رغم قصر المدة التي قضاها رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون في تركيا خلال زيارته الأخيرة اليها والتي دامت عشر ساعات تقريبا فان كثيراً من المراقبين وصفوا هذه الزيارة بأنها مهمة حيث حمل شارون في حقيبته ثلاثة أهداف أساسية الأول سياسي والثاني عسكري والثالث اقتصادي. ويرى محللون ان هذه الزيارة حققت نتائج أقل ما يقال عنها انها تصب في مصلحة إسرائيل بصفة عامة فضلاً عن ان هذه الزيارة استطاعت ان تدعم وتعزز العلاقات التركية الإسرائيلية لدرجة يمكن ان يقال عليها علاقات عضوية حليفة تكمل منظومة التحالف الاقليمي المشترك بين الكيان وانقرة تحت مظلة الرعاية الامريكية. ويشير بعض الباحثين إلى أنه من الضروري عند الحديث عن العلاقات التركية الإسرائيلية عدم إغفال وجود شريك ثالث في تلك العلاقات، وهو الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت في الأصل بوضع حجر الأساس للتعاون التركي الإسرائيلي ضمن عملية إلحاق إسرائيل بحلف شمال الأطلسي ولكن دون إعلان ذلك وبصفة غير رسمية. وتعود بداية القصة إلى عهد الرئيس رونالد ريجان حين ألح الإسرائيليون على الإدارة الأمريكية آنذاك لقبول انضمامهم إلى حلف شمال الأطلسي، ولما كان من الطبيعي أن يواجه هذا الأمر بتحفظات كثيرة - لا يتسع المجال لذكرها - فقد وجدت الولايات المتحدة حلاً لتلك المعادلة الصعبة، متمثلاً في صيغة التعاون الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب في الثمانينيات لتصبح هي التجسيد العملي للحل الأمريكي لتلك المعادلة، وفي هذا السياق بدأت الولايات المتحدة خطوات الإلحاق الفعلي لإسرائيل عبر عدة خطوات متصلة كان من أهمها بناء علاقات متماسكة بين إسرائيل و «رأس رمح» الحلف الذي يواجه الاتحاد السوفييتي - آنذاك - على نحو مباشر أي تركيا. وفي هذا الإطار فقد بدأ التعاون التركي الإسرائيلي حتى ظهرت ملامحه في الأفق في عام 1996، حين وقعت الدولتان اتفاقات عسكرية نجم عنها قيامهما بتدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة وهو ما أثار قلق الدول المجاورة ولا سيما سوريا والعراق وإيران. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، فما الدوافع التي كانت وراء إقدام تركيا على تطوير علاقاتها بالدولة العبرية بمثل هذه القوة غير المتوقعة؟ ويجيب البعض عن هذا التساؤل من خلال ما يلي: خوف تركيا من فقدان دورها في الاستراتيجية الأمريكية الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال الخطر الشيوعي، فتركيا التي شهدت مرحلة التوسع الأولى لحلف شمال الأطلسي في عام 1949، بوصفها حجر الزاوية وحاجز الصد الأول لحلف وارسو يمكن أن تصبح دولة عادية في هذا الحلف على الأقل بالنسبة للدول الأوروبية. عدم قدرة تركيا على الاستفادة من فرص ما كان يسمى بالحرب الباردة، بل إن نهاية هذه الحرب حرمتها من استغلال خصوصيتها في لعبة توازن القوى، أو من الاستفادة من الدعم الأمريكي والاستراتيجي الكبير لها، ولهذا اختزلت كل أوراقها في ورقة العلاقة مع إسرائيل وحسب. إخفاق تركيا في القفز على المعادلة الأمريكية التي تسعى إلى جعل إسرائيل قوة إقليمية وهمزة وصل بين الشرق والغرب، جعلها تحاول معالجة الموقف لدرجة وصلت معها إلى اعتبار الشريك الأول هو إسرائيل باعتبارها النموذج الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط، وهذا السبب بالذات أسقط من يدها - أي تركيا - أيضًا اللعبة المزدوجة التي كانت تعتمد على الجمع بين الشرق والغرب في آن واحد، وهو ما أدى إلى ضرب سلة المشاريع التي طرحت في تركيا باعتبارها أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى، بداية من مشروع أنابيب السلام، إلى الهلال الإسلامي في البلقان، مرورًا بجامعة الدول التركية، وانتهاءً بمنظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود. عدم قدرة تركيا على التواصل مع جوارها العربي والإسلامي بسبب جملة الأخطاء التي أثارت مزيدًا من الحساسيات المزمنة بين الجانبين، حيث فشلت الدبلوماسية التركية في تحقيق أي تعاون مستقبلي جدي بين تركيا والدول الإسلامية والعربية خاصة الخليجية منها. رغبة تركيا في استثمار علاقاتها مع إسرائيل في تحقيق بعض المكاسب الخارجية، فعلى سبيل المثال فإن إقامة تركيا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وتقاربها إلى الآن مع الدولة العبرية جعل واشنطن تتجاهل الملف التركي لحقوق الإنسان. على جانب آخر تأمل تركيا من خلال استثمار علاقات إسرائيل ببعض المنظمات وجماعات النفوذ في أوروبا، في تهيئة الرأي العام الأوروبي وقادة الدول في الاتحاد لقبول عضويتها فيه، دون أن تأخذ بالحسبان أن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة من خلف الستارة تسعى جاهدة لإبقاء تركيا خارج إطار الاتحاد لتبقى تدور في محيط مخططاتها في المنطقة بشكل عام. بعد العرض السابق للعلاقات التركية الإسرائيلية ودوافع الطرفين منها، يجب التأكيد على أن الهدف من ذلك هو بيان طبيعة هذه العلاقات ومدى المصالح المشتركة التي يرغب كل طرف في تحقيقها من وراء الآخر، وبالتالي فإن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي لتركيا في هذا التوقيت العصيب.. لم تكن زيارة عشوائية، إنما هي زيارة مخطط لها ولها أهداف مهمة جدًا تسعى إسرائيل لتحقيقها في ضوء العلاقات المتنامية بين البلدين. الظروف المحيطة بالزيارة جاءت زيارة شارون لتركيا وسط حالة من تدهور مستمر في الأوضاع في الشرق الأوسط بسبب تعنت إسرائيل مع الفلسطينيين وتصعيدها المستمر لممارساتها الوحشية في الأراضي المحتلة، واللافت للنظر أن الجهات غير الرسمية في تركيا قد هاجمت الزيارة بخروج الكثير من المظاهرات الشعبية المناهضة لإسرائيل. إلى جانب ذلك نظم اتحاد الكتاب الصحفيين الأتراك في السابع من أغسطس معرضًا يتضمن وثائق وصورًا فوتوغرافية لبعض الجرائم التي ارتكبها شارون أو تمت بأوامر مباشرة منه ضد الفلسطينيين، كما نظمت جمعية حرية الفكر وحقوق الإنسان مؤتمرًا صحفيًا استنكرت فيه وصول شارون لتركيا، ولم تكن الصحافة وبخاصة صحف التيار الإسلامي بعيدة عن الأمر حتى إن صحيفة «يني شفق» قد وصفت شارون بأنه «ضيف إرهابي»، بل إن بعض الأحزاب اليسارية الصغيرة وجماعات حقوق الإنسان قد أعربوا عن انتقادهم الشديد لزيارة شارون وبعضهم قد تقدم بالفعل بدعاوى لوزارة العدل التركية لمحاكمته كمجرم حرب. أهداف الزيارة لا شك أن إصرار المسئولين الإسرائيليين والأتراك على إتمام الزيارة رغم الظروف التي تمر بها المنطقة يعني أن هذه الزيارة على قدر كبير من الأهمية وأن هناك أهدافًا مهمة يسعى شارون خلال زيارته إلى تحقيقها، وفي هذا السياق يرى البعض أنه يمكن بلورة أهداف الزيارة في تعزيز العلاقات الوثيقة بين تل أبيب وأنقرة، ومواصلة شق أي تكتل إسلامي عربي يمكن أن يتبلور ويتطور بحيث يتسنى له في يوم من الأيام الوقوف في وجه الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية، إلى جانب ترسيخ توجه استراتيجي لدى الحكم التركي جوهره «تغريب» تركيا وإبقاؤها ركنًا ركينًا في الاستراتيجية الغربية، ومن خلال هذا الإطار العام يمكن استعراض أهداف الزيارة بشيء من التفصيل كما يلي: 1 ـ الأهداف السياسية: تشير بعض المصادر إلى أنه يمكن بلورة الأهداف السياسية في هدفين أساسيين هما إقناع تركيا بضرورة أن تعمل على عرقلة أي مخاطر تهدد إسرائيل في المنطقة وبخاصة في إطار أزمة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إقناع تركيا بالتخلي عن علاقاتها مع كل من إيران وسوريا والعراق وتبني وجهة النظر الإسرائيلية في هذا الأمر. أما بالنسبة للهدف الأول فقد صرحت مصادر في رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن شارون حاول إقناع الزعماء الأتراك باستخدام نفوذهم لإقناع السلطة الفلسطينية بوقف الانتفاضة والعودة لمائدة المفاوضات، ويبدو أن ما أعلنته مصادر رئاسة الوزراء الإسرائيلية هو هدف علني يمكن بلورته بصورة أخرى ألا وهي أن شارون إنما أراد أن يدفع تركيا نحو تبني وجهة نظر إسرائيل فيما يتعلق بالانتفاضة الفلسطينية حيث تعتبر الدولة العبرية أعمال المقاومة الفلسطينية إرهابًا يجب القضاء عليه بأي وسيلة، وفي هذا السياق فإن شارون - وكما أشارت بعض الصحف التركية - أراد من تركيا أن تتحمل دورًا لعرقلة المخاطر التي تهدد إسرائيل، كأن تعمل لمنع أي رد عربي في حالة قيام إسرائيل بهجوم على فلسطين. أما بالنسبة للهدف السياسي الثاني الخاص بعلاقات تركيا بإيران وسوريا والعراق، فقد رأت تل أبيب أن علاقات أنقرة مع هذه الدول في تصاعد مستمر، فالعلاقات بين تركيا وسوريا تشهد تطورًا ملموسًا عكسته زيارة السيدة صبا ناصر نائب وزير الخارجية السوري في أوائل الشهر الجاري للعاصمة التركية أنقرة، ويذهب المراقبون إلى أن البلدين باتا على مسافة قريبة من توقيع اتفاق إعلان مبادئ، وأن وزير الخارجية إسماعيل جيم قد يزور سوريا تلبية لدعوة من نظيره فاروق الشرع، هذا بالإضافة إلى احتمال قيام الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة لتركيا قبل نهاية هذا العام. أما على صعيد العلاقات بين تركيا وإيران، فقد شهدت الفترة الأخيرة تبادلاً للزيارات والتي لم تعد تقتصر على المجالات الأمنية بل تعدتها إلى النواحي الاقتصادية والتجارية. ولا شك أن إسرائيل ترفض مثل هذه العلاقات المتنامية بين تركيا من جانب وكل من إيران وسوريا والعراق من جانب، وبالتالي حاول شارون إقناع تركيا بأن هذه الدول تمثل تهديدات مشتركة، ورغم أن تركيا لا تدع مناسبة تفوت إلا وتؤكد فيها أن علاقاتها مع الدولة العبرية ليست موجهة ضد طرف ثالث إلا أن شارون يضيف جملة تحوي عبارتين مهمتين. الأولى: أن العلاقات بين البلدين هي من أجل شراكة استراتيجية تحوي من ضمن أهدافها مكافحة الإرهاب الذي توصف به سوريا وإيران بوصفهما راعيتين للإرهاب، والعبارة الثانية هي: أن العلاقات موجهة ضد التهديدات المشتركة التي تتمثل بالنسبة لإسرائيل في كل من إيران وليبيا والعراق في مجموعة واحدة، ثم سوريا في مجموعة ثانية، وبالتالي تصبح المعادلة كالتالي: «إن الشراكة الاستراتيجية بين تركيا وإسرائيل هي ضد كل من إيران والعراق وسوريا وليبيا». 2 ـ الأهداف العسكرية: يشير الباحثون إلى أنه يمكن بلورة الأهداف العسكرية في هدفين يتعلق الأول بإقرار نوع من التنسيق بين الجانبين لمنع حدوث أي تنافس بين أمريكا وإسرائيل حول مبيعات الأسلحة لتركيا، أما الهدف الثاني فيتعلق بمحاولة وضع خطوات لضم تركيا إلى مشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي. وفيما يتعلق بالهدف الأول يرى البعض أن زيارة شارون لتركيا تهدف - في جانبها العسكري - إلى تحقيق تحول نوعي في العلاقات العسكرية التركية -الإسرائيلية في ظل وجود تنسيق أمريكي وثيق لمنع وجود أي تنافس بين واشنطن وتل أبيب كما حدث في مرات سابقة أدت إلى خسارة إسرائيل لبعض الصفقات العسكرية التركية لصالح الولايات المتحدة. ويذكر أصحاب الرأي السابق مثالاً على ذلك بما حدث في العام الماضي حين أعربت تركيا عن رغبتها في تنفيذ مشروعين لتطوير قدرات الجيش التركي وخاصة في سلاح الدبابات والمدرعات، ووضع الأتراك خطة تنقسم إلى قسمين الأول هو تحديث 170 دبابة تركية بتكلفة 600 مليون دولار كمرحلة أولى، والقسم الثاني إنفاق 7مليارات دولار لشراء عدد من الدبابات الأحدث، وقد قامت شركة «تاس آند ستريز» التي تنتج دبابات ميركافا بتقديم عرض لتلبية الاحتياجات التركية وفي نفس الوقت قدمت شركة«جنرال دينا ميكس» الأمريكية التي تنتج دبابات «ايرامز» خدماتها. وبعد تدخلات تنسيق العروض تم الاتفاق على حل وسط يقضي بأن يحصل الأمريكيون على العقد الكبير في حين يحصل الإسرائيليون على العقد الأصغر. غير أن مرور تركيا بأزمة مالية هددت اقتصادها بالانهيار دفعها إلى إلغاء المشروع الكبير مع الإبقاء فقط على المشروع الصغير، مما دفع الشركة الأمريكية إلى دخولها في المنافسة مرة أخرى على العقد الصغير الخاص بتحديث الدبابات التركية، وفي هذا السياق انطلق الجنرال توم والترز مدير وكالة التعاون الأمني العسكري في وزارة الدفاع الأمريكية إلى تركيا، عارضاً أن تقوم بلاده بإعارة دبابات «ايرامز A-1» وليس إيرامز A-2 التي لم تنتج بعد «إلى الجيش التركي بلا مقابل، وذلك خلال الفترة التي سيستغرقها تحديث الدبابات التركية M -60»بشرط أن تتولى التحديث شركة جينرال ديناميكس. كما عرض والترز تزويد الدبابات التركية التي سيجري تحديثها بتجهيزات أحدث مما عرضها الإسرائيليون، كما عرض المسئول الأمريكي كذلك إزالة برج التوجيه المستخدم في الدبابات التركية M-60 ووضع برج التوجيه المستخدم في دبابات ايرامز A-1 بدلاً منه. ولا شك أن هذا العرض الأمريكي قد أدى إلى استبعاد الشركة الإسرائيلية من صفقتي الأسلحة مع تركيا سواء العقد الصغير أو الكبير، غير أنه على ما يبدو قد تم وضع إطار عام للتنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول مبيعات الأسلحة لإسرائيل بحيث بدأت الدولة العبرية مرة أخرى في البحث عن عقد صفقات أسلحة مع تركيا، وكانت البداية مع زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي لأنقرة في 9 يوليو الماضي حينما ناقش الوزير الإسرائيلي عدة موضوعات أهمها تحديث 170 دبابة تركية من طراز 60-M وتزويد تركيا بمظلة صاروخية من طراز Arrow المضادة للصواريخ، وإنتاج مشترك لصواريخ 2-popeye أرض - جو ومنح تركيا حق بيعها لدول أخرى.وفي هذا السياق أيضاً جاءت زيارة رئيس الأركان الإسرائيلي شاؤول موفاز لأنقرة حيث تعهد موفاز للجانب التركي بالسعي لدى الولايات المتحدة لإشراك تركيا في مشروع الصاروخ «أرو-2» في الوقت الذي تواصل فيه الدولتان محادثاتهما من أجل الإنتاج المشترك للصاروخ أرض - جو من طراز 2-.PoPeye أما بالنسبة للهدف الثاني الخاص بمناقشة بعض الخطوات لضم تركيا للمشروع الأمريكي للدفاع الصاروخي، فبداية يجب الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تعمل على إشراك تركيا في مشروعها المسمى بالدرع الصاروخي، حيث إن تركيا تمثل موقعاً جيواستراتيجياً شديد الأهمية، إذ تتوسط كلا من العراق وسوريا وإيران، وتقترب من آسيا الوسطى والقوقاز وبذلك فإنها يمكن أن تشكل محوراً مهماً من محاور المشروع الأمريكي وبما يوفر الحماية لإسرائيل من أخطار الهجمات الصاروخية، ويتحقق ذلك من خلال إنشاء قواعد ومحطات للإنذار المبكر ونصب منصات لإطلاق الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية على أراضيها. ويشير بعض المحللين إلى أن إسرائيل تحاول تكملة الجهود الأمريكية إزاء ضم تركيا لمشروع الدفاع الصاروخي، فخلال زيارته لأنقرة في 28 يوليو الماضي تناول رئيس الأركان الإسرائيلي شاؤول موفاز التنسيق بين الجانبين فيما يتعلق ببرنامج الدفاع الصاروخي الذي يهدف من وجهة نظر تل أبيب إلى التصدي لأي تهديدات محتملة من دول الجوار لاسيما إيران وسوريا وتركيا. 3 ـ الأهداف الاقتصادية: أشارت مصادر في الخارجية الإسرائيلية إلى أن حقيبة شارون تضمنت بعض الموضوعات الاقتصادية مثل بيع الغاز الطبيعي إلى شرق أوروبا بعض الموضوعات الاقتصادية مثل بيع الغاز الطبيعي لشرق أوروبا عبر تركيا، وكذلك مشروع تنمية هضبة الأناضول المعروف باسم «الجاب» وذلك عبر ضخ استثمارات لشركات إسرائيلية في مشاريع الري والزراعة في هذه المنطقة، هذا بالإضافة إلى توثيق التعاون التجاري بين الدولتين، غير أن عروض شارون جاءت مشروطة بممارسة تركيا ضغوطاً قوية على الجانب الفلسطيني للتوقف عن أعمال العنف. إلى جانب ذلك أشارت بعض المصادر إلى أن موضوع شراء المياه من تركيا قد احتل مكاناً في محادثات شارون في تركيا، فالأمر متوقف الآن على السعر، فتركيا تطلب 15 سنتاً للمتر المكعب في حين تعرض إسرائيل 10 سنتات فقط. نتائج الزيارة إن قراءة متأنية ودقيقة للدوافع التي كانت وراء تركيا للتقارب مع إسرائيل يمكن أن تكشف عن أن شارون يستطيع أن يحقق أهدافه من الزيارة بسهولة خاصة الأهداف السياسية. وما يؤكد الطرح السابق أن تركيا تدرك تماماً الفائدة التي تعود عليها من جراء وقوف إسرائيل واللوبي اليهودي إلى جوارها، فأنقرة لا تنسى موقف اليهود الأمريكيين عندما وقفوا صفاً واحدًا ضد قانون يدين الأتراك العثمانيين في مذابح الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى ولولاهم لخرج القانون، على جانب آخر لا يمكن للنخبة الكمالية أن تنسى تدخل شيمون بيريز شخصياً إبان توليه الحكومة الإسرائيلية لدى أعضاء البرلمان الأوروبي الـ 550 لتعضيد طلب تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الجمركي وهو ما تم تنفيذه عملياً في الأول من يناير عام 1996، ومما أكد اقتناع الأتراك بجدوى وقوف اليهود إلى جانبهم في الخارج هو أن عدم تحركهم -أي اليهود- في فرنسا أدى إلى صدور قانون إبادة الأرمن من الجمعية الوطنية الفرنسية، وكان موقف اليهود هذه المرة ردًا على موقف تركيا بإدانتها إسرائيل في الجمعية العامة بالأمم المتحدة نهاية العام الماضي.. فما بالنا لو رفضت تركيا مطلب شارون!، إلى جانب ذلك فإن تركيا لا تنسى كذلك أن مؤسسات التمويل لم تكن لتفتح أبوابها إلا برضاء اليهود. في ضوء المعلومات السابقة يرى البعض أنه من الصعب على تركيا ألا تتجاوب مع مطالب شارون وفي هذا السياق فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي في مؤتمر صحفي عقب مباحثاته مع نظيره التركي بولنت أجاويد مواقفه المتعنتة بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق رفض شارون الاقتراح التركي الذي دعا إلى بدء مفاوضات مع الفلسطينيين والعمل في الوقت نفسه على وقف دائرة العنف، ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يبال كثيراً بما قاله رئيس الوزراء التركي من انه كلما تضاءلت أحلام وفرص تحقيق السلام أصبحت العلاقات التركية-الإسرائيلية في موقف حرج، غير أن بعض الصحف التركية خاصة ذات الاتجاه الإسلامي قد أشارت إلى أن ما قاله أجاويد لشارون ليس إلا مجرد «فلاش» يخفي ما تم التباحث بشأنه بين البلدين. أما بخصوص إيران وسوريا والعراق فيرى البعض أنه ربما لاتستمع تركيا بجدية لشارون في هذا الأمر فتركيا بدأت عمليًا في التقارب مع هذه الدول، بل دخلت في اتفاقات تجارية مع إيران.. فهي على وشك تسلم الغاز الطبيعي الإيراني ضمن صفقة ممتدة لنحو عشرين عامًا وبتكلفة تقدر بمليار دولار، غير أن هناك من يعارضون الرأي السابق ويؤكدون أن الهدف من المناورات العسكرية التركية - الإسرائيلية - الأمريكية التي جرت في الأسبوعين الأخيرين من يوليو 2001 هو التنسيق بين الأطراف المشاركة في المناورة ضد ما يسمونه صاروخ «شهاب» الإيراني والتحالفات السورية العراقية الإيرانية. وكما حقق شارون أهدافه السياسية فإنه من المرجح أن يحقق أيضًا نجاحًا في أهدافه العسكرية والاقتصادية، وبالتالي فمن المرجح أن تستمر صفقات التسلح بين الجانبين، وفي هذا السياق أشار بعض الكتاب إلى بعض الدراسات التي قام بها الخبراء العسكريون الأتراك بشأن عقد صفقات لمختلف الأسلحة المتقدمة وأسفرت عن احتياج تركيا إلى تمويل يصل إلى 120 مليار دولار على مدى السنوات العشر القادمة، وهو ما لا يمكن بالطبع أن تتحمل أعباءه الخزانة التركية، وبالتالي فليس هناك بديل سوى القبول بأن تتولى المصانع الإسرائيلية عمليات تحديث الأسلحة التركية، غير أن المؤكد أن ذلك سيتم في ظل رعاية وتنسيق أمريكي، وعلى الجانب الآخر وبخصوص مشروع درع الصواريخ الأمريكي فإنه من المرجح أن تستمر المناقشات حول انضمام تركيا للدرع بما يؤدي في النهاية إلى وضع الخطوات اللازمة لذلك الانضمام. أما بالنسبة للأهداف الاقتصادية فما يهم إسرائيل هو شراء المياه من تركيا، ورغم أن الخلاف قائم فقط حول السعر، فإن البعض يرى أنه مازالت هناك بعض العقبات التي تواجه إتمام عملية بيع المياه.. فمن جانب يقول الرئيس التركي السابق سليمان ديميريل إن تركيا ليست كما يتصور البعض دولة غنية بالمياه وأنه مستحيل من الناحية العملية بيع المياه فهي ليست كالنفط، ومن جانب آخر فإن أنقرة في علاقاتها بدولتي الجوار الجغرافي سوريا والعراق مازالت المياه إحدى المشاكل التي تواجه تنامي العلاقات بين البلدان الثلاثة، وأخيرًا وهذا هو الأمر الأهم أن تركيا نفسها تواجه أزمة مياه نتيجة حالة الجفاف التي تجتاح البلاد منذ سنوات، والناتجة عن تغير في المناخ، فعلى سبيل المثال تعيش تركيا ومنذ ثلاث سنوات موجة حارة شديدة لدرجة دفعت البعض إلى القول بأن الأجيال القادمة ربما ترى التصحر يزحف على الأراضي التركية، إلى جانب ذلك فقد بدأت بعض الآثار السلبية في الظهور سواء على صعيد مياه الشرب أو الاستخدامات الأخرى. القاهرة ـ مكتب «البيان»: