حينما كتب الروائي الامريكي توم كلانسي في مطلع الثمانينيات روايته حول الخيال العلمي السياسي هجوم على الكونجرس اثار موجة من الانتقادات لما سماه الناقد الادبي في الواشنطن بوست: الخيال المريض، لكن كارثة الثلاثاء الاسود اعطت الحق للروائي الامريكي وجعلت روايته بعد خمسة عشر عاما نوعا من انواع التوقع الصحيح لما يمكن ان يحدث فقد صور الكاتب عملية ارهابية يقوم بها الجيش الاحمر الياباني بخطف طائرة مدنية وتصويبها نحو مقر الكونجرس الامريكي لمسحه من على الارض والروائي كلانسي لم يكن وحده فان عديد الاشرطة السينمائية الامريكية وحتى المسلسلات التلفزيونية التي احبها جمهور الشباب في العالم خلال هذه العشرية مثل يوم الحشر الآن: Apocalypse Now او اليوم السادس The 6 taday خططت كلها ليوم مثل يوم الثلاثاء الاسود بدقة وفن وابداع نتجت عن الرعب النفسي الباطني الذي يعشش في أذهان الرأي العام الامريكي الخائف واللاجيء للخيال. نعم ان الخيال العلمي المعبر عنه بالانجليزي Fiction هو الذي يصور مأساة الجيل الامريكي الراهن فهو جيل قلق يعلم بان قوة الولايات المتحدة الامريكية اللامحدودة عسكريا واقتصاديا لم تدعمها قوة اخلاقية موازية، وهكذا تكلم المفكر الامريكي اليهودي ناحوم شومسكي في شهر فبراير 2001 حين دعا الى قيام امريكا برسالتها الغائبة في عالم اليوم وهكذا تكلم المفكر الامريكي العربي ادوارد سعيد حين اشار الى انخرام العدل في مواقف امريكا ازاء مأساة الشعب الفلسطيني وآخر تكلم يوم الثلاثاء الاسود هو ليندن لاروش عالم الاقتصاد المعروف والمرشح الاسبق لرئاسة الولايات المتحدة الامريكية على اذاعة (يو.إس. راديو) وكلام هذا الرجل عجيب تجدونه اذا شئتم في موقعه على الانترنت www.larovche PUB. Com لقد قال: «ان العرب والمسلمين ابرياء من هذه العمليات، بل هم المستهدفون لانني اعتقد ان قوى داخلية مناوئة لحوار الحضارات تريد ان تزج بأمريكا في صراع مفتوح مع العروبة والاسلام لصالح مخططات اسرائيل». على هذه الخلفية الاستراتيجية جاءت كارثة الثلاثاء وقد اتاح لي القدر ان اعيشها لحظة بلحظة من داخل ستوديوهات قناة الجزيرة فكنت اتابع ماتبثه شاشات العالم ـ وبخاصة الامريكية ـ من مشاهد آنية ادخلتنا قسرا وبقوة في عصر ثورة الاتصالات، فرأيت الطائرة المخطوفة الثانية تخترق كسهم اسطوري جسم البرج الشامخ من جداره الايمن الى جداره الايسر. عجيب كيف تقوم الصورة التلفزيونية بعملية تحويل هذا الواقع الكارثي المأساوي الى ما يشبه الفيلم الكرتوني لكن بفداحة الحدث وحرارته ومرارته، كما رأيت مباشرة الطائرة التي اخطآت هدفها وتم اسقاطها ـ او سقطت ـ في حقول بنسلفانيا، كأنها طائرة من ورق وحين تنزل الكاميرا الى الشوارع تتحول مشاهد الوجوه الدامية والعيون الباكية والاقدام الهاربة الى صور من اشرطة كارثية.. تخيلت تلك اللقطات ومثلتها بالوسائل الالكترونية وقدمتها للجمهور في اعمال فنية ناجحة لكن الثلاثاء الاسود كان من لحم ودم.. كان كابوسا حيا استيقظت امريكا ـ والعالم من ورائها ـ على فاجعته الاليمة بذهول ودهشة وعدم تصديق كأن الفضائيات اتفقت في ذلك اليوم على فتح ابواب الجحيم امام عيون امة امريكية تربت وترعرعت على مدى تاريخها كله على فكرة انها بمعزل عن المأساة وفي مأمن امين من الزلازل وان بينها وبين الانهيار سدا منيعا. الفضائيات عرت ذلك المجتمع الآمن فرأينا الضحايا والمهرولين والهاربين والناحبين ورأينا الرئيس بوش يبحث عن ملاذ ليجتمع بأعضاء مجلس الامن القومي واعضاء الكونجرس، امريكا التي خذلها جهاز امنها في لحظة غفلة اصبحت كدول العالم الثالث التي تتلقى الضربات والزلازل وتعاني حروب الابادة والتهجير، امريكا التي كانت كوكبا بعيدا يفصلها عن العالم المحيط الاطلسي والمحيط الهاديء ولم تعرف ارضها حربا منذ حرب الانفصال الداخلية منذ قرنين، رأيناها على شاشات الفضائيات مرتجفة لم تهضم هذا الهجوم غير المتوقع والذي وراءه قوى قال عنها ليندن لاروش يوم امس انها داخلية وتريد الزج بأمريكا في حرب عالمية ثالثة وتعمل لضرب التقارب مع روسيا والصين والعالم الاسلامي.. لعل الايام المقبلة ستجيب عن هذه الاسئلة: من وراء هذا العمل الاحترافي المنظم؟ ومن له مصلحة في ارهاب المجتمع الامريكي؟ ثم وخاصة كيف ستتعامل امريكا مع قضايا العالم بعد ان اصبحت بالضرورة جزءا منه فجورا وتقوى يصيبها ما يصيبه شرا ام خيرا؟ يقول المؤرخ والمفكر الكبير ألكسيس دو توكفيل افضل من كتب عن امريكا: «انه في محن الجنون السياسي، تخرج امريكا بأكبر مبادرات العقل» فهل سيصدق دوتوكفيل هذه المرة لتخرج الولايات المتحدة بأكبر مبادرات العقل والحكمة من هذا المستنقع المجنون فتعدل من مواقفها لتلائم بين قامتها الكبرى وبين رسالتها الحضارية في عالم اليوم، لايمكن ان تصاب امريكا بالعمى السياسي الكامل تجاه خرق اسرائيل لكل المواثيق والقوانين والاخلاق وعلى صعيد العولمة لايمكن ان تواصل الصناعة الامريكية تلويث المحيطات وتدمير الغابات والخروج من الاتفاقية الدولية لمنع التلوث.. لايمكن ان تواصل امريكا تقمص دورها بانفصام ذاتها الى جزأين: جزء قوي مؤسساتي تدعمه دولة قانون وحريات وجزء هش يجعلها في نظر المستضعفين في العالم بأسره عدوا شرسا لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها ورافعة لراية العولمة الجائرة القاهرة للمجتمعات الفقيرة المعدمة المطالبة بالخبز والحرية. كان الزلزال المدوي يوم الثلاثاء الاسود منعرجا خطيرا في هجوم العولمة بالارهاب وبالصورة وبالرعب، من خلال فضائيات ألغت المسافات وصغرت القوميات وحطمت الحدود لتعلن عن ميلاد عصر جديد مخيف عصر لايمكن ان نتكهن بمجهوله ولعل الاجيال القادمة ستؤرخ مولده بالحادي عشر من سبتمبر 2001 كحد فاصل بين عهدين وعالمين وتاريخين وربما كان ذلك اليوم معلنا لعصر حرب الاتصال بعد عصر ثورة الاتصالات! بقلم: د. احمد القديدي ـ استاذ الاعلام بجامعة قطر