ظهرت التناقضات الإيرانية- الأذربيجانية إبان إعلان باكو الاستقلال فى عام 1991، حيث بدأت الاتجاهات القومية المتعصبة تتعالى مثيرة مسألة فى غاية الحساسية، تتعلق بما يسمى «الأراضى الأذربيجانية التاريخية»، أي أذربيجان الشرقية الواقعة شمال إيران، والتى استقلت نسبياً فى أعوام الحرب العالمية الثانية، بفضل التدخلات السوفييتية ومساندة قواعد حزب «توده» فى الإقليم، لكن بعد فترة وجيزة استطاع شاه إيران استعادتها بعد مؤتمر «يالطا» الشهير الذى ضم ستالين وتشيرشل وروزفلت. والآن تشير الكثير من التقديرات إلى أن البرلمان الأذربيجانى دائم الدراسة لملف الاعتراف بما يسمى «الأراضى الأذربيجانية التاريخية»، وناقشت العديد من لجانه هذه المسألة باستفاضة، أى أن جانب الشمال الإيرانى تطرقت إلى كل أرمينيا ومناطق فى الجنوب الروسى والشرق الجورجى. وأصبحت الكثير من المخاطبات الرسمية فى باكو تطلق على شمال إيران فى أدبياتها الجديدة وصف «جنوب أذربيجان، وهو ما أضحى يثير حفيظة طهران ويضاعف من مخاوفها وشكوكها حيال تحركات أذربيجان المتنامية». ومن جهة أخرى، تعمدت حكومة باكو من حين لآخر دغدغة عواطف بعض الدوائر الغربية بإثارتها ملف تصدير الثورة الإيرانية، على الرغم من التراجعات التى شهدها الخطاب الإيرانى على هذا المستوى فى الآونة الأخيرة. حيث تعتقد باكو أن بعض الأوساط الإيرانية- الدينية- تسعى إلى تغيير نظام الحكم فى أذربيجان من خلال دعم جماعات إسلامية راديكالية، وألمح توفيق بابايف وزير الأمن القومى الأذربيجانى ذات مرة أن القوى المحسوبة على إيران والممثلة فى الحزب الإسلامى الأذربيجانى «سبق وأن أعدت لثورة إسلامية منذ سنوات». من هنا يرى بعض المراقبين أن الهدف من الكشف عن هذه النوعية من الأحداث، فى الوقت الذى يتصاعد فيه النزاع، يتجاوز تطويق مخاطر التطرف إلى تدعيم موقف باكو على الساحة الدولية، تحسباً لاحتمال توسيع رقعة المواجهة مع طهران، وربما يصل إلى حشد تأييد دولى كبير للتوصل إلى حل جذرى للخلاف بين أذربيجان وأرمينيا تحت لافتة «مقاومة الإرهاب الدولى»، لا سيما أن طهران وموسكو يدعمان الموقف الأرمينى فى مشكلة ناجورنوكاراباخ، إذ تتوافق مصالحهما فى أرمينيا، ففى الوقت الذى تعتبر فيه روسيا أرمينيا حليفة أرثوذكسية تقليدية لها فى القوقاز فإن الصلات التاريخية والمصالح الجيواستراتيجية تربط أرمينيا بإيران بدرجة قوية. وعلى خلفية منافستها لأنقرة تؤيد طهران «يريفان» فى كاراباخ، علاوة على أن أرمينيا المتواجدة فى نطاق النفوذ الروسى تستطيع مراقبة تحقيق مشروع بناء خط أنابيب النفط المقترح عبر أذربيجان- جورجيا- تركيا. لذلك تعتبر القوات المسلحة الأرمينية واحدة من الأذرع الهامة للتأثير فى كل المشاريع النفطية التى تريدها باكو، فى ظل استمرار المخططات الروسية- الإيرانية فى العمل على توجيه مسارات المواد الخام من دول آسيا الوسطى عبر الأراضى الإيرانية. وأحد المشروعات الكبرى فى هذا الصدد اشتراك طهران فى تشييد خط السكك الحديد سباركس- مشهد، ليكون خط النقل الوحيد الذى يعبر آسيا ويربط إيران ودول آسيا الوسطى والصين وتركيا وأقصر طريق إلى الخليج العربى. حرب التصريحات تصاعدت حرب التصريحات بين دول بحر قزوين، بما هدد الكثير من الثوابت التى تتأسس عليها الكثير من العلاقات السياسية بين بعض دوله، فقد ألمح علييف أخيرا أن رابطة الدول المستقلة ستتولى حماية حدودها الخارجية بجهود مشتركة. الأمر الذى اعتبرته بعض الأوساط السياسية دليلاً على وجود تحولات جوهرية فى مواقف باكو، حيث كانت ترفض أى تواجد عسكرى روسى على أراضيها، ولم توافق على الانضمام إلى معاهدة الأمن الجماعى للكومنولث. كما هدد الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بـ «اللجوء إلى القوة لتسوية مسألة تقاسم الموارد النفطية فى بحر قزوين» وأرفق ذلك بانتقاد خفى للموقف الإيرانى، مشدداً على ضرورة الحوار بين الدول الخمس المطلة على بحر قزوين لحل خلافاتها جذرياً. وفى الوقت نفسه، أعلنت طهران أنها سترد«بحزم على الشركات التى تقوم بنشاطات فى منطقة الـ20% فى المياه الإقليمية لجمهورية إيران الإسلامية. بكلام آخر هناك تداخلات كبيرة فى صراع المصالح قد توسع دوائر الخلاف وتقود الى تبديل كبير فى آليات التحالفات المعروفة. وتتلخص رؤية طهران وموسكو فى أن بحر قزوين يجب أن يكون بحر السلام والصداقة مع التأكيد على عدم الاعتراف بأية حدود حتى يتم تطوير الوضع القانونى للبحر، ولن يتم استثمار ثرواته إلا بعد أن تتبناه جميع الدول المطلة عليه. بيد أن أذربيجان جددت موقفها من هذا التوافق، وقدمت أربعة محددات تحكم رؤيتها إزاء بحر قزوين. الأول، المطالبة بضرورة تغيير الوضع القانونى لبحر قزوين لصالح روسيا وإيران يستند إلى حجج واهية. والثانى، نفى تطرق اتفاقية 1940 إلى موضوع استثمار الحقول النفطية، فهناك قرار مشترك أصدرته وزارة النفط فى الاتحاد السوفييتى والحكومة الأذربيجانية فى يناير 1991 يقضى بحق باكو فى الاستثمار فى الجزء العائد إليها من بحر قزوين والحقول النفطية الكائنة فيه. والثالث، بخصوص الاتفاقية الموقعة بين موسكو وطهران عام 1921 والتى تتخذ ذريعة لتغيير الحدود فى بحر قزوين فإن باكو لاتعترف بمشروعية هذه الاتفاقية. والرابع، أن نهج أذربيجان لتطوير العلاقات مع الغرب بما فيها الولايات المتحدة «صحيح وخيار استراتيجى» ولا ينطوى على أى أخطاء تاريخية. والحاصل أن هناك مجموعة من المؤشرات التى تنحو باتجاه الإعلان عن تكوين تحالفات استراتيجية فى المنطقة. فالولايات المتحدة تحاول تقوية علاقاتها مع أذربيجان وتركيا للهيمنة على موارد المنطقة. لذلك تحاول روسيا تقوية روابطها مع كل من إيران وأرمينيا.. وهو التحالف الذى يناوئ بدوره أذربيجان، لأسباب تاريخية وعرقية وسياسية. وعلاوة على ذلك ثمة أطراف تراقب الموقف عن كثب، تتمثل فى كل من، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والصين واليابان. وتسعى روسيا إلى تحقيق أربعة أهداف استراتيجية. أولها، ضمان وجود مناطق عازلة لضمان أمنها، الذى أصبح مكشوفاً إلى حد بعيد وتوفير السبل اللازمة للحفاظ على مصالحها الجيو-ستراتيجية. وثانيها، ضمان الاستقرار الإقليمى لتجنب مزيد من التوترات العرقية التى تتسبب حصيلتها فى توتير الحدود بين الدول المجاورة. وثالثها، العمل على تعزيز ودعم علاقاتها مع إيران، باعتبارها عمقاً استراتيجياً حيوياً. ورابعها، زيادة الاستفادة من الترسبات البترولية والسعى حثيثاً لتفكيك القوة الأمريكية الرامية إلى مضاعفة نفوذها فى المنطقة. لذلك أجبرت الأوضاع المعقدة فى المنطقة روسيا على تغيير بعض مواقفها، فلم تكن فى نظرها موارد بحر قزوين هى التى تحفها المخاطر، ولكن أيضاً شبكات النقل والعمليات التجارية وملف السيطرة العسكرية على المنطقة. وتحاول روسيا الاستفادة من كل الوسائل المتوفرة لها للحد من التواجد الأمريكى فى منطقة بحر قزوين، فى حين تشهر واشنطن سلاح سياستها الخارجية الرئيسى المتمثل فى المساعدات والقروض المالية. فقد قدمت واشنطن قرضاً قدره 750 ألف دولار لدراسة الجدوى الاقتصادية لمشروع مد خط أنابيب الغاز والنفط على قاع بحر قزوين، وهو المشروع الذى سيجعل تركمانستان- فى حال تنفيذه- تستغنى عن خدمات شركة غاز بروم الروسية لتصدير الغاز التركمانستانى إلى الغرب. وفضلاً عن ذلك سيوفر كميات إضافية من النفط لتشغيل أنبوب باكو- جيهان مؤمناً استرداد المبالغ المدفوعة لإنشاء هذا الأنبوب فى أسرع وقت، كما سمحت الحكومة الأمريكية لبنك الولايات المتحدة للتصدير والاستيراد بتقديم مزيد من القروض لتركمانستان لاستيراد مزيد من السلع والخدمات الأمريكية. احتياطي استراتيجي مهم تنظر واشنطن إلى مخزون المنطقة من النفط باعتباره بديلاً عن احتياطات الخليج العربى، وبعد أن تضع واشنطن يدها على صنبور الأنبوب الذى سيضخ عبره النفط من بحر قزوين إلى الساحل التركى للبحر الأبيض المتوسط. يصبح بإمكانها التأثير على أسعار النفط فى السوق العالمية. ومادام هذا هو الهدف فمن الصعب أن تتراجع واشنطن عن مزاحمة الدور الروسى فى المنطقة. إن التواجد المكثف لشركات النفط الأمريكية والبريطانية فى أذربيجان وكازاخستان يعتبر شيئاً جديداً غير مألوف، فقد شكلت مصالح الشركات النفطية هناك ضغطاً متزايداً على الإدارة الأمريكية للقيام بدور قيادى أكثر فعالية فى دول جنوبى القوقاز وآسيا الوسطى.. ووضع المحللون الأمريكيون المهتمون بالقوقاز من زاوية المشروعات النفطية توصيات، أولها، تحدى كل المحاولات الروسية لجعل منطقة بحر قزوين خاضعة لنفوذها ورغبتها فى وجود نظام شرعى عام فى بحر قزوين، وكذلك الدفاع عن المطلب الأذربيجانى- الكازاخستانى لتقسيم بحر قزوين إلى مناطق اقتصادية. وثانيها، الدفاع عن الممارسات الاقتصادية العادلة ودعم نشاطات الشركات الغربية فى المنطقة. وثالثها، الدفاع عن خيار طريق خط الأنابيب المتعدد. أى أن هذه التوصيات تطالب بالحد من نفوذ روسيا وطموحاتها للقيام بدور سياسى وعسكرى قيادى فى المنطقة عبر إقامة مشروعات مباشرة وخلق طرق تصدير مباشرة مع الدول الغنية بالنفط فى القوقاز وآسيا الوسطى. بيد أن الخطوط العريضة للسياسة الروسية فى القوقاز تهدف إلى إبقاء جمهوريات الاتحاد السوفييتى السابق- باستثناء دول البلطيق- تحت المظلة السياسية الروسية من خلال كومنولث الدول المستقلة والاتفاقيات الثنائية على وجه الخصوص وإبقاء كومنولث الدول المستقلة ضمن الهيكل العسكرى العام وإبقاء القواعد العسكرية الروسية فى هذه الدول والسيطرة على الأهداف الاستراتيجية ضمن كومنولث الدول المستقلة مثل نقاط التقاء الاتصالات والحدود الخارجية وبعض المرافق الصناعية والموارد الطبيعية مثل الغاز والنفط. لذلك يمكن القول إن روسيا التى لها اليد الطولى والهيمنة على بحر قزوين تستشعر الخطر الغربى الذى يحاول أن يسحب النفوذ من تحت قدميها، ويزرع الشركات الغربية ذات المصالح الكبرى وهو الشعور نفسه الذى تتخوف منه طهران حاليا. وبالرغم من كل ما قيل عن أهمية الثروات الطبيعية فى بحر قزوين ومستقبلها إلا أن هناك من يرى أن الحديث الإعلامى المتزايد حول بترول بحر قزوين ما هو إلا دعاية أمريكية. وأن الآلة الإعلامية الأمريكية ظلت تنفخ فى بالون البترول والغاز فى القوقاز عبر السنوات الأولى من هذا العقد. من أجل تحذير دوائر البترول فى الشرق الأوسط وبحر الشمال وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. والهدف بالطبع هو المزيد من تقليم أظافر المنتجين لصالح المستهلكين فى الغرب الأوروبى- الأمريكى وفى اليابان أيضاً. وثمة اعتبار ثان قد يساهم فى تقليص حماس الشركات المرشحة لتولى مشروعات بحر قزوين، يتصل بما أعلنته بعض الشركات النفطية الأوروبية- الأمريكية أخيراً عن النتائج المحدودة جداً التى حققتها نشاطاتها فى بعض الدول المطلة على بحر قزوين، وإلى الشعور بخيبة الأمل الذى أصاب شركات أخرى.. وفى هذا السياق تشير التقديرات التى وضعها معهد السياسات العامة الأمريكى، إلى أن الاحتياطات النفطية فى منطقة بحر قزوين، لا تزيد فعلاً عن 15 مليار برميل غالبيتها العظمى فى دولة واحدة هى كازاخستان. وتتفق هذه التقديرات مع أخرى وضعتها وكالة الطاقة الدولية وخلاصتها أن احتياطات بحر قزوين تتراوح فى أفضل الحالات بين 15 و30 مليار برميل. وهو ما يمثل حوالى 2.7% من الاحتياطى العالمى. كما تتوافق هذه التقديرات مع النتائج التى بدأت بعض الشركات فى تحقيقها فى الحقول التى باشرت تشغيلها فى المنطقة فقد أظهرت نتائج أعمال الحفر التى قامت بها شركة فيلبس فى عام 1996 مثلا ووصلت تكلفتها إلى 250 مليون دولار فى عام 1997، أن احتياطى البئر التى حفرتها لا يزيد عن كونه مجرد كميات محدودة من الغاز التى لن يكون بمقدور الشركة استثمارها فى الوقت الحاضر. نظراً إلى افتقار المنطقة إلى شبكة الأنابيب ومراكز التجميع كما أظهرت نتائج الحفر التى قامت بها (بنزاويل) وتكلفت 80 مليون دولار، إن ما حققته الشركة لا يزيد عن كونه كمية محدودة من الغاز فى الوقت الذى كانت تقدر فيه أن يصل احتياطى الحقل إلى مليار برميل من النفط، وهى الكمية نفسها التى كانت فيلبس توقعت العثور عليها. وتتمثل أهمية التوقعات الجديدة فى أنها تخالف إلى حد بعيد تلك التقديرات التى كانت قيد التداول فى السنوات الست الماضية.. وهكذا تنبئ كل المعطيات والظروف الإقليمية والدولية بصراع كبير فى المستقبل القريب على منطقة بحر قزوين الواقعة بين عمالقة أمثال روسيا والصين وإيران وباكستان وتركيا والهند. وبالقرب منها اليابان ودول شرق آسيا.. إضافة إلى وجود النفوذ الأمريكى الواضح على مسارات هذا الصراع.