رفضت عروش «قيادات» القبائل في ختام مؤتمرها الاسبوع الماضي العرض الذي تقدمت به الحكومة الأربعاء الماضي بغرض فتح حوار بين الطرفين يضع حدا لأكثر من أربعة أشهر من المواجهات سقط خلالها أكثر من ستين قتيلا وألفي جريح. وجاء عرض الحكومة من خلال بيان مفصل وزعته وكالة الأنباء الرسمية أكدت فيه أن «السلطات السياسية تولي كل الاهتمام للموضوع وتفتح الأبواب على مصراعيها كي تكون هذه الحركة مثمرة ومولدة لثقافة اجتماعية قائمة على الحوار الهادئ والمسئول الكفيل وحده بتحقيق التقدم وجني مكاسب اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية للمجتمع». وعرضت الحكومة اعتماد البرنامج المطلبي الذي تبنته العروش في مؤتمر عقدته في وقت سابق بمدينة القصر القريبة من بجاية، أرضية للحوار المشترك، وهي سابقة لم يحدث أن بلغتها العلاقة بين السلطة والقبائل منذ الاستقلال. وتشكل بلا جدال نصرا للحركة الاحتجاجية التي داومت على المواجهة ورفض «حوار الظل» حتى افتكت الاعتراف العلني بمطالبها وبأحقيتها في املاء شروطها عند أي تقارب مع الحكومة، خاصة بعد صدور نتائج لجنة التحقيق التي عينها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتحميلها مسئولية الأحداث لأطراف في الحكم يأتي في مقدمتها جهاز الدرك الوطني. تردد طبيعي ومع اعلان مؤتمر العروش رفض المبادرة الحكومية أفرز مزيدا من الشكوك حول جدوى المساعي الجارية، فإن الملاحظين يعتقدون أن قيادات القبائل تحتاج الى وقت لإذابة الجليد بين الجماهير والسلطة وأن الحوار سيكون نتيجة تفعيل جملة من النشاطات التي تقوم بها تلك القيادات في أوساط جماهير ساخطة تحكمها في الغالب عقلية الانتقام، والموقف ليس رفضا للمبادرة بقدر ما هو تردد طبيعي بعد شهور من المواجهات والعداء. وقبل اعلان الحكومة الرسمي مساعيها لحوار جاد مع قيادات عروش القبائل كانت وفود سرية من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قادها اثنان من أقرب مستشاريه وهما أخوه سعيد بوتفليقة و رشيد عيسات الذي ينحدر من منطقة بجاية بالقبائل الصغرى. وبذل الرجلان جهودا مضنية لجر العروش الى «التفاوض السري» واعداد مسودة التغييرات التي يطلبها القبائل في الدستور باعتبار الأمازيغية لغة وطنية ورسمية على قدم المساواة مع العربية، وهو الجانب الذي روج له الرئيس في خمسة خطابات ألقاها بعد اندلاع الأحداث. في حين تجنب بصفة كاملة الحديث عن المطلب الرئيسي الذي رفعته الحركة الاحتجاجية وهو الانسحاب الكامل لوحدات الدرك من المنطقة كون هذا الموضوع يدخل ضمن صلاحيات تحتكرها قيادة الجيش. وفي المدة الأخيرة تحركت أكثر قوى النظام نفوذا وهي قيادة المخابرات، وعرض اللواء محمد مدين جملة من الاجراءات لدراستها مع قيادة العروش تتصل كلها بالمطالب التي رفعتها الحركة الاحتجاجية. ويجمع المتتبعون على أن العرض الذي تقدمت به حكومة بن فليس الأربعاء الماضي هو نسخة جديدة من العروض التي كان قد تقدم بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأن صاحب المبادرة هو رئاسة الجمهورية. وأكدت مصادر أن خبراء القصر الرئاسي من مدنيين وعسكريين أعدوا دراسة شاملة تفيد أن أحداث القبائل ألحقت أضرارا بسياسة البلاد لم يسبق لأي حدث آخر أن سجلها بما في ذلك وقف المسار الانتخابي في يناير 1992م وقمع انتفاضة أكتوبر 1988م التي عمت كل أرجاء البلاد. وقد خلصت الدراسة الى أن تلبية جميع مطالب القبائل ـ الحالية ـ مهما كانت قاسية لن تكون أسوء من استمرار التوتر، لأن ذلك سيدفع الحركة بالضرورة الى تبني مواقف جديدة وراديكالية مثل تلك التي يروج لها فرحات مهني القيادي المنشق عن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية والداعية الى الحكم الذاتي للقبائل كحد أدنى في العلاقة مع السلطة القائمة. ومع أن هذا الموقف كان قد تعرض لانتقادات شديدة من شباب القبائل الا أن استمرار السلطة في تجاهل المطالب جعل أعدادا متزايدة من السكان يتبنونه ويرون فيه السبيل الوحيد للخلاص من وضع القهر الحالي على حد تعبير مسؤول في العروش من البويرة انضم مؤخرا الى حركة مهني. وتكون هذه الخلاصة الدافع الذي جعل الحكومة تدعو الى مباشرة مفاوضات علنية كما أرادتها قيادة العروش وبناء على جدول المطالب التي رفعها الغاضبون، وهو موقف وإن كان متأخرا في الزمان ويحتاج تحقيقه الآن الى مزيد من الصبر والمثابرة والتنازلات خصوصا، فإنه يكون قارب نجاة مما يمكن أن تؤول اليه الأوضاع داخليا وأيضا مما يمكن أن يثقل كاهل الموقف الخارجي للنظام. مواقف متحجرة بيد أن قوى سياسية عديدة تقف في مواجهة هذه المبادرات. وباستثناء التجمع الوطني الديمقراطي صاحب الأغلبية في البرلمان والقريب من قيادات الجيش والمخابرات فإن باقي الأحزاب السياسية ظلت متمسكة بمواقف وصفها الملاحظون بالمتحجرة من موضوع معالجة مشكل القبائل. فالأحزاب الاسلامية كانت دائما معارضة لأية ليونة بخصوص التعامل مع القبائل وترى فيهم عامل اضطراب مزمن. وشجع التيار الاسلامي منذ بداية الثمانينيات حين اندلعت الحركة الاحتجاجية الأولى التي طالبت بترقية الأمازيغية الى صف اللغة الوطنية و الرسمية وبإحياء التراث البربري، السلطة على التعامل مع الحركة بقسوة وشكل أتباعه في الجامعات خصوصا «كتائب» لملاحقة أنصار الحركة البربرية ومحاكمتهم في «محاكم اسلامية» لم تعمل السلطة أي شيء لوقفها. بل كان التعاون قائما بينها و أجهزة الأمن. وكانت تلك الأحداث مناسبة لعقد صفقة كبرى بين هذا التيار والسلطة للتعاون على ضرب اليسار الذي كان نشطا زمن حكم الرئيس بومدين وكذا هدم الحركة البربرية الناشئة. ولا تزال مواقف التيار الاسلامي بشتى تنظيماته سواء تلك المشاركة في الحكم مثل «النهضة» و«مجتمع السلم» أو في المعارضة مثل «الاصلاح» و بقايا «الانقاذ» لم تتغير من القبائل. وقد أدانت كلها ما اعتبرته أحداث شغب وتخريب بالقبائل وطالبت بتسليط العقوبات على الشباب الغاضب ومن يقف وراءه. وذهبت الى تبرير استخدام الدرك وقوات الشرطة للسلاح الناري، واعتبرت ذلك من واجبات الدفاع عن الممتلكات ومؤسسات الدولة والشعب. كما تعارض جبهة التحرير الوطني أي تعامل رسمي من الدولة مع قيادة العروش. وبهذا الصدد قال عبد الكريم عبادة الناطق الرسمي باسم الجبهة إنه يتوجب على السلطة أن تناقش المسائل التي طرحها المحتجون في القبائل في إطار المؤسسات الدستورية وليس خارجها ويتعين أن تشرك الأحزاب في صيغ التسوية. وهو ما فسره الملاحظون بكونه رفضا صريحا للتعامل المباشر مع القيادات التي أفرزتها الأحداث. ولأن كان موقف جبهة التحرير من القبائل تاريخي أيضا كون أمينها العام بوعلام بن حمودة كان عام 1980 وزيرا للداخلية وهو الذي أصدر الأوامر بقمع الحركة الاحتجاجية التي شهدتها مدن وقرى القبائل آنذاك، فإن أهم الدوافع التي جعلتها تتخذ موقفا معارضا للتعامل مع العروش كون ذلك يشكل بداية انزلاق الوضع نحو تجاوز السلطة للأحزاب السياسية والتعامل مع قوى بديلة في المجتمع. ظاهرة العروش وزادت مخاوفها من هذا الاتجاه بعد ظهور علامات لانتشار «ظاهرة العروش » في كل انحاء الجزائر. فقد أفرزت أحداث العنف الأخيرة بتسع ولايات من شرق البلاد (خارج منطقة القبائل) تشكل «مجموعات قيادية» تفاوضت مع السلطات المحلية بشأن المطالب المطروحة وتجاهلت تماما الأحزاب وألغت دورها تقريبا، حتى أن بعض تلك القيادات تفرض على من ينخرط في نشاطها ألا يكون تابعا لحزب معين أو أن ينسلخ عن حزبه إن كان منتميا الى أحدها من قبل. وتخشى جبهة التحرير أن تكون العروش هي القوى السياسية القادمة التي تساهم السلطة في تعزيز دورها لـ «قتل الأحزاب السياسية». ولا يبتعد موقف جبهة القوى الاشتراكية أكثر الأحزاب الجزائرية نفوذا بالقبائل، حيث عارضت منذ البداية التعامل مع العروش واعتبرت بروزها من صنع السلطة التي أرادت تجاوز الأحزاب بصنع قوى جديدة تتحكم فيها وتسيرها كما تشاء. ومهما يكن فإن الوضع بلغ درجة خطيرة. وأصبحت أحداث القبائل تلقي بظلالها على سياسة البلاد برمتها وتقلص قدراتها على النهوض من كبوتها التي طالت، بل وترهن دورها الاقليمي والدولي، وتعرضها أكثر الى خطر التدخل في شئونها. الجزائر ـ مراد الطرابلسي