بدت كندا كما لو كانت الولاية الأمريكية المجهولة التي تعرضت للهجمات الارهابية، حيث انعكست عليها ملامح الذهول والصدمة، فيما تعرضت الى ما يشبه الغزو البشري حين غصت مطاراتها بآلاف المسافرين، بعد أن حولت جميع الرحلات عبر الأطلسي والمحيط الهادئ التي كانت في منتصف الطريق الى الولايات المتحدة صوبها، وقد غرق مطار بيرسون الدولي، محور النقل الجوي ومطار كندا الأكبر، في الفوضى مع عدم وجود خطط مسبقة للتعامل مع مثل هذه الحالة المفاجئة. وفي وقت اتخذت فيه الاجراءات الأمنية المشددة وطبقت فوراً عبر أنحاء البلاد، ووضع حرس الحدود في حالة إنذار قصوى لتفتيش مختلف أنواع العربات التي كانت في الطريق الى المدن الأمريكية المجاورة بدقة شديدة، أغلقت المستشفيات الكبرى بوجه العموم واستعدت لاستقبال الضحايا الأمريكيين. وأفادت تقارير غير مؤكدة ان البرلمان الكندي أخلي بعد تلقي تهديد بوجود قنبلة على جهته الشرقية. وأغلقت السفارة الأمريكية في أوتاوا أبوابها، كما أغلقت مكاتب القنصليات الأمريكية الستة، وأحيط السكن الرسمي للسفير الأمريكي واقامات القناصلة بقوى الحماية، وأنيطت بضباط يرتدون الملابس المدنية مهمة القيام بدوريات في محيط تلك الاقامات. وكان الكنديون قد أفاقوا على الصور التي كان يبثها التلفزيون لمركز التجارة العالمي وهو ينهار وسط مدينة واشنطن، وسرعان ما توجهت أعداد كبيرة منهم الى المراكز الصحية للتبرع بالدم، رغم صدور نداء فوري بذلك، وبدأ الصليب الأحمر الكندي بتنظيم فرق لمساعدة المسافرين الذين حوصروا في المطارات. وقد أعلن منظمو مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، الذي يجتذب عادة مشاهير هوليوود، الغاء الدورة الحالية التي بدأت في السادس من أغسطس الجاري، وانعكس الوضع على عالم الألعاب الرياضية حيث أجلت مباريات الدوري الرئيسي للبيسبول، وهي المرة الأولى التي يؤجل فيها منذ وفاة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت عام 1945. وكان التأثير بالغاً على القطاعات التجارية، إذ أغلقت الأسواق المالية في تورنتو وفانكوفر، وفي تورنتو أكبر المدن الكندية والأكثر سكاناً، سد رجال أعمال عصبيون مكاتبهم وصرفوا العاملين لديهم الى البيوت، كما أغلق برج «سي.إن» الذي يماثل تقريباً مركز التجارة العالمي في اشنطن الذي انهار كلياً في أحداث الثلاثاء. ورغم ان المدارس بقيت مفتوحة لكن ناطقين رسميين قالوا ان بامكان الآباء أخذ أطفالهم مبكراً إذا رغبوا بذلك. وفي مطار هاليفاكس، كان الآلاف من المسافرين المنهكين وهم يحملون أمتعتهم الخفيفة فقط، قد عرقلوا الحركة في المطارات في كافة أنحاء كندا، وقد تم تحويل أكثر من 200 طائرة اعتباراً من الساعة السادسة من يوم الثلاثاء بالتوقيت المحلي، وأجبر هؤلاء على الانتظار في جو قائظ ساعات طويلة بانتظار أن ينهي مسئولو الأمن تصحبهم الكلاب البوليسية تفتيش الطائرات التي غطت كل متر من المدرج، وكان هذا المشهد يتكرر في المطارات الأخرى. وإلى جانب غرف الفنادق المتوفرة، وضع الكنديون قاعات الرياضة والمراكز الاجتماعية والمدارس والجامعات والقواعد العسكرية تحت تصرف المسافرين، كما عرض مواطنون بيوتهم الخاصة لهم، وسمح لمئات الكنديين للتطوع والعمل كمضيفين. وقدر هبوط 45 طائرة على الأقل في مطار هاليفاكس تحمل تسعة آلاف شخص وهو ما استنفد قدرة الموظفين ومسئولي طوارئ المطار لتحمل هذا الحشد الكبير من الناس، كما هبطت 60 طائرة في مطار جاندر و27 في مطار سانت جون وكلاهما بمدينة نفلد و10 طائرات بمطار مونكتون. وكانت السلطات الكندية قد ألغت جميع الرحلات الخارجية لاستقبال العشرات من الرحلات الدولية التي حولت من الاتجاهات الأمريكية، وكان الكنديون يأتون بالأغطية وقناني المياه ووجبات الطعام لمئات المسافرين الذين لم يسعفهم الحظ بالحصول على غرف في الفنادق والاقامات الأخرى. وعلى العكس من تقارير سابقة أفادت ان الحدود بين البلدين أغلقت بعد الاعلان عن سقوط طائرة في مدينة بيتسبرج الأمريكية، فان المعابر الحدودية الكندية من وإلى الولايات المتحدة لم تغلق، ولم تكن هناك خطط لاغلاقها، وأكد الناطق باسم وزارة الخارجية رينالد دويرون ان الحدود الكندية ـ الأمريكية لم تغلق، كما لم يغلق أي من الجسور الثلاثة التي تربط بينهما. يذكر ان الحدود الكندية ـ الأمريكية هي الأطول في العالم حيث تبلغ 8 آلاف و890 كيلو متراً. وكان رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان قد أخبر بالهجمات أثناء اجتماع فطور مع رئيس وزراء مقاطعة ساسكاتشوان لورين كالفيرت، الذي كان في أوتاوا لمناقشة موضوع مساعدة مقاطعته لمواجهة الجفاف، وقام بالاتصال مباشرة بعدد من الوزراء والمسئولين الأمنيين والعسكريين، كما عقد مؤتمراً صحفياً أدان فيه بشدة الهجمات التي وصفها بـ «الجبانة والوحشية» وعرض «مساعدته للأصدقاء الأمريكيين». في هذه الأثناء حثت شركات الهاتف ومجهزو خدمة الانترنت الى تقنين اتصالاتهم وارتباطاتهم بشبكة الانترنت، حيث أدت الأزمة الى زيادة استخدام وسائل الاتصال. مونتريال ـ رضا الأعرجي:


