في خضم النقاش حول تمكن العرب من اعادة احياء قرار «الصهيونية شكل من اشكال العنصرية» لم يجد الرأي العام العربي طرف الخيط الذي يقوده إلى أهمية مؤتمر «دوربان». فقد ضيعهم الاعلاميون الاشاوس وهم يسألون كل سياسي أو غير سياسي عربي يقابلونه «وهل برأيك سينجح العرب بفرض قرار الصهيونية تساوي العنصرية؟». من الذي فرض هذا السؤال؟ إسرائيل واعلامها. وهو في الحقيقة لم يكن قائماً الا ضمن النقاشات العربية الداخلية، ولم يرد في الاقتراح العربي الرسمي. ولكن لم تقدم وثائق للمؤتمر تساوي الصهيونية بالعنصرية ـ وقد تنازل «العرب» عن هذا المطلب مبكراً ودون مساومة.. فعندما اسقطت والغت الامم المتحدة قرارها الذي اتخذته عام 1975 والذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية.. امتنع قسم كبير من الدول العربية عن التصويت. كان ذلك بعد حرب الخليج الثانية وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبعد مؤتمر مدريد. فكيف يعود العرب لاحياء قرار عقائدي من هذا النوع؟ هل يتغير الموقف العقائدي بتغير الظروف السياسية؟ لم تكن امكانية احياء هذا القرار واردة اصلاً، ولكن النقاش تمحور حولها دون اساس معلوماتي أو تحليلي بحكم العادة وقوة الاستمرارية والقصور الذاتي. لقد حاولت الولايات المتحدة ان تتجنب الخوض في مسائل العنصرية الأمريكية القديمة ومن بينها قضايا السكان الاصليين «الهنود الحمر» وقضايا تجارة الرق، ليس لمجرد كونها مصدراً لازعاج داخلي كبير، وليس فقط لأن فتح هذا الصندوق لاخراج شبح الرق يحرر معه اشباحاً تاريخية لا حصر لها ولاعد، بل أيضاً لأن الدول الافريقية الجائعة والمثقلة بالديون والتي يتحول فيها الايدز إلى وباء حقيقي، قد تستغل هذا المطلب لابتزاز العلاقة مع أوروبا والغرب عموماً، وقلب بعض المعادلات.. أما إسرائيل فقد ارتاحت وهدأ بالها دولياً منذ كامب ديفيد، فبعده باتت «النيويورك تايمز» و«الواشنطن بوست» اكثر وطنية إسرائيلية من «يديعوت احرونوت» و«معاريف» وايدي شارون محررة دولياً في المناطق المحتلة، وتحول ياسر عرفات من حامل جائزة نوبل للسلام يسمح له بالمشاركة في كونسيرت في اوسلو، إلى «إرهابي» ينتظر ما ستسفر عنه محاولات عربية لاقناع الولايات المتحدة لاستقباله في البيت الأبيض، قبل ان تتم الزيارة إلى دمشق. وآخر ما يلزم إسرائيل، ليس على المستوى الايديولوجي، وانما على المستوى السياسي على مستوى حالة الصراع المحتدم محالياً هو العودة إلى ادانتها دولياً وإدانة ممارساتها وتسليط الضوء عليها، بحيث لا تنفرد بالشعب الفلسطيني. هذا الكلام لن تقوله إسرائيل علناً.. ولذلك نراها ونسمعها تؤكد عبر مؤسستها الإعلامية والسياسية، وبشكل موحد يلغي التعددية بين اليسار واليمين ان مؤتمر دوربان هو شكل من اشكال اللاسامية، وان الموقف من السياسات الإسرائيلية هو قضية جانبية وثانوية مشتقة من عداء اصيل ومتأصل لليهود يظهر على شكل موجات في التاريخ ولابد من التنفيس عنه من حين لآخر في مؤتمرات دولية. وقد التقت رغبة جورج بوش بارضاء الجمهوريين في موضوع الرق مع امكانية ارضاء الديمقراطيين والجمهوريين في الموضوع الإسرائيلي فتشنج الموقف الأمريكي في احتضان إسرائيل بشكل بدا ازاءه موقف الأخيرة شاحباً. وكان على العرب ان يستعدوا لمثل هذا الصراع بشكل أفضل.. ولكن نحن نتحدث عن «العرب» كأن هناك ذاتاً سياسية فاعلة دولياً اسمها العرب. هذا كائن قائم في ضمائر الشعوب العربية وامانيها ولكنه غير قائم في الواقع. ولقد اضطر «العرب» إلى تبني الورقة الإسلامية المقدمة للمؤتمر لأنهم لم يستطيعوا الاتفاق على ورقة عربية.. وتم ذلك اثناء انعقاد المؤتمر. كما لم يتمكن «العرب» من اقامة قناة تنسيق جدية مع «الافارقة»، لكي لا ينشأ تعارض بين موضوع إسرائيل والقضية الفلسطينية وموضوع الرق والعبودية والعنصرية ضد السود.. فقد روجت الدعاية الإسرائيلية لاستيلاء الموضوع الفلسطيني على المؤتمر «وخطف المؤتمر» من قبل العرب، ليتخيل العالم عربياً في فمه سكين يحمل مؤتمراً باكياً مرتعداً من الخوف ويركض به نحو الصحراء، ويا حرام على العرب!! لقد كانوا أكثر الاطراف واقعية وبراجماتية في المؤتمر.. تنازلوا دون مساومة عن الشأن «العقائدي» المعادي للصهيونية، وانكبوا متناقشين على موضوعات متعلقة بادانة الممارسات العنصرية لإسرائيل كدولة محتلة. وحتى النرويج أصبحت ذات سطوة على العرب، أي تشعر أنها «بتمون على العرب» ان يسقطوا كلمة دولة محتلة مثلاً في وصف إسرائيل.. فنحن في خضم عملية السلام!! وتغضب النرويج، نعم النرويج، ويغضب لها الف وسيط في «عملية السلام»، عندما يرفض العرب اسقاط بديهية مثل وصف دولة إسرائيل بدولة احتلال. لقد سلط التحريض الأمريكي والإسرائيلي على المؤتمر الاضواء عليه، فأصبحت قضايا مثل الرق والعبودية والقضية الفلسطينية ملكاً للرأي العام العالمي بغض النظر عن نوع القرارات التي تتخذ بشأنها في دوربان.. ولكن السؤال كيف نتابع هذه القضايا على مستوى الرأي العام العالمي من دوربان، وهل هنالك من يتابع؟ لقد اثبتت إسرائيل في التحريض على المؤتمر قدرة اعلامية رهيبة حتى في جنوب افريقيا ذاتها، وقد نجحت إسرائيل وامريكا في اخفاء ما يجري في المؤتمر عن أعين الرأي العام في الولايات المتحدة وإسرائيل وحتى في جنوب افريقيا، وراء ستار كثيف من الأكاذيب والافتراءات جعلت المؤتمر يبدو عربياً معادياً للسامية ـ مع ان المؤتمر ادان اللاسامية كشكل من اشكال العنصرية، في حين رغبت إسرائيل ان يقبل المؤتمر ان «اللاسامية» شكل العنصرية الابدي، وان تحتكر إسرائيل دور الضحية. وبلغت الوقاحة بالوفود الصهيونية من جمعيات مختلفة إلى مؤتمر الجمعيات غير الحكومية المرافق والموازي للمؤتمر ان اقترحت في ورقة طويلة ضد اللاسامية، قبلها المؤتمر، ان يعتبر أي نقد لإسرائيل والصهيونية شكلاً من أشكال اللاسامية «بند 14 من الورقة». وعندما رفضت هيئة المفوضين هذا الاقتراح انسحب الصهاينة من المؤتمر. وبعد انسحابهم لم تناقش الأوراق حول القضية الفلسطينية وغيرها بل قبلت بالتصويت، ولم يكن هنالك من يناقش. لقد نجحت المنظمات الصهيونية وإسرائيل في اخفاء حقيقة ان انسحابها من مؤتمر الجمعيات غير الحكومية لم يتم على خلفية الاقتراحات العربية المعادية لإسرائيل، وانما على خلفية رفض المؤتمر اعتبار نقد إسرائيل شكلاً من أشكال اللاسامية. لقد شكل انعقاد مؤتمر الجمعيات غير الحكومية بدعوة من سكرتارية المؤتمر ذاتها إلى جانب المؤتمر الرسمي احدى ميزات هذا المؤتمر ومؤشراً على تطور قوى اجتماعية جديدة معترف بها عالمياً. ومن نافل القول ان «الجمعيات غير الحكومية» لا تستنفذ مقولة المجتمع المدني، وليس بامكانها ان تلعب دوراً بديلاً للأحزاب ولا للجماعات الاهلية، وهي لا تستطيع وحدها ان توازن قوة الدولة.. هذا اضافة إلى ألف ملاحظة حول عملها في المجتمعات العربية، وعدم قدرتها على اعادة انتاج ذاتها، أو على التحول إلى حركات اجتماعية ذات جذور في المجتمعات العربية. ولكن المؤتمر الأخير اثبت وجود شبكة عالمية قائمة بذاتها تنبض بالحياة من المؤسسات غير الحكومية، وان لغة هذه المؤسسات واسلوبها في العمل تختلف اختلافاً جذرياً عن لغة الدول والحكومات، رغم انها لا تقل مهنية في التعامل مع المؤتمرات الدولية، كما تسود في داخلها صراعات قوى ومحاولات ابتزاز من قبل مصادر التمويل، كما تسود ايديولوجيات وعوامل ايديولوجية اعظم أثراً على الناشطين في حقلها مما على الدبلوماسيين. يحتاج هذا الموضوع إلى قدر أكبر من التحليل الخالي من الرومانسية ومن فرحة «اكتشاف البديل» أو «الوصفة العلاجية» عند التعامل مع هذه الجمعيات غير الحكومية، ولكن بامكاننا ان نقرر أولاً ان المنظمات غير الحكومية اكتسبت أهمية على المستوى الدولي، وانها باتت تشكل ملجأ لنشطاء سياسيين سابقين في مجالات تحررية في العديد من دول العالم الثالث. وهذا يشكل احدى سلبياتها، ولكن بالامكان الاستفادة منها في مؤتمرات من هذا النوع. كما بين هذا المؤتمر ان بامكان المنظمات غير الحكومية العربية ان تلعب دوراً مهماً على المستوى الدولي رغم ضيق هامش الحركة الذي تتمتع به على مستوى البلدان العربية.. هذا اضافة لعجزها عن القيام بدور سياسي فاعل، وعدم قدرتها على تشكيل قواعد جماهيرية، وارتباط تمويلها بالمصادر الأجنبية، نتيجة لضعف البرجوازية المحلية وتخلفها وافتقارها للدور الاجتماعي التنويري ونتيجة لضيق هامش الحرية العملي. لقد اثر مؤتمر الجمعيات غير الحكومية على الرأي العام ومنه على المؤتمر الرسمي، ولم يعد بامكان المؤتمر الرسمي تجاهل خطابه السياسي. ولم يكن الخطاب السياسي الذي استخدمه مؤتمر «المنظمات غير الحكومية» مشتقاً من «عملية السلام»، ولا من «الصراع في الشرق الأوسط»، ولا من ضرورة وقف العنف، بل من الصراع ضد العنصرية ـ موضوع المؤتمر. ولذلك كان بوسعنا، كما اسلفت في مقال سابق، ان عرض النظام الإسرائيلي القائم كشكل كولونيالي من اشكال «الابارتهايد» وان نثبت ذلك وان نستصدر بيانات بادانة ذلك. هذه الادلة تمنحنا القوة اذا ادركنا نحن أولاً اننا نخوض معركة ضد ابارتهايد، وان الحلفاء في هذه المعركة ليسوا قابعين في الكونجرس والبيت الأبيض، وانما في اوساط الحركات الحقوقية والمدنية وحركات السلام وحركات حقوق الاقليات والحركات المعادية للعنصرية، وان التأثير على سياسات الدول الغربية يبدأ بالتحالف مع هذه الحركات وليس بالتعالي عليها. فنحن لسنا شعب اسياد لمجرد ان بعضنا يشغل في بيوته فتيات من سريلانكا والفلبين، بل نحن شعب مضطهد مثل شعب جنوب افريقيا في حينه، ونحتاج إلى حركة تحرر وطني وإلى من يتحالف مع هذه الحركة، وإلى لغة يفهمها حلفاء حركات التحرر الوطنية، واللغة السياسية السائدة في وصف القضية الفلسطينية وعرضها لا يفهمها إلا الدبلوماسيون، ولا تخضع في النهاية إلا للحسابات الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، ورفضها لا يكفي لأنه بات يعني دولياً رفض «السلام»، وقد يكون رفضها من منطلق رجعي غير مقبول على القوى الحليفة لحركات التحرر. والمطلوب لغة بديلة تشكل رفضاً وبديلاً تحررياً وتقدمياً للغة الأمريكية الدبلوماسية السائدة ـ المطلوب هو لغة معادية للاستعمار، لغة مكافحة «الابارتهايد الكولونيالي الإسرائيلي في فلسطين»، واللغة السياسية ليست نصوصاً للمؤتمرات بل صياغة تعبر عن الحركة الاجتماعية والسياسية النضالية في مقاومة الابارتهايد على الأرض وتجنيد حلفاء هذه المقاومة لتكبيل ايدي من يقمعها.