تشكو الشعوب حكوماتها مرتين: مرة أمام الله، ومرة أمام القضاء الذي قد ينصف أو لا ينصف.. يتصرف باستقلالية أو يخشى الحكام أيضا. في حالة مصر، كان القضاء عونا للمواطنين في قضايا أساسية مثل: إنشاء الأحزاب والصحف التي ترفضها الحكومة، فالكثير من الأحزاب في مصر وبعض الصحف لم تر النور إلا وفق حكم قضائي ينسخ قرارا إداريا سابقا يرفض قيام الحزب والصحيفة. كان القضاء عونا أيضا في قضية البرلمان والإنتخابات المزورة.. ثم كان أخيرا هو الملجأ في السلوك الذي ينبغي أن تتخذه الحكومة إزاء العلاقات مع إسرائيل. في دائرة تابعة لحي السيدة زينب ينظر القضاء قضية إتهام شارون كمجرم حرب. وفي دائرة أخرى تابعة للإسكندرية، وبالتحديد محافظة البحيرة صدر حكم قضائي يحسم الجدل الذي حول مولد أبو حصيرة الذي يدعى اليهود أنه ولي من أولياء الله وأنه أتى من المغرب ليذهب إلى القدس ممتطيا حصيرة فوق الماء ! وأنه مات بجوار مدينة دمنهور حيث يقام له - ومنذ إتفاقية الصلح مع إسرائيل ـ مولد ـ كل عام ! القاضي تصدى للأمرين فأثبت أن ـ أبو حصيرة ـ ليس وليا من أولياء الله، وأن مقبرته ليست أثرا من الآثار، وأن الاحتفال بمولده- في وقت يدنس فيه الإسرائيليون القدس ويذبحون الأطفال ـ نوع من تكدير الأمن العام.والقضاه بشر، قد تكون لهم تحيزاتهم السياسية أو الوطنية.. ومع ذلك فإن الدائرة التي رأسها قاض كبير ونائب لرئيس مجلس الدولة لم تلبس الحق بالباطل حين قالت ان القانون يقضي بكل ذلك. وكشفت فيما كشفت عنه أن وزير الثقافة قد تعمد إصدار قرار بإعتبار أبو حصيرة ضمن الآثار المصرية في تاريخ لاحق على تحريك الدعوى، وكأنه يريد أن يحاصر الأمر.. أو يخالف القانون بقرار يسبغ الحماية على أسطورة يهودية لا أنزل الله بها من سلطان! يلفت النظر تباين المسلكين.. مسلك الحكومة المصرية وهي تتحسس خطواتها تجاه أي شئ إسرائيلي.. فلا الحكومة قد جمدت الإتفاقية، ولا طردت السفير الإسرائيلي في القاهرة، ولا أوقفت التجارة والسياحة.. والأكثر أنها لم تستطع أن تستجيب لمشاعر المصريين الذين يؤذيهم وجود حفل ماجن يأتي له الإسرائيليون أسبوعا كل عام.. يحتسون الخمر، ويدنسون الأرض، ويقولون.. هنا في الأرض المصرية.. لنا مزار ولنا أثر! لم تبادر الحكومة بإتخاذ موقف يلغي الاحتفال بالمولد.. بل إنها- وكما قال الحكم القضائي- استصدرت قرارا من وزير الثقافة باعتبار ضريح (اليهودي التائه ) أثرا من الآثار المصرية التي ينبغي الحفاظ عليها.. حيث أن تعريف الأثر في مصر أنه كل ما مر على بنائه مئة عام! إتخذت وزارة الثقافة قرارها فنسخته المحكمة وجادل الوزارة المجادلة وقال مسئول فيها انها سوف تستأنف الحكم!! كان ذلك هو سلوك الحكومة المصرية.. وسلوك قضائها الذي رفض نقل رفات الرجل احتراما لقدسية الموت واكتفاء بالغاء الاحتفال والغاء قرار السيد الوزير.. وعلى النقيض يأتي سلوك الحكومة الإسرائيلية وتأتي قائمة المساجد والكنائس والآثار الفلسطينية التي اعتدى عليها الغوغاء بأمر من حكومة تل أبيب. في كل الأحوال، نحن أمام قصة غريبة إختلطت فيها الأسطورة بالقانون وبالسياسة ! واختلطت فيها الأدوار أيضا فتصدى لقضية الإستفزاز اليهودي محام من أبناء دمنهور، وأصدر القرار السياسي، إن اعتبرناه كذلك، قاض مختص بالقانون.. فهل نحن أمام لعبة تتكرر، حيث تتخلى الجهة الإدارية أو السياسية عن واجبها.. فيتصدى القضاء وينشئ وضعا سياسيا.. بالقانون؟ خطوات الحكومة المصرية تثير الدهشة فصوت الاحتجاج الشفهي على ما يجري في الأرض المحتلة يعلو كثيرا عن صوت الإجراءات الفعلية التي توجع إسرائيل. في بند الإجراءات لم تفعل الحكومة المصرية غير استدعاء سفيرها من تل أبيب.. وغير سعيها السياسي لايقاف نزيف الدم مع تقديم العون لجرحى الإنتفاضة. والسعي مشكور، والتباطؤ فيما عدا ذلك غير مبرر وغير منطقي. الشارع في مصر يسأل عن مصير الأسرى المصريين، وعن تعويض لم تحصل عليه مصر جراء نزح بترولها وثرواتها أثناء احتلال سيناء.. وقبل ذلك يسأل عما فعلته مصر أو غير مصر في مواجهة جريمة إسرائيلية مستمرة وحرب إبادة يومية؟ أسطورة «أبو حصيرة» قد تسقط بحكم قضائي، ولكن ماذا عن أسطورة إسرائيل والتي لا يريد أن يتصدى لها أحد؟!