كانت الحكومة البريطانية في بدايات القرن الماضي، تخطو بحذر واضح في سياستها تجاه الجزيرة العربية لأسباب مختلفة. فمن ناحية لم تكن معرفتها بالمنطقة وأهلها كافية في تلك الفترة، ومن الناحية الاخرى كانت بريطانيا تتجنب التعرض للنفوذ العثماني والمواجهة السياسية مع الدولة العثمانية. لذلك على ما يبدو من الوثائق البريطانية حول تلك المرحلة، كانت بريطانيا تحرص على استطلاع أحوال المنطقة ودراسة اوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، تمهيدا على ما يبدو لما حدث بعد ذلك، وخاصة في اعقاب الحرب العالمية الاولى (1914 ـ 1918). وقد قام قناصل بريطانيا ومبعوثوها المتعددون بدور كبير وأساسي في هذه المرحلة. والوثيقة التي بين أيدينا الآن هي جزء من تقرير مطول للقنصل البريطاني في جدة الى سفير بلاده في الآستانة (العاصمة العثمانية)، ويتحدث فيه عن الاوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد، وكذلك عن اوضاعها الثقافية وحتى الادارية، حيث اشار الى تأسيس بلدية لأول مرة في مكة المكرمة في سبتمبر 1909، وكذلك عن اصدار جريدة «يحررها سوري مسيحي وهو شاب نشط» حسب تعبير القنصل البريطاني موهان الذي تحدث كذلك عن «الخروج للصيد الى مسافات بعيدة» وغيرها من المواضيع المتعلقة بمختلف جوانب الحياة في فترة اعداد التقرير الصادر من جدة بتاريخ 7 يونيو 1910. ولم ينس القنصل ان يشير الى السبب الذي جعله يصنف هذا التقرير بأنه «خصوصي وسري» وهو «انني اعتقد انه يجب الا يطلع عليه اي مسلم، وإن جميع موظفي هذه القنصلية مسلمون»!!