بالرغم من فوزه الكاسح في الانتخابات الرئاسية التي جرت في شهر يونيو الماضي، فإن عملية أداء الرئيس الإيراني «الإصلاحي» محمد خاتمي اليمين الدستورية في الأسبوع الماضي في بداية ولايته الثانية والأخيرة، جاءت متعثرة وبداية مبكرة لما أسماه بعض المحللين السياسيين «سياسة تكسير العظام» بين الإصلاحيين والمحافظين في الصراع على السلطة الذي بدأ يكشف عن نفسه بقوة مع نهاية عصر الرئيس الإيراني السابق هاشمي رافسنجاني في عام 1997. فلأول مرة منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 وبعد ثمانية انتخابات رئاسية وأربعة رؤساء يتم تأجيل مراسم تنصيب خاتمي الرئيس الخامس للجمهورية الإسلامية في إيران، وقد كشفت أزمة تنصيب خاتمي عن تفاقم أبعاد الأزمة الحقيقية التي يعيشها النظام الإيراني منذ نجاح ثورة الخميني عام 1979، وهي محاولة التوفيق بين الأفكار الغربية المتعلقة بالانتخابات أو الديمقراطية والأفكار الإسلامية الخاصة بالحكم والتي حاول الخميني ترسيخها خلال حياته. درس للرئيس وبعبارة أخرى، كشفت الأزمة عن اشتداد الصراع بين السلطة الدينية ممثلة في المرشد الأعلى علي خامنئي والسلطة الشعبية ممثلة في الرئيس المنتخب خاتمي. وقد أرادت السلطة الدينية والتيارات المحافظة التي تتمتع بنفوذ كبير من خلال المؤسسات التي تسيطر عليها أن تلقن الرئيس الذي أعيد انتخابه لأربع سنوات جديدة وتياره الإصلاحي، درسًا قبل توليه السلطة رسميًا وهو أنه لا يتعين عليه أن يعول كثيرًا على الانتصار الكاسح الذي حققه في الانتخابات أو حتى الأغلبية التي يتمتع بها فريقه الإصلاحي في مجلس الشورى «البرلمان» وأن السلطة الحقيقية التي بيدها الخلع أو التنصيب تقع خارج أسوار البرلمان. بدأ مسلسل الأزمة بأن دفع المحافظون - في بادرة لاختبار القوة بدت مدبرة تمامًا - بترشيح ثلاث شخصيات محافظة لشغل المقاعد الخالية لعضوية مجلس صيانة الدستور أو مجلس الأوصياء على الدستور الذي يتمتع بنفوذ واسع في محاولة من جانب المحافظين لسد الطريق أمام أية خطوة من جانب الإصلاحيين لطرح قضية تعديل الدستور، وهي القضية التي أثيرت بتحفظ شديد خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وحدث أن رفض البرلمان الذي يسيطر عليه الإصلاحيون مرشحين من الثلاثة، والمتبع في الظروف العادية - وفقًا للخبراء - هو أن يقوم رئيس الهيئة القضائية التي من حقها الترشيح بسحب مرشحيه الذين رفضهم البرلمان وتقديم أسماء أخرى، ولكن ولأن السيناريو معد سلفًا لمواجهة مبكرة من جانب المحافظين مع الإصلاحيين، فإن رئيس الهيئة القضائية تجاهل رفض البرلمان لمرشحيه وأصر عليهم لعضوية مجلس الأوصياء على الدستور. ووفقًا لكثير من المصادر السياسية، فإن رئيس الهيئة القضائية - التي يسيطر عليها المحافظون - لم يكن يتصرف من تلقاء نفسه بل بإيعاز من المرشد الأعلى في الأغلب أو من رافسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يتزايد دوره بقوة حاليًا. حل وسط وفي ذلك الوقت تدخل المرشد الأعلى وبعث برسالة لرئيس البرلمان يطالب فيها بتأجيل عقد جلسة تنصيب خاتمي للرئاسة رسميًا حتى يتم حل الخلاف بين الهيئة القضائية والبرلمان حول المرشحين لعضوية مجلس الأوصياء على الدستور وتكتمل عضوية المجلس حيث ينص الدستور الإيراني على حضور كل أعضاء المجلس الـ12 مراسم تنصيب الرئيس. وقد لاحظ المراقبون أن المرشد الأعلى طلب من رافسنجاني التوسط لحل الخلاف ولم يطلب من الرئيس خاتمي الذي ربما اعتبره طرفًا في الخلاف. وقد نجح مهدي كروبي رئيس البرلمان وأحد الحلفاء الرئيسيين لخاتمي في طرح حل وسط يقضي بتشكيل لجنة من البرلمان والهيئة القضائية لحل الخلاف، وقد لقي اقتراحه قبولاً من جانب المرشد الأعلى والجانبين المتصارعين وبذلك أصبح المجال مفتوحًا أمام تنصيب خاتمي. والواقع أن ملابسات تنصيب خاتمي أثارت كثيرًا من التساؤلات المهمة بشأن مدى قوة المحافظين وتأثيرهم على البرنامج الإصلاحي الذي يرغب خاتمي في تنفيذه خلال فترة رئاسته الأخيرة التي تنتهي عام 2005، ومدى الدعم أو المعارضة التي سوف يتلقاها خاتمي من المرشد الأعلى علي خامنئي، خاصة أن الأخير كسر القاعدة التي أرساها مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني بالتزام الحياد بين الأطراف المتصارعة، واتخذ موقفًا مؤيدًا للمحافظين وبالتالي سمح لنفسه بأن يصبح طرفًا في الصراع بين التيارين، وبالرغم من ملابسات مراسم تنصيبه إلا أن خاتمي أكد في خطاب تنصيبه أن «أهدافه الرئيسة لم تتغير» وأنها تتمحور في مجملها حول كيفية قيام «ديمقراطية إسلامية مبنية على حكم القانون» إلا أنه لم يحدد ملامح تلك الديمقراطية. ومع انتهاء هذه الأزمة يظل عالقًا في الأفق تساؤل عما إذا كانت هذه الأزمة ستفضي إلى أزمات قادمة على غرار تلك التي حدثت خلال السنوات الأربع الماضية؟ تنازلات متبادلة وفي هذا السياق يرى أحد المحللين والمراقبين للشأن الإيراني أن المعطيات الراهنة في المشهد السياسي الإيراني تؤكد استبعاد الحدة التي اتسم بها الصراع بين التيارين الإصلاحي والمحافظ خلال المرحلة السابقة، ذلك لأن كلا التيارين يدركان عمق الأضرار التي لحقت بهما على حد سواء نتيجة ذلك الصراع. كما يدركان أيضًا ضرورة العودة إلى الذات تفاديًا لخسائر جديدة. إذ لا أحد من هذين التيارين قادر على إلغاء الآخر وبالتالي ليس أمامهما سوى التعايش الذي يقوم على تنازلات متبادلة بدت مؤشراتها واضحة من خلال تأكيد خاتمي على ضرورة معالجة بعض الأمور التي يطالب بمعالجتها مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي. قدم الرئيس خاتمي إلى مجلس الشورى حكومة جديدة مؤلفة من عشرين وزيرًا بينهم ستة وزراء جدد، ويرى المتابعون للشأن الإيراني أن هذه الحكومة تمثل توافقًا بين المرشد آية الله علي خامنئي لوجود ثلاثة على الأقل من المقربين إلى تيار اليمين في وزارات مهمة هي الأمن والدفاع والخارجية، وبين هاشمي رافسنجاني الرئيس السابق والذي يوصف «بأبو الإصلاحات» لوجود ثلاثة من أنصار جماعته المعروفة بـ«رواد البناء» في وزارات النفط والإسكان والصناعة، وبين خاتمي لوجود 12حقيبة وزارية كانت من نصيب أنصاره في حزب جبهة المشاركة الإسلامية. وكان خاتمي الذي صوت الشعب في يونيو الماضي بنسبة 77% لولاية ثانية له، بعث برسالة إلى مهدي كروبي رئيس البرلمان ضمنها لائحة بأسماء أعضاء حكومته الجديدة من أجل الحصول على ثقة البرلمان. وتضمنت القائمة أسماء خمسة وزراء جدد لم يتسلموا أي حقيبة وزارية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وهم مسعود بزشكيان وزيرًا للصحة والعلاج، وسيد صفدر حسيني وزيرًا للعمل، وعلي صوفي للتعاون، وأحمد خرم للطرق والمواصلات، وطهاسب مظاهري للاقتصاد والمالية، فضلاً عن محمد ستاري رئيسًا لمنظمة الإدارة والتخطيط وجميعهم إما محسوبون على جبهة المشاركة أو مقربون منها، فيما أبقى كمال خرازي «مقرب من اليمين» وزيرًا للخارجية، وعلي شمخاني «اليمين» الذي كان أقوى ثلاثة منافسين لخاتمي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وزيرًا للدفاع، ومحمد شريعت مداري «مستقل» للتجارة، وعلي يونس «يمين» للأمن، وبيجان نامدار «كوادر البناء» للنفط، وعلي عبد العلي زادة «كوادر البناء» للإسكان وبناء المدن، وحبيب الله بيطرف «جبهة المشاركة» للطاقة، وعبد الواحد موسوي لاري «رابطة العلماء والمجاهدين الإصلاحية» للداخلية، وإسماعيل شوشتري «مستقل» للعدل، وسيد أحمد معتمدي «جبهة المشاركة» للبريد والبرق والهاتف، ومصطفى معين «مقرب إلى جبهة المشاركة» للعلوم والأبحاث والتكنولوجيا، ومرتضى حاجي «جبهة المشاركة» وزيرًا للتربية والتعليم بدلاً من الوزير الحالي حسين مظفر، ومحمد رضا عارف «جبهة المشاركة» خلفًا لحسن حبيبي الذي تنحى عن منصبه بصفته النائب الأول لرئيس الجمهورية«19». وبالنظر إلى التوليفة السابقة التي عكسها التشكيل الحكومي الجديد، يشير المحللون السياسيون إلى أن الحكومة الجديدة ربما لا تمثل إرادة الناخبين، ولكنها تمثل واقع القوى السياسية في طهران في الوقت الحالي، فخاتمي ليس مستعدًا للانفصال عن المؤسسة الحاكمة وتشكيل قاعدة سياسية جديدة، كما أن خامنئي لا يستطيع تجاهل الرغبة العارمة في التغيير، وبالنسبة لرافسنجاني فقد تبين له أنه لا يمكنه مواجهة جناح بآخر والحفاظ على موقع قوة خاص به، بعبارة أخرى فإن الثلاثة في حاجة إلى بعضهم البعض على الأقل في الوقت الراهن، وهذا هو السبب في اتحادهم من أجل الضغط على البرلمان بعدم الدخول في معركة مفتوحة ومطولة بخصوص الحكومة الجديدة. تعديل وزاري وعلى الرغم من وصف أحد المحللين السياسيين التشكيل الوزاري بأنه عبارة عن «تعديل وزاري» وليس تقديم «حكومة جديدة» فإنه يمكن في هذا السياق طرح بعض الملاحظات حول قرار خاتمي بشأن الطابع العام للحكومة وحول كل وزير على حدة وذلك على النحو التالي: ـ ثبت خاتمي أهم الوزراء في الوزارات السيادية والسياسية المؤثرة داخليًا وخارجيًا، فبقي في وزارة الخارجية كمال خرازي، والداخلية عبد الواحد موسوي، والاستخبارات علي يونس، والدفاع الأدميرال علي شمخاني، والثقافة والإرشاد الإسلامي أحمد مسجد جامعي. ـ أما عن وزارة الخارجية، فلا شك في أن خرازي نجح في مهمته خلال الولاية الأولى وبالتالي فهو يستحق أن يبقى، خصوصًا وقد اكتسب مزيدًا من الخبرة والحنكة السياسية والدبلوماسية، يضاف إلى تلك المميزات تجربته السابقة كمندوب دائم لبلاده في الأمم المتحدة لمدة ثمانية أعوام. أما عن وزير الداخلية موسوي لاري فهو يحظى بثقة خاتمي الخاصة وهو عضو تجمع علماء الدين المجاهدين الذي ينتمي إليه خاتمي نفسه، ومن ثم فقد بقي في منصبه على الرغم من أن أوساطًا سياسية وشعبية كانت تتوقع تغييرًا في هذا المنصب حتى وإن عين لاري في وزارة أخرى. أما بالنسبة لحقيبة الثقافة والإرشاد الديني فقد آثر خاتمي الاستقرار والإبقاء على جامعي الذي يحظى بقبول لدى المرشد والتيار المحافظ، والأهم أنه لا يشكل استفزازًا للمتشددين الذي نجحوا في تطويق الوزير السابق عطاء الله مهاجراني ودفعوه إلى الاستقالة. لكن المفاجأة كانت تثبيت وزير الدفاع شمخاني وهو الذي كان منافسًا قويًا لخاتمي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وتحدث بخطاب انتخابي لم يخل من انتقادات لأداء خاتمي الإداري والأمني. خيار واقعي ـ لا شك في أن العنوان الرئيسي لحكومة خاتمي الجديدة هو «الاستقرار والهدوء»، فهي حكومة عمل وليست حكومة سياسية رغم أن المشروع الإصلاحي الذي يشدد عليه خاتمي يحتاج إلى فكر وسياسة وليس إدارة فقط. وواضح أن خاتمي يريد بحكومته هذه تفادي مواجهة التيار المحافظ على أمل أن تنجح سياسته الإصلاحية في تحقيق إنجاز أكبر على الأرض وفي إطار خيار جديد واقعي وهو إيلاء الملفات الاقتصادية والاجتماعية أولوية واهتمامًا متزايدًا. ـ خلت حكومة خاتمي من أي منصب لامرأة، رغم أن الصوت النسائي الفاعل في الاستحقاقات الانتخابية أسهم بقوة في ترجيح كفة خاتمي، والحقيقة أن خاتمي كان يرغب وينوي بالفعل توزير امرأة، لكنه عدل عن ذلك تفاديًا لأية مواجهات كانت حتمية مع عدد كبير من رجال الدين والمراجع في الحوزة الدينية والعلمية في قم. أعلن الرئيس الإيراني خاتمي أن أولويات برنامجه الحكومي تقوم على مأسسة المجتمع المدني والسير قدمًا في طريق تنفيذ خطة الإصلاح، وقد تمحور برنامج الحكومة في النقاط الآتية: ـ الالتزام بالقانون وبناء واستكمال دولة المؤسسات القانونية والاستجابة لمطالب الشعب والتحذير من تجاهل هذه المطالب، لأن ذلك سيؤدي إلى وقوف الشعب في وجه السلطة وتنتهي الأمور إلى الفوضى والقمع، وفي هذا الإطار صرح خاتمي بأنه «لا يوجد أمامنا سوى طريق مأسسة المجتمع والالتزام بالقانون لأن هذا الطريق هو الضروري من أجل التقدم والازدهار والاستقلال». ـ تعزيز دور رئيس الجمهورية في تنفيذ أحكام الدستور، إضافة إلى تعزيز دور إشراف الرأي العام على قضايا البلاد كضمان لتنفيذ القانون وهذا الإشراف يعني امتلاك صحافة حرة، ووجود تنظيمات سياسية واجتماعية في إطار القانون. ـ تقوم الحكومة بإرساء مبادئ وأسس الشفافية والصدق والصراحة في التعامل مع الشعب والتحلي بروح الوطنية والمسئولية الجماعية. توفير الأمن الاجتماعي والمكافحة الجذرية للجرائم والانحرافات الاجتماعية، ويتحقق ذلك بتوفير الأمن للمجتمع كله وبتحقيق الحريات حتى يشعر كل مواطن بالأمن سواء كان مواليًا أو معارضًا في إطار القانون. ـ تعزيز القدرات الدفاعية على قاعدة التعاون الأمني مع الخارج وفي هذا الإطار صرح خاتمي بأنه «علينا التوجه نحو التعاون الأمني والسياسي والإقليمي والدولي لإيجاد سند ودعم أمني قوي لإيران». وتمثل هذه العناوين بعض مفردات برنامج التنمية السياسية التي يتبناها الرئيس الإيراني منذ وصوله إلى سدة الحكم عام 1997، وهي عناوين يعارضها المحافظون متهمين الحكومة بالتقصير في معالجة الأزمة الاقتصادية التي يعتقدون أنها أدت إلى الفساد الأخلاقي والاجتماعي. انتقادات حادة ووفقًا للقانون الإيراني فإن الرئيس خاتمي يحدد برنامج الحكومة الجديدة ويتم طرحه للثقة أمام مجلس الشورى «البرلمان» للمصادقة عليه، وكذلك يقوم كل وزير من الوزراء المرشحين للحكومة بتقديم برنامج وزارته كل على حدة حتى ينال الثقة عليه. وفي وسط هذه الإجراءات الصارمة، فإن موجة من الانتقادات الحادة تم توجيهها للتشكيل الحكومي يمكن الإشارة إليها على النحو التالي: أولا: عبرت الكتلة الإصلاحية ممثلة في تحالف الثاني من خرداد عن صدمتها للتشكيلة الحكومية المقترحة من قبل الرئيس خاتمي لأنها لم تلب الحد الأدنى من مطامح التغيير، واعتبر المراقبون أن صقور التيار الإصلاحي هم أشد المنتقدين للتشكيل الحكومي باعتبار أن التغيير في الوزراء لم يتعد نحو 30% ، وبالتالي فإن خاتمي لم يلتزم بوعوده الانتخابية في مواصلة الإصلاحات بقوة أكبر. ثانيًا :أبدى عدد من التكتلات السياسية في مجلس الشورى الإيراني ردود فعل متباينة حيال الحكومة التي قدمها خاتمي، حيث أعلن علي أكبر محتشمي رئيس تكتل الثاني من خرداد أن الحكومة ضعيفة وغير قادرة على المواجهة، فيما اعتبر رئيس تكتل حزب التضامن أن هذه الحكومة لا يمكن أن تكون فاعلة، أما رئيس تكتل المحافظين فقد أشار إلى شروط ثلاثة ينبغي توافرها في الوزراء الذين رشحهم خاتمي لكي تتم المصادقة عليهم وهي الإيمان بالسيادة الشعبية والاعتقاد بالنظام الإسلامي وولاية الفقيه والتخصص. ثالثاً: أثمرت الاتصالات المكثفة بين خاتمي والبرلمان الإصلاحي عن تقليص حدة الانتقادات التي واجهته بشأن التشكيلة الحكومية وكان من أبرزها اجتماع ضم 200نائب إصلاحي مع تسعة من الوزراء المفترضين الذين يدور حولهم الجدل ومنهم وزراء الخارجية والدفاع والصحة والاقتصاد والتعليم، وقد أسفر هذا الاجتماع عن تعهدات برلمانية بانحسار الانتقادات ودعم الثقة بالحكومة.«25» ومع استمرار وتواصل جلسات البرلمان الإيراني ثلاثة ايام على التوالي لمناقشة منح الثقة لحكومة خاتمي الذي بدأ ولايته الثانية، يمكن القول بأن هذه الانتقادات بمنزلة تلقين خاتمي درسًا قاسيًا في فترة الرئاسة الثانية حتى لا يعول على الكتلة الإصلاحية في البرلمان باعتبارها هي السند القوي له. بعد منح الثقة من جانب البرلمان للحكومة الخاتمية الجديدة، فإنه سيكون على الأخيرة مواجهة الكثير من التحديات والصعوبات، فوفقًا لرؤية خاتمي نفسه، هناك تحديات ولكن يمكن مواجهتها كما يقول وهو يضع على رأس قائمة التحديات، تحديين بارزين أولهما: طرح الصراع الدائر على الصعيد الداخلي باعتباره نزاعًا بين المدافعين عن الثورة والمناهضين لها. وثانيهما: هو القصور الحكومي، حيث إن ضعف التطور السياسي يحول دون التوصل إلى سن قوانين دقيقة، وهذا العامل هو الذي أدى إلى تردي الأوضاع. والجدير بالذكر أن التحديات التي تواجه خاتمي بدأت مبكرة جدًا وحتى قبل الحصول على ثقة البرلمان وجاء على رأسها الحملة ضد إجراءات القمع التي تستهدف الشباب في إيران وسجنهم بحجة الفساد، ونظرًا لأن الشباب هم الفئة المساندة لبرنامج خاتمي فقد وجب عليه الدفاع عنهم ضد هذه الإجراءات البوليسية. وعلى أي الأحوال فإن أهم التحديات التي تواجه حكومة خاتمي تتمثل في الآتي: 1 ـ التحدي السياسي، ويتمثل في تصدي المحافظين لمشروعات قوانين خاتمي الإصلاحية وإغلاق صحف الإصلاحيين، وسجن، بل تصفية المثقفين من التيار الإصلاحي وتغيير الإصلاحات الدستورية والقانونية. ولا شك أن التيار الإصلاحي قدم تضحيات خلال الفترة الأولى للمضي قدمًا في سياسة الإصلاحات القائمة على تأكيد الحريات العامة وسيادة القانون وتفعيل المشاركة السياسية ومبدأ سيادة الشعب، وقد تمثلت هذه التضحيات في نحو 100معتقل و 30صحيفة مغلقة إضافة إلى كثير من المعاونين الرئيسيين الذين اضطر خاتمي إلى التخلي عنهم مثل عمدة بلدية طهران كارباتشي ووزير الثقافة والإرشاد السابق عطاء الله مهاجراني وآخرهم مصطفى زاده وزير الداخلية الذي وجه إليه القضاء تهمة التلاعب في الأصوات الانتخابية وتزويرها. 2ـ التحدي الاقتصادي، وهو أبرز التحديات التي تواجه حكومة خاتمي في ضوء انتقادات من جانب المحافظين لسياسته الاقتصادية التي لم ترض أنصار رأسمالية الدولة ولا الداعين لتحرير السوق وأيضًا في ضوء غياب الضوابط وتدخل البيروقراطية الأمر الذي أدى إلى هروب الاستثمارات الأجنبية، ويرتبط بذلك أيضًا البطالة وارتفاع نسبة السكان في المدن وديناميكية الحراك الاجتماعي. وبالتالي فإن على حكومة خاتمي أعباء جمة في مواجهة هذه التحديات. 3 ـ العلاقة بين خاتمي والمرشد الأعلى للثورة ومبدأ ولاية الفقيه ومدى القدرة على التوفيق بين الالتزام بمبادئ الثورة الإسلامية واستراتيجية التحديث والتغيير والديمقراطية التي يتبناها خاتمي، ولا شك أن هذا الملف من أكبر التحديات التي ينبغي على خاتمي معالجتها بحكمة وحنكة انطلاقًا من مبدأ المصلحة المشتركة. طهران ـ «البيان»: