. لماذا لم تهتم أمريكا بالتفجيرات؟ وتساءل محلل اخر عن اغفال السلطات الامنية والسياسية للتحذيرات التي وصلتها عن وجود خطط لارتكاب عمليات ارهابية داخل امريكا، واين كانت اجهزة الانذار في «البنتاجون» مبنى وزارة الدفاع الامريكية، الممنوع الطيران فوقها رسميا، وطالب واشنطن ان تسرع ايضا في عمل تحريات وابحاث واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة الأمريكية لكشف الحقائق. ردود الفعل الجماهيرية اما استقبال رجل الشارع «اي متوسط قياس الرأي العام» وفقا لاستطلاعات الرأي التي اجرتها عدد من المؤسسات ومكاتب الدراسات المتخصصة فقد تراوحت بين 40 و60% ترجح ارتكاب «بن لادن» لجريمة تفجير المباني الامريكية، وانساقت وراء اصحاب الآراء المتطرفة في وسائل الاعلام الاوروبية التي اتهمت الاسلام والمسلمين عشوائيا بالارهاب، وارتكاب جريمة التفجير في امريكا هذا ولا تزال الانفاس محتبسة تنتظر: التوصل للجناة او الجاني الحقيقي.. كيفية قيام امريكا بالعمليات الانتقامية.. اين سيكون مكان الثأر.. وهل سيؤدي لحرب عالمية ثالثة؟ كل هذه الاسئلة ستجيب عنها الايام المقبلة، ولا يستطيع احد التكهن بها بعد فلايزال الوقت مبكرا. لكن الاكيد هو ان: ـ امريكا والعالم كله على شفا حرب جديدة، فحلف شمال الاطلسي دق طبولها باعلانه تطبيق المادة رقم 5 من وثيقة الناتو، والعد التنازلي بدأ في انتظار ساعة الصفر. ـ تشهد الساعات الحالية تحالفا حذرا بين الاصدقاء في الاتحاد الاوروبي من جهة، وحلف شمال الاطلسي من جهة أخرى، وهو محك سياسي وتاريخي لساسة العالم العربي، واختبار يبين مدى قدرتهم على احتواء الموقف، وحمايته من الانهيار بتفويت الفرصة على اعداء الاسلام والعرب، من توجيه امريكا وحلفائها ضربات هيستيرية للمنطقة العربية، او بعض بلدانها. ـ وفي كل الحالات ستتغير موازين القوى والمعادلات السياسية والعسكرية في العالم، فور انتهاء امريكا والغرب من عملية الانتقام والاخذ بالثأر. بروكسل: د. سعيد السبكي