حملة واسعة لمكافحة "الشبيحة" في اللاذقية منذ اكثر من شهر وتحديدا بعد ان قامت عصابة بالسطو في وضح النهار على سيارة كانت تقل محاسب معمل غزل جيلة الجديد ومعه حقيبته التي تضم رواتب العمال والموظفين التي تتجاوز الـ 12 مليون ليرة سورية، قامت بعض أجهزة الدولة وبقرار من اعلى المستويات بحملة واسعة لمكافحة من عرفوا حتى الآن باسم «الشبيحة» في اللاذقية. والشبيحة هم مجموعة من الشباب الذين دأبوا منذ سنين طويلة على اثارة الرعب في المحافظة بسيطرتهم الواسعة وامكاناتهم الضخمة وبحيازتهم كمية ضخمة من الأسلحة الفردية والذخائر وايضاً ـ وربما الاهم بحماية بعض ممن هم قادرون على الحماية اذ لم يكن منظراً نادراً ان تقف سيارة فارهة فجأة في الشارع ويترجل منها مجموعة من الشباب المسلحين. «ليقطعوا» الطريق «في احدى المرات وقفت احدى هذه السيارات في المكان الاكثر ازدحاماً في جبلة ـ الكراجات ـ وترجل منها عملاق مخيف ليمسك شعر احدى الصبايا ويشبعها ضربا ولكما امام حشود من الناس الذين وقفوا يتفرجون دون ان يجرؤ احد على التدخل أو السؤال، وفي بعض الاحيان كان يجري اطلاق النار في الهواء أو اشتباك بين مجموعتين. في الحقيقة لا تتوافر معلومات رسمية أو موثقة حول الشبيحة الا ان كل الناس تقريباً يعرفون الكثير عن نشاطاتهم وآليات عملهم ويتداولون قصصاً عن التصفيات التي تتم داخل المجموعات ذاتها او بين بعضها بعضاً. كذلك من المعروف ان الشبيحة استطاعوا ان يبنوا سلطة خاصة بهم تحل محل القضاء في المنازعات وخصوصاً الاقتصادية فاذا كان لاحد ما دين عليك ويلح في مطالبتك به يكفي ان تتفق معهم على نسبة من المبلغ المطالب به «فيتكلفون» هم بالباقي والأسلوب الاكثر شيوعاً ان يلقنوا صاحب المبلغ درساً جسدياً يضطر معه للصراخ بأعلى صوته انه لم يدينك قرشاً واحداً ويقال ان اذن احد الضحايا قد قضمت لانه لم يقر بالدفع مباشرة. لذلك فان ذوي العقل الراجح وهم كثيرون في كل حال يتجنبون النظر إلى أي شخص يبدو بصورة من الصور انه احد «الشبيحة» او يمت لهم بصلة اذ يمكن لنظرة واحدة تفهم خطأ ان تجعلك تدفع الثمن غالياً. يملكون البحر الا ان مجال نشاطهم الاساسي في التهريب وبمبالغ خيالية يدل على ذلك امتلاكهم لموانيء غير شرعية معروفة للجميع اشهرها ميناء بالقرب من البلدة المسماة «مينة البيضا» شمال مدينة اللاذقية وآخر في «الصنوبر» بين جبلة واللاذقية وثالث إلى الجنوب من جبلة في منطقة تدعى «الفيض». هذه الموانيء يتم عبرها تهريب كل شيء «ورغم ما يقال عن انه تم اغلاقها الا ان الناس يتداولون اخبارا طازجة عن قوارب ترسو وقوافل تنطلق من هذه الموانيء محملة بالبضائع المهربة وذلك منذ وقت قصير جداً أي بعد ان بدأت الحملة الاخيرة لمكافحتهم. كل شيء يهرب من البطاريات والراديوات مرورا بالدخان إلى السيارات الفارهة حسب ما يقال وذلك إلى كل سوريا مع ان احداً لا يستطيع تقدير الحجم الحقيقي لقيمة المهربات الا ان الأرقام المتداولة تشير إلى مليارات الليرات السورية شهريا وهذه الموانيء تستخدم أيضاً محطات ترانزيت للتهريب بين تركيا ولبنان خصوصاً، يشمل ذلك طيفاً واسعاً ومتحركاً من البضائع حسب أحوال البلدان كما ان تسمى «خدمة الزبائن» فاذا اردت شخصياً تهريب بضاعة ما يكفي تأمينها في مصدرها بشكل طرود مناسبة والاتفاق «معهم» على رسوم محددة فيتكلفون بايصالها اليك عن طريق احد الموانيء المذكورة. اذن كانت عملية السطو على رواتب معمل غزل جبلة الجديد والتي اثارت الكثير من الرعب والاستياء بين الناس محركاً لتتوجه جهات عليا في عملية واسعة النطاق لا تزال مستمرة لمعالجة هذا الوضع مع انها ليست المرة الأولى التي يتم فيها المساس بسلطة الدولة مباشرة فقد جرى منذ وقت ليس ببعيد الاعتداء الجسدي المباشر على احد قادة السلطة التنفيذية في المحافظة وكان قد نقل حديثاً إليها وحاول تحجيم التجاوزات والفساد في نطاق صلاحياته. حول الحملة الراهنة العميد اسامة عدي قائد شرطة محافظة اللاذقية اعتذر عن الدخول في التفاصيل معتبراً انه ما زال هناك فارون وملاحقون تجرى الان لا يتعدى كونه «مهمة محددة» نظراً لان العمل الطبيعي الروتيني هو متابعة وايقاف المخالفات والتجاوزات التي تتم وهو أمر يجرى في مختلف بلدان العالم وقد رفض قائد الشرطة نفي او تأكيد تحويل من تم ايقافهم إلى القضاء او انهم سيقدمون جميعاً أو لا معتبرا ان الأمر سابق لاوانه. يخشى الناس في الشارع ان يعبروا عن حقيقة مشاعرهم وموقفهم تجاه ما يجرى لكثير من الاسباب المعروفة لكن الهمس الخافت والتلميحات الموارية تشير إلى الكثير من الاشياء. فالحملة الراهنة قامت حتى الآن بمصادرة كميات كبيرة من المهربات مستودعات بأكملها مداهمات للكثيرين في بيوتهم واماكن وجودهم وملاحقة اخرين كذلك طالت مجموعة مهمة من الاسماء المعروفة لكن مع ذلك يعتقد الناس بوجود اسماء اكثر أهمية بكثير من تلك التي تم توقيفها او ملاحقتها هي «الرؤوس» وما ضمانة ان لا تعود بعد ان يهدأ الوضع لاعادة ترتيب امورها والرجوع إلى نفس الممارسات كما جرى في السابق؟ هل ستكون اسماؤهم وصلاتهم مانعاً من نيلهم ما يستحقون او على الأقل هل سيتمكن فعلا ايقافهم نهائياً عن معاودة نشاطهم مرة أخرى؟. ومع ذلك فان الحملة الراهنة تشكل بداية انفراج شعبي في المحافظة. نعيسة: اجرء ايجابي ولكن! يقول المحامي المعروف اكثم نعيسة: ان الحملة الراهنة اجراء ايجابي وتبدو هذه المرة جدية لكنني اعتقد انها غير جذرية مادامت لم تصل إلى رموز التهريب وهؤلاء قادرون حقيقة على إعادة بناء بناهم التحتية التي اقتصرت اضرارها تقريبا على الأموال فقط فهم قادرون على بناء ذات الأجهزة التي كانت لديهم. كما ان ما يجرى الآن يؤدي إلى مركزة عمليات التهريب وحصرها بعدد قليل في كل عمليات المافيات هناك تجاوز للقانون وهي تتم بشكل استثنائي بفعل انتماءات بعضهم العائلية والعشائرية الخ. ان سيادة القانون ان تحد من هذه الظاهرة على المدى الطويل مع انها قد تضر على المستوى الاني وهذا يحتاج إلى متغيرات اجتماعية جذرية مهمة جداً تبدأ أولاً بأجهزة الدولة ذاتها وانا ارى الآن انه يجب الحد منهم بوضع استثنائي. ما تقوم به السلطات حالياً هو بالتأكيد امر ضروري وايجابي لكن السؤال يبقى مشرعاً؟ هل سيتوسع ويتعمق هذا الاجراء ليتحول إلى جذور المشكلة أم سيكتفي كالعادة بـ «قصقصة الاجنحة» اذ ليس خافياً على احد انه ما كان للشبيحة ان يكونوا اصلا ولان يحوزوا ما حازوه من نشاط وسيطرة لولا غياب القانون «الذي يحتاج بدوره لعمليات جراحية» شبه العلني كذلك لولا امكاناتهم «الخاضعة» في تجاوزها تبقى من قوانين وتجاوز السلطات بأغلب مستوياتها وهذه الامكانات «الخاصة» من اسماء والقاب وعائلات وصلات تستند مباشرة إلى ان مرجعية القانون هي اضعف المرجعيات اطلاقاً فاذا كان لدى شخص أو جهة ـ صلاحيات قوى القانون فسيكون دائماً هناك من ينظر لنفسه بذات الطريقة.