منذ عامين تقريبا طوى ابو علي مصطفى اثنين وثلاثين سنة من معاركه في المنفى وعاد الى «عرابة» قريته الاولى في قضاء جنين ليبدأ شوطا جديدا في النضال الفلسطيني المديد، رجع أبو علي الى «عرابة» ليعود الى الذكريات المندثرة حين كان في طفولته يعانق الحقول والبيادر. يقول الكاتب الفلسطيني صقر ابو فخر: في 30/9/1990 اجتاز ابو علي نهر الاردن عائدا الى فلسطين، وعند باحة المدرسة الثانوية في «عرابة» استقبله الاهل والناس بالمحبة والأمل، وكان لافتا ان يكون بينهم وفد من سكان الجولان جاء ليرحب بالعائد. وحينما طوت الارض جثمانه، ودعته فلسطين والامة العربية كلها بعدما سال فوق ثراها دمه القاني بلون شقائق النعمان. انه اول قائد لتنظيم فلسطيني يستشهد فوق ارض فلسطين حيث اراد ان يموت. قبله، خارج ارضه، سقط فتحي الشقاقي بنبل وفروسية، اما ابو علي مصطفى فها هو يسقط اليوم متسربلا بالكرامة والغضب معا، بعدما امضى في مقارعة السجون والاسلاك الشائكة خمسا واربعين سنة متواصلة. وفي هذا معان اكبر واعمق من كل الرسائل التي يظن أرييل شارون انه وجهها باغتياله. الا يكفي الثوار شرفا ان يستشهدوا على الجبهة في مواجهة عدوهم؟ ثم الا يكفي اغتياله في رام الله دليلا على ما بلغه النضال الفلسطيني وما بات يشكله من تحدٍ حقيقي لاسرائيل، اذا كانت تطارد القادة الفلسطينيين بمن فيهم قادة الجبهة الشعبية، في العواصم العربية، فصارت تحاربهم في اقرب نقطة في دارهم، فماذا يظن شارون نفسه فاعلا باغتيال ابو علي مصطفى؟ ايظن انه يغتال الجبهة الشعبية وما تمثله من تاريخ في الحركة الفلسطينية؟ طبيعة الصراع رفضت هذه الجبهة اتفاق اوسلو ثم قررت العودة الى فلسطين فعادت مع ابو علي مصطفى وكانت جزءا من الانتفاضة، والنضال الفلسطيني، وجزءا لا يتجزأ من ذاكرة الثورة. واذا استطاع شارون ان يغتال رموزا واشخاصا، فهل يستطيع ان يغتال القيم المتوارثة والهوية العربية الفلسطينية وارض الاجداد والوطن والذاكرة والتاريخ؟ وماذا يظن شارون نفسه فاعلا باغتيال ابو علي مصطفى؟ انه يوجه رسائل الى الفلسطينيين عموما بأنه بدأ بتصفية القادة السياسيين، القادة الكبار في منظمة التحرير الرسالة موجهة الى ياسر عرفات بأن مكتبه أقرب الى مكتب ابو علي بمئات الامتار، والى القيادة الفلسطينية التي تتجه الى التقارب مع سوريا. قد تكون كل هذه الرسائل صحيحة، لكن موت ابو علي مصطفى في ارضه اعمق منها، اليس في موته في الانتفاضة وموت رفاق له من الجبهة دلالة قوية على الوحدة الوطنية التي تتلاحم في فلسطين، فالى اين سيتوجه شارون؟ قبل اسبوع اعلن شارون فرحا، كأنه مخترع توصل الى اختراع سحري، انه وجد المعادلة التي ستقضي على الانتفاضة: مزيج من الغارات والاقتحامات للمدن الفلسطينية مع عمليات كوماندوس واغتيالات اضاف الى الحصار ولكن لا تصل الى حد الهجوم الشامل على السلطة الفلسطينية لئلا تثير ادانة دولية. لكن هذه المعادلة التي يطبقها منذ ستة اشهر لم تحقق له غايته ولا استطاعت ان تبعد التهديد عن الدعامتين الاساسيتين لاسرائيل: الجيش والمستوطنات. يمضي شارون في تنفيذ مسلسل جرائمه وفق ما تنص عليه القوائم الموضوعة سلفا: قوائم المسئولين والناشطين في الانتفاضة وقوائم المدن والاحياء الفلسطينية التي يعرف الصهاينة الكثير عنها، وضع شارون حدا لانهاء الانتفاضة عام 2006، وهذه المدة هي المقررة لتصفية الشعب الفلسطيني لتبدأ عملية اخضاع العرب (المعدل اليومي لاغتيال الفلسطينيين او قتلهم 2 يوميا في حده الادنى) عندما اندفعت الدبابات الاسرائيلية الى بيت جالا والى مخيم رفح، لم يكن الدوي الذي احدثته جريمة اغتيال ابو علي مصطفى قد اخذ مداه في المنطقة والعالم. ومع ساعات الصباح الاولى لاغتيال ابو علي بدا كأن كل بيانات الاستنكاروالتهديد التي قوبلت بها هذه الجريمة، مجرد ركام غير ذي معنى او قيمة تحت جنازير الاليات العسكرية التي اعادت احتلال المناطق بصورة كاملة او جزئية، لتنفيذ مخططات القتل، في سياق توسيع رقعة تدمير الحياة الفلسطينية مدنا وبيوتا واقتصادا، العالم يصيح والدبابات تسير ولا نظن ان كل ما قيل بعد استشهاد أبو علي، في سياق التنديد باغتياله واستنكار اعادة احتلال اجزاء من اراضي السلطة الفلسطينية، يساوي عند رئيس الحكومة الاسرائيلية اكثر من «النباح» الذي لا يؤثر في سير قافلة الموت والتدمير. فمن اقاصي الصين الى اقاصي الغرب مرورا بالشرق الاوسط والدول العربية طبعا، وبالدول الافريقية والاوروبية، كانت الادانة شاملة، ولكن شارون اطلق دباباته لمزيد من الجرائم والتدمير حتى قبل ان يواري الفلسطينيون امين عام الجبهة الشعبية في الثرى، فالمجد نصيبه والجنة مصيره ولا حاجة للبكاء على شهيد ولا حاجة لبيانات الاستنكار والتنديد التي اشتهر بها العرب لتوضع في وثائق النسيان، ولقد اخذ الصهاينة بعين الاعتبار ان العرب يبكون كثيرا ثم يستعدون لمصيبة اخرى. الواقع المر وما دام الحديث عن المرارة فان المقدار الاكبر منها جاء في بيان القيادة الفلسطينية الذي قال ان التصعيد اليومي المستمر لسياسة الارهاب والاغتيالات واعادة احتلال اجزاء من اراضي السلطة الفلسطينية «هو تدمير اسرائيلي لكل الاتفاقات» وان على العالم ايقاف هذا المخطط التدميري! فهل هذا نعي لقائد استشهد في الميدان؟ ذلك ان عين السلطة دوما على المفاوضات وعلى امريكا التي يعلق العرب فشلهم على مشجبها. المعركة بين العرب والصهاينة صراع وجود يبدأ فلسطينيا وينتهي عربيا لذا فان المعركة تتصف عربيا بالصمود والايمان لمقاومة الهيمنة الامريكية والصلف والغطرسة والتوسع الصهيوني المستمر حتى تحقيق الهدف. لقد استعد الصهاينة لها منذ مئة سنة، حينها كان العرب نائمين في ظل السيطرة الأجنبية، لقد قدر بعضهم ان المتعاونين من الفلسطينيين مع الصهاينة قد وصلوا الى حوالي 50 الفا لهذا لدى الصهاينة التفاصيل الدقيقة عن كل مسئول فلسطيني. ومازال من الصعب ان يأخذ الفلسطينيون العبرة والاحتياط، لدى كل قائد ثلة من الحرس، يستطيع بها العدو الصهيوني ان يعرف تحركاته. هذه هي الانتفاضة الاخيرة فإما استقلال ودولة او خضوع أبدي للصهيونية. ولابد من الحذر وتطبيق اساليب الحروب المعروفة، كرا وفرا وخدعة واقتحاما ومباغتة. وما دام النضال الفلسطيني حربا جهادية استشهادية، لأن التكافؤ فيها غير متوفر المقاييس وليس لدى الفلسطيني الا التمسك بقضيته، فإن عليه ان يصمد ويأخذ الدروس والعبر. الوضع العربي غير سليم والانبطاح امام امريكا مستمر. القتل يتواصل والعرب يطلبون المفاوضات لكن الصهاينة لا يريدون السلام. والامريكان يطلبون من العرب ان يتأدبوا ولا يتحدثوا عن معاناتهم في الخضوع للهيمنة الامريكية وانحياز الامريكان لاسرائيل. يتحدث الكثيرون عن التعرض الى المصالح الامريكية. انها ليست في قتل الابرياء انها في الغاء العقود الكبيرة واستبدال الظالم بالعادل في ميدان العلاقات والمصالح. المصالح دائمة والتحالفات ليست كذلك. عندما انتخب ارييل شارون رئيسا لحكومة اسرائيل في فبراير 2001 اسرت مصادر دبلوماسية غربية مطلعة عرفته من زمان و«خبزته وعجنته» كما يقال، الى عدد من الاصدقاء انه يكن عداء شديدا جدا تجاه الفلسطينيين. وقالت ان «شعوره الفلسطيني» السلبي لا يمكن التعبير عنه الا بكلمة واحدة هي «الحقد الكبير» ووسيلته الوحيدة لتحقيق ذلك ستكون التدمير المنهجي للسلطة الوطنية الفلسطينية التي اقامها اتفاق اوسلو 1993، ولشرطتها وأجهزة امنها وقياداتها كما لقيادات الفصائل الفلسطينية سواء التي منها من تؤيد السلطة او تعارضها، لأن الغرض النهائي لاسرائيل هو ابادة الشعب الفلسطيني. وأشارت في حينه الى ان شارون يتمتع بقدرات عدة منها التنظيم الدقيق، ويتمتع ايضا بشعبية كبيرة داخل المجتمع الصهيوني، وبإيمان غالبية هذه الشعبية به ففي استطلاع للرأي جرى اخيرا تبين ان 75% من الاسرائيليين يؤيدون تصفية الفلسطينيين و70% برروا اغتيال الشهيد ابوعلي مصطفى، و62% يوافقون على اقتحام الاراضي الفلسطينية واحتلالها. شارون نفسه قادر على ان يكون اخر ملوك اسرائيل الاقوياء. بقلم: نعيم قداح ـ سفير سوري سابق