ان ما حدث في الولايات المتحدة اضخم من مجرد الفرحة او الشماتة بما جاء به القدر لأمريكا فذلك امر لا يحقق شيئا للعرب. صحيح ان امريكا حكومة وشعبا لم تذرف دمعة واحدة على قتلانا، بل وقفت بالدعم والتأييد لهذا القتل.. بل حتى دعمت هدم مقدساتنا وبالتحديد المسجد الاقصى، وهيمنة اسرائيل على القدس. وصحيح ايضا ان السياسة الامريكية تجاه العالم لم تصل يوما الى هذا القدر من الصفاقة الى حد ان نائب الرئيس الامريكي يصرح مقطوعا بأن سياسة الاغتيال الاسرائيلية للرموز الفلسطينية لها ما يبررها، ويعلن الرئيس الامريكي نفسه ان استخدام اسرائيل للسلاح الامريكي ضد الشعب الفلسطيني الاعزل له مبرراته. وصحيح ايضا ان السياسة الامريكية لم تصل يوما في استهانتها بالعالم العربي الى مثل ما وصلت اليه هذه الايام، الى حد ان تجعل من حصار العراق هو القضية الاولى للأمن العربي، بينما اسرائيل سلام وبرد على الامن العربي، وترفض ان تسمع نداءات الحكومات العربية بغير ذلك وتقف وراء شارون بكل الدعم والتأييد. وذلك كله يجعل من فرحة البعض بما حدث في امريكا امرا طبيعيا ولكنه سياسيا غير مقبول، ويستحق العناية والفهم من صانع القرار الامريكي حين يفيق من الصدمة. وإذا كانت الفرحة لا تصل الى مستوى الحدث، فإن الشجب والادانة لا يصل الى حجم الحدث، وقد تمنيت ان يلتزم الحكام العرب، وهو الامر المستحيل، الصمت، خصوصا وان الادارة الامريكية لا تأخذ بيانات الشجب بجدية، والبيانات نفسها ليست بالضرورة تعبيرا عن موقف بل على العكس قد تكون تعبيرا عن عجز. والواضح ان الادارة الامريكية رغم كل البيانات العربية الرسمية بالشجب والادانة فهي تتجه الى اتهام العرب وبالتحديد ابن لادن، فهي في حاجة ماسة بأسرع ما يمكن الى هدف توجه اليه ضربة تمتص الغضب الامريكي، وتخرج الناس من حالة الذهول الى اليقظة، فهذه الاجهزة هي التي صنعت ابن لادن، واليوم تجعل منه بطلا اسطوريا في فيلم امريكي، ليصنع ما لا تقدر عليه حكومات وأجهزة ومؤسسات. ولا أظن ان ابن لادن او طرفا عربيا هو المخطط لهذه العملية التي اتسمت بدقة التنظيم، وقدرة التنفيذ بلا خطأ، حتى لو ثبت ان بين المنفذين مشاركة لعربي افغاني او غيره. فلو كان المخطط عربيا لاتجهت هذه الطائرات او غيرها الى بيت شارون او باراك او بيريز، أو هاجمت مقر الحكومة الاسرائيلية، او مفاعلها الذري، وهو ما كان يعود على القضية العربية، بفائدة بعكس ضرب رمز امريكي رغم التطابق بين الموقف الاسرائيلي والامريكي، ويبقى في النهاية ان اليد التي تقتل عندنا يد صهيونية. ويقينا ان هدف العملية الامريكية لم يكن هدفا عربيا بل على العكس تماما هو يحقق عدة اهداف الا الهدف العربي بتغيير السياسة الامريكية تجاه الصراع العربي الاسرائيلي. ولعل الايجابية الوحيدة للعالم العربي، في هذه العملية هو اثبات ان ما تطالب به امريكا ياسر عرفات بوقف الانتفاضة هو امر يفوق طاقة الرجل، رغم اختلافي معه سياسيا وقوميا، ولو كان في قدرة حاكم السيطرة على كل افراد شعبه لكان في امكان جورج بوش الابن منع مثل هذه العملية على ارضه رغم كل ما يملكه من اجهزة ومؤسسات لا يملك حاكم في العالم مثلها، ولا حتى مثل شهرتها، وانه في مثل هذه الاحداث الضخمة يجب ان يكون البحث عن المستفيد الرئيسي منها، فالعملية قد وجهت الى رمزين امريكيين.. الاول.. هو القوة الاقتصادية او ما يطلق عليه العولمة او الامبراطورية الامريكية.. والرمز الثاني هو القوة العسكرية التي لم تعرف الانتصار الا على الضعفاء في الدومينكان او جيراندا، بينما تاريخها مع الاقوياء لا يحمل الا ذكريات الهزائم مثل فيتنام، واختيار الرمزين، لا اظن انه جاء بالصدفة، بل هو اختيار مدروس بعناية، وهو امر لا يهم العالم العربي توجيه ضربة اليه. العملية ضربت مباشرة خطة جورج بوش العسكرية بعمل درع صاروخية حول الولايات المتحدة ضد عدو وهمي، بينما جاءت العملية لتقول ان العدو او التهديد هو داخل الولايات المتحدة او خارجها. والعملية ضربة الى سياسة العزلة التي جاء تحت رايتها جورج بوش الابن، لتقول ان امريكا بكل قوتها عاجزة وحدها عما يسمى بالارهاب. والعملية موجهة ايضا ضد الغرور الامريكي الذي وصل الى درجة حماقة التصور انه فوق الجميع، وأنه قادر على ضرب الجميع، بينما لا يصل اليه احد. وهي ضربة للاقتصاد الامريكي وخاصة الدولار في مواجهة الاقتصاديات المنافسة والتي لعبت الولايات المتحدة بأساليب تكنولوجية متطورة الى ضرب اقتصادها لصالح الاقتصاد الامريكي، والذي دخل في هذه العملية سرداب الازمة الحقيقي. والعملية كلها فضحت اكذوبة وحدة الشعب الامريكي والكل لم ينس دلالة آخر معركة انتخابات الرئاسة بين بوش وآل جور، والتي لم تحسم الا بالقضاء، مع انها تعبير حقيقي عن مدى الانقسام في المجتمع الامريكي، وقبلها وقعت صدامات دامية لم يحسمها سوى استدعاء الحرس الوطني، سواء لمواجهة معارضي العولمة، او معارضي اضطهاد السود من البيض، وبالتحديد الشرطة. ان ما يحدث في الولايات المتحدة هو عملية تاريخية وحتمية قدرية تأخرت سنوات عن موعدها، بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي الدرامي، والفرحة الكاذبة بأنه انتصار للولايات المتحدة. ولا أظن رغم كل ما يقال عن ابن لادن ان السياسة الخارجية الامريكية مع كل دول العالم، وليس مع العالم العربي فقط، والتي وصلت الى انسحاب ذليل، دفاعا عن اسرائيل في مؤتمر مكافحة العنصرية وهو امر لم يسبق حدوثه، فالسياسة الخارجية ليست هي المحرك لتلك العملية الكبرى، فبكل الصدق ان السياسة الخارجية الامريكية لم تتغير في جوهرها، او خطوطها مع العالم العربي، على الاقل منذ ما يزيد على 20 عاما، بل ومنذ قامت الولايات المتحدة بإنشاء اسرائيل بقرار قيل انه للصهيونية الامريكية، وإن كان مدعوما من الحكومة الامريكية خلال الحرب العالمية الثانية، وأرسلت الولايات المتحدة خلال حرب فلسطين الاولى اسلحتها وأفرادا من قواتها بدعوة انهم يهود، مع ان كثيرا منهم ليسوا من اليهود، حتى وصل الامر الى ان امريكا هي التي تحدد دور اسرائيل والصهيونية الى ان وصل الامر الى ما وصلنا اليه مع شارون. بقلم: سامي منصور ـ كاتب سياسي مصري