قد يفقد المرء السيطرة على بعض أسلحته أحيانا. وإذا ما كان عملاقا فإن الضرب فيه يصبح أكثر سهولة وأعمق أثرا. ربما تنبهت الإدارة الأمريكية الحالية لجانب من هذه القاعدة. غير أنها تغافلت أو غفلت الجوانب الأخرى. فعندما كانت تسارع في الأشهر الأخيرة إلى رفع درجة الانذار في قواعدها العسكرية حول العالم وتضاعف احتياطاتها الأمنية حول سفاراتها وتنسحب من مناورات هنا وهناك وتعقد إجراءات السلامة أينما حل جورج بوش الابن، عند كل ذلك كانت على حسن تقدير للأمور والمخاطر ولو أنها جلبت لنفسها ولسطوة القوة الأعظم في العالم بعضا من الإهانة. كان أي تهديد هاتفي يؤخذ على محمل عال من الجدية. واشنطن كانت إذن على دراية بحجم الخطر الذي يلاحقها. لكن ما جرى في 11 سبتمبر الجاري أظهر في المقابل أن القوة الأعظم ممكن أن تكون خاوية أمنيا إلى حدود الخيال. ما حدث في أجواء واشنطن ونيويورك ولمؤسساتها الأكثر حيوية على مستوى المعمورة سواء السياسية أو العسكرية أو التجارية، لم يذهب إليه أي سيناريو لأفلام «الخيال العلمي» أيا كان الهوس بمناهضة الهيمنة الأمريكية. إن من طرح الفكرة الأولى لهذه العمليات، قوبل بلا شك بذهول أولي أو استغراب. غير أن نجاحها في ضرب هذه المواقع «الوجودية»، رمز أمريكا العملاقة والمتعملقة في آن، هو في أقل تقدير صدمة ستصيب العقل الأمريكي المدبر بغيبوبة لا متناهية،مهما كان حجم الرد الممكن، سواء لاستيعابه السريع للشكوك بقدرة الولايات المتحدة على حفظ أمنها، أو لمحاولة استعادة الثقة والموقع الدولي. فالزلزال الذي أصابها أكبر بكثير من أداء الإدارة الحالية في البيت الأبيض، التي كانت محط انتقادات عنيفة منذ خطواتها الأولى. ولعل من المبكر تقديم قراءة متكاملة لما حدث في نيويورك وواشنطن والمواقع الأمريكية الأخرى التي استهدفتها العمليات، غير أن بضع نقاط يمكن أن تطرح الآن كنتائج أولية منها: أولا: إن العالم أمام محطة تحول حقيقي. فالولايات المتحدة قبل 11 سبتمبر هي غيرها بعد هذا التاريخ. إن هذا اليوم هو تاريخ فاصل بين مرحلتين. ثانيا: لقد سقط خيار الإدارة الأمريكية باعتماد نهج «تجنب المخاطر» في الوقت الذي أرادت فيه الحفاظ على المكتسبات والمصالح الخارجية لمجرد أنها الدولة الأقوى. وليس صحيحا أن سياسة بوش اتجهت بالولايات المتحدة نحو العزلة. فالعزلة تفترض الحياد،أما واشنطن تخلت خلال الأشهر الماضية عن مسئولياتها كأقوى دولة تجاه قضايا الشعوب الساخنة، من القضية الفلسطينية إلى ديون العالم الفقير إلى مخاطر البيئة كما وقفت في موقع بدا عدائيا للغاية واستفزازيا لدرجة أغضب بعض الدول المحسوبة في جبهة أصدقائها. ثالثا: ان العمليات الانتحارية فرضت ثقلها على الاحداث في مناطق مختلفة، وهي خاضت وتخوض في بعضها، وخاصة في الأراضي العربية المحتلة، صراعآ من أجل قضايا عادلة على مختلف المستويات الانسانية والوطنية. ومن لبنان الى فلسطين، وفي غياب الحلول العادلة والخلل البّين في توازن القوى، أصبحت هذه العمليات ظاهرة ثابتة من ثوابت نضال «الضعفاء» لا يمكن ان تواجه الا بازالة مسبباتها، كما ان استخدام المزيد من القمع والقوة لاجهاض قضاياها أدى الى اعتبارها اكثر فأكثر بمثابة الملجأ الأخير للتأثير في ميزان القوى. ويقع على الولايات المتحدة قبل غيرها المبادرة الى التفكير في سبل جديدة للتعامل مع هذه الظاهرة تبحث في حيثياتها وشعاراتها وأهدافها، فقد مضى قرابة عقدين منذ تفجير السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983 وهي تتعاطى معها كارهاب مجرد لا ترى لغة لمواجهته الا الحديد والنار دون أن تحقق تقدما جوهريا يذكر. رابعا: انهيار مفاهيم إحكام السيطرة على العالم مهما كانت قدرة أي قوة عظمى على الضغط على الدول أو محاصرة الشعوب. فأمامنا الآن مهمة استيعاب المعنى الحقيقي للقوة كمفهوم نسبي ممكن أن تكون بحوزة أي كان وقد تظهر بشكل مفاجيء وغير متوقع. ويأتي هذا الانهيار ليتراكم مع الانهيار المفاجيء، وإن من نوع آخر، الذي شهدناه نهاية الثمانينيات عندما تفكك المعسكر الشيوعي بين ليلة وضحاها وظهر متأخرا أنه تحول إلى ما يشبه دبا من ورق. ولاشك أن الانهيار الحالي للهيبة الأمريكية لا يأتي منفصلا عن مسار السياسة الأمريكية الخارجية المرتبك تارة والفظ تارات أخرى، والذي تجلى أكثر ما تجلى في الإصرار على نظام الدرع الصاروخية والتخلي من جانب واحد عن اتفاقيات الصواريخ الاستراتيجية مع روسيا وفي استفزاز صريح للصين من جهة تايوان بعد 30 عاما من اتباع ما يسميه الخبراء الأمريكيون سياسة «الغموض الاستراتيجي» تجاه بكين. وفي المسار ذاته نسترجع من الذاكرة أيضا مخالفة واشنطن الفاقعة لإرادة المجتمع الدولي في بروتوكول «كيوتو» البيئي للاحتباس الحراري ورفضها حضور قمته الخاصة التي عقدت في بون مؤخرا. نسترجع ذلك بينما لا يزال ماثلا أمامنا انسحاب الوفدالأمريكي من مؤتمر دوربان لمكافحة العنصرية وكافة أشكال التمييز احتجاجا على مشروعي التوصية باعتبار الصهيونية عنصرية والتعويض على الرق، وهو موقف -أي الانسحاب- لم يجاريها فيه سوى إسرائيل. ومع 8 أشهر من أداء الحكم المستغرب من الأصدقاء قبل الأعداء كثيرة هي الانتكاسات الخارجية التي «حققتها» دبلوماسية بوش ومساعديه، فلا ننسى بالإضافة إلى ما سلف ذكره، مفاجأة إسقاط عضوية الولايات المتحدة في انتخابات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف مع مطلع العام، كما لا ننسى فشلها «الملتبس» في تسويق مشروع «العقوبات الذكية» على العراق، وهذا عدا الاحتجاج العربي المتزايد على انحيازها الفاضح لإسرائيل ضد الفلسطينيين، ولاسيما وتيرة الاحتجاج الخليجي اللافت منذ عدة شهور. لقد جاءت صدمة 11 سبتمبر ومعها أسئلة كبرى حول مصير سياسة الإدارة الأمريكية الحالية، خاصة وأن طبيعة المواجهة لا تترك مجالا واضحا أمام الاستفادة من طاقتها العسكرية والتكنولوجية كما جرت العادة في بطولات سابقة. و إذا كان لا يمكن لأحد أن يشكك بالقدرة العسكرية الأمريكية إلا أن نجاح الرد يشترط هدفا جليا وهو أمر غير متوفر في حال تأكدت مسئولية شبكات أو تنظيمات هي أقرب إلى الأشباح. وبالتالي سيكون الرهان على القدرة العسكرية عبثا. أما في حالة تورط دولة بشكل أو بآخر بدعم هذه العمليات فإن مأزق بوش سيكون أخف وطأة، وإعادة الإعتبار هنا أكثر احتمالا عبر حملة انتقام واسعة تعالج إلى حد ما الآثار النفسية والسياسية الداخلية. لكن الثغرة في هذا الاحتمال تتمثل بأنه لا يضمن إطلاقا وضع حد للشبكات الراعية للعمليات الانتحارية خاصة وأن هذه الأخيرة باتت معروفة بانتشارعناصرها عبر الحدود والقارات. ووسط هذا الضباب الذي يحيط بمفترق الطرق أمام بوش لن يكون سهلا أمامه التخلي عن المسئولية، وإن كان هذا الخيار غير مستبعد كليا إذا سدت الأبواب للخروج من المأزق برؤية واضحة..وليس إلى مغامرة جديدة لا تحمد عقباها. بقلم: د. الياس البراج ـ كاتب لبناني