بعد ربع قرن من رحيله، ومرور سنوات الجحود والنكران، عادت الصين شعبياً ورسمياً إلى رشد رد الاعتبار السياسي والتاريخي لزعيم ثورتها ومؤسس الصين الحديثة ماوتسي تونج. فقد احتفل الصينيون أمس بالذكرى الخامسة والعشرين لوفاة ماو، الذي طبع الألفية الثانية بشخصيته البطولية التاريخية، وقاد واحدة من أعظم الثورات والتحولات في آسيا، وقدم نموذجاً فريداً في البطولة والزعامة التاريخية، وطور مفهوم «الكاريزما» معتمداً على قراءته العبقرية الصائبة للواقع الآسيوي والزراعي، ليقود أول ثورة للفلاحين، وليس عمال الصناعة كما أسس لها وتنبأ بها منظرو الماركسية الأوائل. ونجح ماو في كسر المقولات الماركسية الجامدة، مستلهماً الواقع الصيني، وأطلق أول ثورة ثقافية، حققت التواصل مع التراث الشعبي والموروث التاريخي، وصهرته في قالب عصري يلبي حاجة المجتمع، ووضع الصين ضمن منظومة القوى الكبرى الداعمة للتحرر الوطني والتنمية الانسانية. وجاءت الاحتفالات بالذكرى الخامسة والعشرين لرحيل ماوتسي تونج في أجواء أزالت ركام الادعاءات الظالمة التي سعت عبر عشرات السنين لإهالة التراب على انجازات ماو وتحميله مسئولية العثرات والتجاوزات التي ارتكبها بعض قادة الدولة والحزب الشيوعي. الغريب ان الصينيين اكتشفوا مؤخرا، ان الحملة على ماو كانت صدى لخطط أمريكية لتجريف ميراث مرحلة المد الثوري والتحرري في العالم الثالث، شملت كل القيادات والزعامات الآسيوية والافريقية والعربية: من ماوتسي تونج وأحمد سوكارنو، وجمال عبدالناصر، وجوزيف تيتو، وتكروما، وغيرهم. إلا ان ذاكرة التاريخ والشعوب، لا تبقى معطوبة طوال الوقت، وسرعان ما تفيق وتستعيد عافيتها، وتنفض الغبار، وتعيد الألق لقادتها وترد الاعتبار لهم.
