شوارع شبه مقفرة، مطاعم ومسارح مغلقة في معظمها، مبان عامة مطوقة برجال الشرطة... تلك كانت نيويورك في ليلتها الأولى بعد الكارثة، مدينة اشباح بعد الاعتداءات الدامية التي وقعت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر. بدت كل الطرقات الرئيسية شبه مقفرة، من المحاور الكبرى مثل الجادة الخامسة التي تصطف المحلات الفخمة على جانبيها الى الطرقات الجانبية التي تربط شرق المدينة بغربها. وفي حين تشهد هذه الطرقات في الايام العادية حركة سير كثيفة تتنافس فيها سيارات الاجرة والسيارات الخاصة سرعة وصخبا، لم يعبرها اليوم سوى بعض المارة والزلاجين الذين جازفوا بالخروج وساروا مترددين في وسط الشارع. تعبر سيارات اسعاف بانتظام مطلقة صفارات الانذار لتذكر بالمأساة التي حلت بالمدينة خلال النهار. في محطة «جراند سنترال» من حيث ينطلق كل يوم عشرات الآلاف من سكان الضواحي يقف بضعة مسافرين ينتظرون قطارا من المستبعد ان يصل. على الالواح الالكترونية التي تعرض عادة ساعات الرحلات ووجهتها يظهر اعلان للصليب الاحمر يطلب فيه متبرعين بالدم. في الانفاق تحت الارض تستأنف قطارات المترو حركتها بخفر. جميع الطرقات المؤدية الى المحطة قطعت واقيمت عليها حواجز من رجال الشرطة، وكذلك محيط المكتبة العامة ومركز روكفلر على مقربة. ساحة تايمز سكوير التي تمثل عادة قلب الحياة الليلية في نيويورك رفضت الاستسلام. لكن ان كانت اللافتات الاعلانية ظلت مضاءة، الا ان المكان خال من الحياة. فالارصفة التي تعج عادة بالمارة شبه مقفرة والبواب الذي ينادي على الزبائن امام ملهى «لايس» لعروض التعري لا يجد من يستجيب الليلة. على باب مسرح «بالاس ثياتر» الذي يعرض عادة اوبرا «عايدا» من اقتباس التون جون الصق اعلان يقول «الى السادة الزبائن، ان عرض هذا المساء الغي بسبب ماساة اليوم». الشاشات الكهربائية الثلاث التي تتوالى عليها عادة اسعار البورصة يعلنها مصرف مورجن ستانلي الامريكي، تظهر الان رقما هاتفيا يمكن لاقرباء الموظفين العاملين في المصرف الذي كان يحتل مكاتب شاسعة في البرجين التوأمين الاتصال عليه للاستعلام. عند مدخل مبنى ناسداك الذي يضم بورصة نيويورك علق اعلان كتب عليه على عجل بقلم الحبر انه اذن للموظفين بالعودة الى منازلهم. امام ساحة يونيون سكوار، احدى ساحات نيويورك الكبرى وضع اعلان يدعو المارة للانضمام الى «تأمل من اجل السلام». فقد تجمع بضع عشرات النيويوركيين الليلة قبل الماضية في الساحة للمشاركة في سهرة تأمل وصلاة عن نفوس الضحايا. والمشاركون يدونون رسائل على يافطات وضعت على الارض ويشعلون الشموع. احدهم كتب «يمكننا التغلب على المحنة معا» في حين رسم اخرون رموزا للسلام أو دونوا قصائد لجون لينون او رسموا البرجين التوأمين. رسم جون (30 سنة من اتلانتا) قبورا كتب تحتها بحنق «ايها الحكام، تحملوا مسؤولياتكم، لا تقتلوا شعوبكم». يقول بصوت متهدج «احاول فقط ان اوجه تحية الى الاشخاص الذين قتلوا». كتب ديفيد رايزنر (20 سنة) «ماذا حل بناطحات سحابنا؟» فهذا الشاب النيويوركي الذي يقول انه «عاش دوما هنا» يعتبر ان «هذه اتعس لحظات حياته». يتهافت بعض السياح حول مجموعة من البطاقات البريدية محاولين الحصول على البطاقات التي تظهر برجي وورلد تريد سنتر وقد غابا عن سماء نيويورك. في الحانات والمطاعم النادرة التي ظلت مفتوحة، ترتفع جميع الرؤوس نحو جهاز التلفزيون الذي يكرر بلا توقف المشاهد ذاتها يظهر فيها البرجان مشتعلين أو في حالة انهيار. لولا الدخان الذي ما زال يتصاعد عبر اضواء المدينة في البعيد صوب الجنوب فوق المنطقة التي عزلتها الشرطة وحظرت الدخول اليها، لكان من الصعب الاقتناع بأن مأساة امس حصلت فعلا. بالكاد يشاهد علم منكس فوق مركز البريد. وكاتدرائية سانت باتريك اقفلت ابوابها كما في كل ليلة. أ.ف.ب