أثار النزاع المتصاعد بين إيران وأذربيجان حول حقوق استغلال المياه الإقليمية لبحر قزوين فى التنقيب خلال الأيام الماضية الكثير من التساؤلات والتكهنات والتخمينات. حيث اصطحب تجدد النزاع تطورات نوعية فى آليات إدارته، ووسائل التعاطى مع تداعياته، والتى كانت تنطوى على كثير من ملامح ضبط النفس. فقد حلقت بعض الطائرات الإيرانية فى الرابع والعشرين من يوليو الماضى فوق باخرتين أذربيجانيتين مستأجرتين من قبل شركة «بريتش بزوليوم» كما اقتربت منهما سفينة حربية إيرانية، وذلك احتجاجا على استثمارها حقول للنفط والغاز فى بحر قزوين. الأمر الذى جعل لندن تقرر وقف التنقيب الذى تقوم به شركتها وتعلن صراحة أن شركة «بريتش» لن تقوم بأى عمل قد يضر بالمصالح الإيرانية فى بحر قزوين. فى حين اصرت باكو على المضى قدماً فى مشروعاتها. لذلك يمكن القول أن التحرك الإيرانى لن يقف كثيراً عند حدود الهدوء، ومن الراجح أن يفجر جملة كبيرة من تناقض المصالح الاستراتيجية فى المنطقة ، التى تتشابك على قواعدها الكثير من حسابات القوى الكبرى بكل ما تنطوى عليه من تناقضات بالغة. تحالف أذري إسرائيلي وفى هذا الخضم أرسل علي خامنئى المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية برسالة إلى حيدر علييف رئيس أذريبجان، قام بنقلها حسن روحانى الأمين العام لمجلس الأمن القومى الإيرانى، انطوت على ثلاثة مطالب رئيسية، اعتبرتها طهران كفيلة بوقف تداعيات الأزمة الناجمة عن إقدام باكو على التنقيب عن النفط فى بحر قزوين. أولها، إصدار أمر بتأجيل أنشطة التنقيب عن النفط فى الأجزاء المختلف عليها فى بحر قزوين إلى حين توصل الدول المطلة عليه إلى اتفاق نهائى لاقتسامه. وثانيها، تأجيل قرار مد خط أنابيب لتصدير النفط الأذربيجانى إلى أوروبا إلى مابعد عقد قمة زعماء الدول المطلة على بحر قزوين المزمع عقدها فى أواخر العام الجارى. وثالثها، إغلاق السفارة الإسرائيلية فى باكو، لإبداء التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية. لكن باكو رفضت هذه المطالب واعتبرت أن علاقتها مع الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل استراتيجية وضرورية للمصالح القومية الأذربيجانية. وأضحت تصريحات المسئولين فى باكو حجم غضبهم الصامت من طهران. حيث ناشدوا إيران وقف تسليحها ودعمها لأرمينيا المسيحية التى تحتل حوالى 25% من الأراضى الأذربيجانية. وفى هذا السياق قال ولايت قيوليف وزير خارجية أذربيجان أن «طهران تزعم الدفاع عن الإسلام بينما هى تسلح أرمينيا النصرانية ضد شعب أذربيجان المسلم الشيعى» وبدأت باكو مساعي نشطة للضغط على طهران دبلوماسياً وتهميش دورها فى بحر قزوين. حيث كثفت جهودها للتباحث والتفاوض مع الدول الثلاث الأخرى المطلة عليه، لاستبعاد إيران وإجبارها على التسليم بالرؤية الأذربيجانية. فقد نجح الرئيس علييف فى عقد اجتماع فى مدينة «شوتش» على هامش مؤتمر قمة الدول السوفييتية السابقة يومى الثانى والثالث من أغسطس الماضي، حضره رؤساء كل من روسيا وكازاخستان وتركمانستان، وتم الاتفاق على الحفاظ على الوضع القانونى الحالى، لكن رفض رئيس تركمانستان إقرار الاتفاقات الروسية- الأذربيجانية- الكازاخستانية من دون إقرار الموقف الإيرانى، وطالب بعقد قمة لدول بحر قزوين فى مدينة «عشق آباد » بتركمانستان فى أكتوبر المقبل، والتى كان من المقرر أن تعقد فى يونيو الماضى، لكن تم تأجيلها على أثر تصاعد حدة الخلافات بشأن آليات تقاسم نفط بحر قزوين. وهى القمة التى من الممكن أن تحسم الكثير من الملابسات المعروفة. المكونات الإقليمية المكونات الطوبغرافية والمسوح الجيولوجية تؤكد أن بحر قزوين أو بحر الخرز كما سماه الرحالة العرب القدامى يقع فى وسط آسيا فى المنطقة الواقعة بين البحر الأسود وجبال القوقاز غربا، وجنوبى جبال الأورال من ناحية الشرق. وهو أكبر بحيرة مغلقة فى العالم. تبلغ مساحتها نحو 425 كيلو متراً مربعاً وينخفض منسوبه عن سطح البحر نحو 30 متراً، غير أن هذا الانخفاض يتزايد عاماً بعد عام بمعدل عشرة سنتيمترات سنوياً، ونسبة الملوحة فيه مرتفعة. ولكنها على أية حال تسمح بتكاثر أنواع معينة من الأحياء المائية أشهرها تلك التى يستخرج منها الكافيار بنوعيه الأسود والأحمر، وهو أفخر أنواع الكافيار وأغلاها ثمناً، وتشكل صادراته جانباً هاماً من موارد الدول المطلة عليه. والواقع أن هذا البحر كان قبل انهيار الاتحاد السوفييتى حكراً على دولتين فقط هما: إيران والاتحاد السوفييتى السابق.. وبعد انهيار الأخير أضحت الدول المطلة على شاطئ البحر خمس دول هى: روسيا- كازاخستان- أذريبجان- تركمانستان- إيران. وتتفاوت مساحة شواطئ هذه الدول الخمس على البحر.. بحيث أن روسيا وهى أكبرها مساحة وسكاناً وقوة اقتصادية وعسكرية.. تشغل فى الوقت نفسه الجزء الأصغر من شواطئ هذا البحر. والمشكلة التى تتحكم بشكل كبير فى مصير ثروة البترول فى هذه الدول الخمس تكمن فى المواصلات والنقل.. حيث إن بحر قزوين هو بحر مغلق.. لذا فهو يختلف تماماً عن الخليج العربى فى عدم وجود منافذ له وممرات إلى البحار والمحيطات العالمية.. ولا سبيل لنقل ثرواته سوى الطريق البري.. ومن هنا كان الإصرار الروسى على أن ثروات بحر قزوين ليست مفتوحة ولا تخضع للقانون الدولى للبحار. ورغم التكهنات المتفائلة إلا أن تقديرات الاحتياطات البترولية والغازية الإجمالية فى منطقة بحر قزوين تتباين بصورة لافتة. فقد قدر الخبراء أن المنطقة ستوفر ثانى أكبر مصدر للطاقة فى العالم بعد منطقة الخليج.. حيث تتراوح الاحتياطات البترولية فيها باستثناء إيران ما بين 18- 25% من احتياطات العالم.. وقدرت حصة كازاخستان وحدها بخمسة فى المئة.. وفى الوقت نفسه قدر الخبراء أن المنطقة فى حد ذاتها ستكون فى عام 2015 بحاجة إلى طاقة إنتاجية تبلغ 350 مليار طن من البترول إضافة إلى 75 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.. وهذا يعنى أنه ستكون هناك حاجة ماسة لمعظم خطوط الأنابيب المقترحة إذا لم تكن لها جميعاً. وأما عن الصادرات البترولية لمنطقة وسط آسيا فينتظر أن تتراوح بصفة عامة من مليونين إلى أربعة ملايين برميل يومياً بحلول الفترة ما بين عامى 2010 و2015. هذا إذا تم التغلب على المشكلات المتعددة التى تعترض نقل البترول المستخرج إلى الأسواق الاستهلاكية الرئيسية. البديل القادم للخليج وتقول بعض التقديرات الاستراتيجية أنه فى ظل أكثر السيناريوهات تفاؤلاً فإن صادرات المنطقة ستشكل نسبة من 1% إلى 7% من صادرات البترول العالمية من الفترة 2010 إلى 2015 مقارنة مع 60% من منطقة الشرق الأوسط، وتقدر واشنطن احتياطات بترول بحر قزوين فيما بين 90 ملياراً و 200 مليار برميل إلا أن الأوربيين قدموا أرقاماً فيما بين 50 ملياراً و 100 مليار برميل، أى ما يعادل احتياطى دولة خليجية كالكويت على سبيل المثال.. وبصفة عامة يرى الخبراء أنه فى حالة ما إذا تأكدت هذه الآمال، فإن بحر قزوين يمكن أن يصدر من 5 ملايين إلى 6 ملايين برميل يومياً وحتى عشر سنوات. وهو ما يوازى إنتاج بحر الشمال، هذا وسوف تتراوح قيمة الاستثمار لمدة عشر سنوات فى التنقيب واستغلال الحقول بين 50 ملياراً و 75 مليار دولار.ومن جهة أخرى ،أشارت بعض التوقعات إلى أن هذه المنطقة ستكون البديل القادم لنفط الخليج وأنه بحلول عام 2025 سيتحول اهتمام العالم كله إلى هذه المنطقة مما سيؤدى إلى فقدان منطقة الخليج لأهميتها الاستراتيجية. غير أن توقعات أخرى أوضحت أن منطقة بحر قزوين يمكنها إنتاج 5% من إجمالى النفط العالمى، بحلول عام 2010 يصل إلى 27 مليار دولار سنوياً. وقالت بعض الدراسات المستقبلية أن المخزون النفطى فى هذه المنطقة يصل إلى 200 مليار برميل و 20 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى، ومن ثم لا تصبح هذه المنطقة بديلاً لنفط الخليج وإن كان مخزونها من النفط يجعلها إحدى مناطق الاهتمام بين القوة الاقتصادية الكبرى فى العالم، وهذا هو السبب فى أن شركات البترول الكبرى فى العالم تتنافس على الاستثمار فى هذه المنطقة ومنها شركة (شيفرون) الأمريكية التى أعلنت أنها سوف تقوم باستثمار 20 بليون دولار فى منطقة بحر قزوين خلال الأربعين عاماً المقبلة. والحاصل أن الاتحاد السوفييتى السابق لم يعط اهتماماً كبيراً طيلة السبعين عاماً لثروات بحر قزوين من مصادر الطاقة سواء البترول أو الغاز الطبيعى.. وذلك لأنه كان يكتفى بكميات البترول الهائلة التى تنتجها الحقول البحرية من مختلف مناطق الاتحاد السوفييتى وخاصة صحراء سيبريا، وأيضاً الكميات الهائلة من الغاز الطبيعى فى هذه المناطق. أما بحر قزوين فقد فضلت موسكو دائماً أن تبقيه للمستقبل بما يحويه من احتياطات هائلة.. خاصة وأن التنقيب واستخراج البترول والغاز من قاع البحر يحتاج إلى نفقات وتكنولوجيا حديثة وقوية. الأمر الذى لم يكن فى مقدور الاتحاد السوفييتى السابق، وعلى الرغم من أن روسيا استأثرت وحدها بحوالى 80% من ميراث الدولة السوفييتية العظمى إلا أنها لم تكن الأسعد حظاً فى منطقة بحر قزوين والذى اقتسمته معها ثلاث جمهوريات أخرى. إضافة إلى الدولة الخامسة إيران، فحسب نتائج المسح الجيولوجى فإنه حسب تقسيم شواطئ البحر تصبح أغنى المناطق بالبترول هى الواقعة تجاه شواطئ أذربيجان وكازاخستان.. فى حين تعد أفقر المناطق هى الواقعة فى الشمال الغربى تجاه الشواطئ الروسية. مكونات الصراع النفطى وعلى خلفية النزاع القائم بين ايران واذربيجان يستسحن الاشارة الى أن غالبية دول آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفييتى وانتهاء الحرب الباردة أصبحت أحد العناصر المهمة والفعالة فى العلاقات الدولية، حيث ظهرت فى السنوات القليلة الماضية عملية تحريك واسعة ونشطة لتكوين شبكة من العلاقات الإقليمية بين دول آسيا الوسطى، انطلاقاً من وفرة الموارد الطبيعية وظهور مؤشرات واضحة أكدت وجود مخزون كبير من النفط والغاز. كما أن الأوضاع الجيو-ستراتيجية حتمت التعاون الاقتصادى، بعد اقتراب الكثير من القوى الكبرى من محيط هذه الدول، وتوطيدها لعلاقات تقوم على تبادل المصالح، الأمر الذى وجد له أصداء إيجابية فى الأوساط السياسية لغالبية دول آسيا الوسطى، التى بدت بدورها حريصة على أهمية توثيق العلاقات مع الدول الغربية، خاصة أن بعضها يملك مقومات اقتصادية تدعو للتفاؤل. فقد حققت أوزبكستان مثلا فى السنوات الأخيرة عدة نجاحات لإصلاح نظامها الاقتصادى وحدّت من استخدام مبدأ الرأسمالية الأبوية المنتشرة فى آسيا، ونجحت فى تحقيق زيادة مرموقة فى مختلف فروع الإنتاج الصناعى. ورغم ولادة رابطة الدول المستقلة مع انهيار الاتحاد السوفييتى السابق، بيد أن موسكو لم تستقر على نهج استراتيجى يحفظ مصالحها الحيوية إلا فى عام 1995، حين أعلن ذلك فى وثيقة رسمية رئاسية، وبعد أن أخذت الكثير من الجمهوريات- أوكرانيا، أذربيجان، أوزبكستان، تركماستان- تمدد الجسور مع البلدان الغربية، وتبحث لنفسها عن مكان فى تحالف مع بلدان أكثر تطوراً وازدهاراً من روسيا، أضحت هذه الجمهوريات مسرحاً كبيراً لتنافس سياسى واقتصادى بين موسكو وكل من واشنطن وأنقرة وطهران وعواصم أوروبية وآسيوية أخرى، تجلى بصورة أساسية فى التنافس على النفط فى منطقة بحر قزوين، التى تحتل إحدى المراتب الأولى من حيث كميات النفط الكامنة لديها وإحدى المراتب الأخيرة من حيث مدى استثماره، حتى أن العديد من الشركات النفطية الأجنبية هرعت فى أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتى إلى المنطقة، بغية استغلال العامل النفطى من أجل تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع جارات روسيا الجنوبية، خاصة أذربيجان وكازاخستان، باستثمار نفطى يقدر بحوالى ثلاثين مليار دولار. ويرى بعض المراقبين أن تصاعد التوتر فى العلاقات الأمريكية- الإيرانية زاد من دور وأهمية بحر قزوين فى صنع سياسة واشنطن الخارجية وكذلك رغبتها فى ترسيخ احتكاراتها النفطية. وأضحى الصراع القومى والسياسى- من وجهة نظر البعض- بين تركيا وإيران على النفوذ فى جمهوريات آسيا الوسطى يمثل محوراً دقيقاً فى جملة نقاط تماس وصراع طويل بين الدولتين وينخرط فيه إلى جانب تركيا وإيران كل من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية وإسرائيل أيضاً. وأدى الحديث عن النفط والغاز فى منطقة بحر قزوين إلى فتح المجال أمام طبيعة هذا البحر وأحقية الدول فى استغلال موارده، والمؤكد أن بحر قزوين، هو حوض مائى مغلق فى توصيف القانون الدولى. وأثار الموقف من تحديد طبيعة الدول المتشاطئة عليه وفرص استغلاله لثرواته المعدنية الكثير من الخلافات لكن بدا أن ثمة موقفان يتجاذبان الرؤية النهائية منه. الأول تقوده روسيا ومعها إيران وتركمانستان ويدعو إلى اعتبار بحر قزوين حوضاً مائياً مغلقاً وبحيرة تتقاسم الدول المطلة عليه الاحتياطات فيه بصورة متساوية والتى لابد أن تلتزم بالاتفاقيتين الموقعتين بين الاتحاد السوفييتى السابق وإيران عامى 1921و 1940 وتريد موسكو أن تتمتع بحق الفيتو لتعطيل أى قرار يتعلق ببحر قزوين. وفى هذه الحالة تكون المياه الإقليمية حتى عشرين ميلاً من الشاطئ تتاخمها منطقة اقتصادية عرضها عشرين ميلاً بحرياً أيضاً. ومن حق الدول المطلة على البحر أن تجرى عمليات التنقيب فى هذه المنطقة وعلى ذلك تتمتع كل الدول الساحلية أو غير المطلة على البحر بحرية الملاحة والطيران فى المنطقة الاقتصادية، ويمكنها تمديد خطوط الأنابيب، ويعتبر وسط بحر قزوين- خارج مسافة أربعين ميلاً من الشاطئ- ملكاً للدول المطلة على البحر على أن تديره بصورة مشتركة. أما وجهة النظر الثانية فتدعمها أذربيجان ومعها كازاخستان وتدعو إلى سريان قانون البحار على بحر قزوين واقتسام أجزائه بين الدول المتشاطئة بمعنى اعتباره بحيرة حدودية مقسمة إلى خمسة أقسام كل منها يمثل مياه إقليمية تتبع الدولة الساحلية المطلة على البحيرة ولها وحدها الحق فى هذا الجزء من البحر، الأمر الذى يجعل مناطق وجود النفط تابعة لكل من أذريبجان وحليفتها كازاخستان، ومن أهم القرائن التى تؤيد المقاربة الأذرية الاتفاقيات والسوابق الدولية، مثل اتفاقية قانون البحار والبحيرات التى تقع بين كندا والولايات المتحدة وبحيرة تشاد فى القارة الأفريقية. من هنا يعد بحر قزوين بحراً مفتوحاً، ويحق لكل دولة ساحلية السيطرة على المياه الإقليمية حتى 12 ميلاً من الشاطئ ولها السيادة الكاملة على المياه والمجال الجوى فوقها، وهى النقطة التى تبدأ عندها المنطقة الاقتصادية التابعة للدولة الساحلية وترد حكومتا «باكو» و«ألماآتا» على طهران وموسكو بالالتزام باتفاقيتى عامى 1921 و 1940 بأنهما لم تتناولا سوى الملاحة وصيد السمك ولم تتطرقا إلى استغلال الموارد وهما باطلتين الآن، لأنه لم يعد لدولة الاتحاد السوفييتى وجود، وظهرت فى مكانها مجموعة من الدول المستقلة، كما أن الوثائق الدولية التى خرجت بعد فترة توقيع الاتفاقيتين السابقتين تؤكد سيادة دول أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان ومعها روسيا على مياهها الإقليمية فى بحر قزوين. تنافس اقتصادي عالمي لم تكن الشركات الغربية العاملة فى مجال النفط والغاز وحدها المهتمة بتوقيع عقود الاستخراج والتصدير، بل أن الدول التى توجد فى باطن أراضيها الموارد المعدنية المختلفة كانت مهمومة بدرجة عالية بمثل هذا الأمر، وحاول الكثير منها تقديم بعض المزايا النوعية لجذب المستثمرين، بيد أن الشق الاقتصادى لهذه المحاولات بدا للكثيرين أنه يتداخل ويتقاطع بصورة واضحة مع الجوانب السياسية، فخلال زيارة رئيس أذربيجان حيدر علييف لواشنطن قبل عامين وقعت شركات «شيفرون» و«إكسون» و«موبيل» الأمريكية ثلاثة عقود مع شركة النفط الحكومية الأذربيجانية- «بقيمة تصل إلى ثمانية مليارات دولار، علاوة على اتفاقية تعاون مع شركة » أموكو«الأمريكية تمنحها الحق الاستثنائى فى إجراء مباحثات حول استغلال بعض الحقول فى جنوب بحر قزوين وبموجبه حصلت شركة «شيفرون»على 30% من أسهم المشروع والحق فى ممارسة عمليات التنقيب. ويخص العقد الثانى شركة «إكسون» و AIOC بالتنقيب فى حقل «تاخيشفيان» 3 سابقاً- بحصول كل من الشركتين على 50% من أسهم المشروع مع احتفاظ الشركة الأمريكية بالحق فى تنفيذ عمليات المشروع،ويخص العقد الثالث شركة «موبيل» و AIOC حقل «أوغور» شرقى العاصمة باكو وينص على تكافؤ المساهمة بين الشركتين- الأمريكيتين والأذربيجانية- وتسلم حق ممارسة عمليات المشروع إلى «موبيل». غير أن توقيع هذه العقود أحدث ردود أفعال واسعة فى موسكو، التى امتعضت من موافقة أذربيجان لاتفاقيات مع شركات أمريكية، وردت على ذلك بإلغاء الاتفاقية الروسية- الأذربيجانية لاستثمار حقول «كياباز» على بحر قزوين قائلة أن العقد وقعته الشركات متجاهلة رئيس الجمهورية والحكومة.. إذ وقعتها شركتان روسيتان أثناء زيارة الرئيس علييف لموسكو مع شركة النفط الدولية الأذربيجانية AICO للتنقيب عن النفط واستخراجه فى منطقة «كياباز» بما يعنى أن السياسة الخارجية الروسية فى المنطقة بات يؤثر فيها جنرالات النفط والغاز بقوة ويصوغونها أكثر من الهيئات الرسمية كما أبدت موسكو قلقها الشديد إزاء نمو المصالح الأمريكية فى منطقة القوقاز، التى تعتبرها روسيا فناء خلفياً مهماً للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، فضلاً عن تحفظاتها على دعوات الرئيس الأذربيجانى لتقوية الروابط السياسية والاقتصادية والأمنية والتجارية مع الولايات المتحدة. وهى الأسباب ذاتها التى تقلق طهران وتجعلها حذرة دوما من أى تحركات من قبل اذربيجان فى اتجاه البحث عن مزيد من الحقول فى مياه بحر قزوين. ومن خلال تحليل مقدمات الصراع على الموارد المعدنية فى منطقة بحر قزوين، تجاذبت عملية نقل النفط والغاز منها أربعة خيارات رئيسية وضعها بعض المراقبين لتطورات وحدود الصراع فى المستقبل المنظور بناء على المعطيات التى أفرزتها السنوات الماضية. الأول، ويؤيده مجموعة كبيرة من شركات النفط الأمريكية العملاقة الرامية إلى السيطرة على موارد بحر قزوين وضخها إلى أسواق العالم من خلال الأراضى الإيرانية باعتبارها أقصر الطرق إلى المحيط الهندى، مروراً بخليج عمان أو إلى البحر المتوسط عبر تركيا، ويبدو أن واشنطن كانت تدعم هذا الخيار. وكان المبرر القانونى الذى تم تسويقه بعد ظهور رفض من جانب أعضاء فى الكونجرس يستند إلى أن خط الأنابيب سيبنى بأموال إيرانية وليس مشمولاً بالقانون الأمريكى الذى يمنع زيادة الاستثمارات الأجنبية فى قطاع الطاقة الإيرانى عن 40 مليون دولار سنوياً. والخيار الثانى، يقوم على أساس ربط كازاخستان وتركمانستان بالمحيط الهندى عبر باكستان وأفغانستان وتؤيده «أونوكال» و «شل» الأمريكيتين. وإذا كان بعض المتفائلين يشيرون إلى تأييد أذربيجان وأرمينيا وجورجيا للمعسكر الغربى، فإن الرافضين لهذا الخيار يعددون جملة كبيرة من المشاكل والأزمات من الصعوبة تجاوزها، لاسيما فى أفغانستان التى أنهكتها الحرب وتداعت بنيتها التحتية وتنوعت أعداد اللاعبين، وباكستان ذات المصالح المتشابكة والتى تؤثر عليها التجاذبات السياسية. أما الخيار الثالث، فيؤيد الطريق الروسى، حيث يمكن لأنابيب النفط والغاز أن تمر من كازاخستان وآسيا الوسطى إلى أسواق العالم عبر الأراضى الروسية- تضم داغستان القوقازية والشيشان. وحول هذا الخيار تبرز وجهتا نظر لبعض المراقبين. الأولى، تقول أن هناك احتمالات لا يستهان بها لعودة روسيا من جديد إلى الساحة الدولية كقوة عالمية كبرى مناهضة للغرب ومن ثم تصبح سيطرتها على خط الأنابيب وسيلة مهمة للابتزاز الجيو-استراتيجى، والثانية، الداعمة لهذا الخيار، تعتقد أن احتمالات الاستقرار السياسى فى روسيا تبدو أكبر من نظيرتها فى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأن وجود خط الأنابيب وتعزيز الغرب لأوجه التعاون الاقتصادى مع الدولة الروسية يضاعف من أواصر العلاقات بين الجانبين. وفى هذا الخضم يحاول الخيار الرابع الإلتفاف حول الخيارين الأول والثالث ليطرح رؤية تقول بمد خط أنابيب فى قاع بحر قزوين انطلاقاً من كازاخستان وتركمانستان ليرتبط بأذربيجان وصولاً إلى جورجيا ليستقر عبر شواطى البحر الأسود، مع مد فرع منه عبر أرمينيا و«تاخيشفارة» فى أذربيجان حتى تركيا. والشاهد أن صفقات الشركات العاملة فى منطقة آسيا الوسطى محكومة ومستجيبة لشرطين أساسيين فى السياسة الأمريكية، أحدهما، معلن ويطالب بتحاشى إشراك إيران فى أى مشروع لإنتاج المحروقات. والثانى، غير معلن وهو تجنب تعزيز الدور الروسى من جديد فى أى نشاط اقتصادى يتصل بالجمهوريات السوفييتية السابقة فى آسيا، بيد أنه هل تستطيع واشنطن ضبط إيقاع هذه التوجهات؟. رغم أنه الصعوبة من أن تكون الإجابة قاطعة، إلا أنه من الضرورى أن تأخذ فى الاعتبار تحرك رمال السياسة الإيرانية بصورة كبيرة فى اتجاهات عدة. ومن ثم فإن حدوث تغير فى السياسة الأمريكية حيالها ليس مستبعدا على المدى المتوسط، استجابة لجملة من المتغيرات الملحة. كما أن موسكو اليوم تختلف عن الأمس. وأن حساباتها الإقليمية لن تكون هى ذاتها السابقة. بعد إنهاك روسيا بمجموعة كبيرة من التحديات علاوة على تزايد حجم المصالح بين واشنطن وموسكو. فى الوقت الذى تبدو فيه درجة استجابة الأخيرة لمطالب الأولى عالية. القاهرة ـ وكالة الأهرام للصحافة: