ربما كانت محاولة تفسير التصعيد النوعي ـ وتجاوز كل الخطوط الحمراء ـ في اغتيال القيادات الفلسطينية، بفرضيات من قبيل أن شارون يستهدف تصفية نهائية للسلطة، أو التهديد بإمكانية إبعاد عرفات، أو حتى التلويح للعرب والفلسطينيين، بإستعداد حكومته للإنتقال إلى مرحلة المواجهة الشاملة، ردا على التطور النوعي لعمليات المقاومة، ومؤشرات التقارب السوري الفلسطيني، قد تمثل هذه أو تلك تفسيرات جزئية ـ على نحو ما ـ لسلوك شارون العدواني العنيف، المتجاوز لكل الحدود. إلا أن ايا من تلك التفسيرات، لايمكن أن ينهض منفردا للإجابة عن تساؤلات من قبيل: ـ لماذا صعد شارون حرب الاغتيالات في هذا التوقيت؟ ـ ما مغزي اختيار أبو على مصطفى بالذات؟ ـ هل يمثل هذا التصعيد تحولا استراتيجيا، أم أنه مجرد إنعطافة تكتيكية، وإن كانت حادة؟ ـ و....و..... ويمكن طرح العديد من التساؤلات في السياق ذاته، غير أن السؤال المركزي الذي على ضوء الإجابة عنه يسهل التعاطي مع كافة التساؤلات يتمثل في الآتي: ـ الى أي مدى صمد المنظور الأمني الذي يتبناه شارون في مواجهة المقاومة والإنتفاضة الفلسطينية؟ الإجابة بسيطة برغم كل مظاهر الإفراط في إستخدام القوة إلى حد اللامعقول ـ فالمنظور الأمني الذي يتحرك شارون على هديه اهتز بشدة، إن لم يكن قد سقط، ففي ظل العدوان على الشعب الفلسطيني، بترسانة تضم الـ (أف16) والصواريخ الذكية، والدبابات الثقيلة، وكل أسلحة الميدان التي تنتمي إلى القرن 21، في عمليات القصف والاقتحام والاغتيال والتدمير، إستطاعت المقاومة توجيه ضربات نوعية موجعة إلى مواقع في عمق الكيان الصهيوني، وأهداف عسكرية شديدة الحساسية، فهل يمكن لشارون في مواجهة مقاومته بهذه الكيفية الزعم بأن منظوره أو حتى نظريته الأمنية قد صمدت وأن ما وعد به الناخب في المدن والمستعمرات من نشر مظلة الأمان قد تحقق؟ الإجابه بالقطع لا. وهكذا: لم يجد شارون أمامه بعد أن جرب معارك (كسر العظام) ـ بلا هوادة ـ إلا الإستجابة لرغبته المجنونة في تحطيم (الجهاز العصبي المركزي) للشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، ولتكن الضربات موجهة هذه المرة إلى (المخ)، يسترد الجهاز العصبي، حيث بؤرة إتخاذ القرار، وتوجيه الخلايا العصبية، وتنظيم الحركة نضاليا وسياسيا. الحل لدى شارون: استهداف الرؤوس الكبيرة ـ عند القمة تحديدا ـ بدلا من الاكتفاء، كما في المراحل السابقة بالضرب (تحت الحزام) أو حتى التصويب على القلب النابض! الأحلام تتساقط! لقد أكدت الأحداث المتصاعدة في الأراضي المحتلة، وفي عمق الكيان الصهيوني، أن شارون ليس لديه استراتيجية واضحة للقضاء على الإنتفاضة، رغم التسليم بمهاراته في التحركات التكتيكية، لكن أزمته تتجلى في أنه لا يتصور إلا أن يستمر ملكا متوجا على رأس الحكومة والليكود، غير أن توهج الإنتفاضة التي تتوقع قيادة الجيش العبري إستمرارها حتى 2006، يعني ـ عمليا ـ الإحاطة بأحلام شارون، خاصة مع استبعاد محلليين استراتيجيين صهاينة، إمكانية الإستناد ـ إلى مالا نهاية على القوة فقط في قمع الإنتفاضة. إذن ماذا بامكان أعتى الجيوش النظامية المسلحة بأحدث ترسانة أن تفعل في مواجهة عناصر استشهادية، تقدم علاقة الموت، والتضحية بالروح دون أن تتهيب أو تتحسب للعواقب؟ ثم أن نموذج التورط الأمريكي في فيتنام، ونموذج المستنقع الأفغاني بالنسبة للإتحاد السوفييتي (السابق) لايمكن التغاضي عنهما ـ في هذا السياق ـ ففي الحالتين كان الدرس المستفاد لأي صانع قرار ـ أمام حالة مشابهة ـ أن الدولة مهما بلغت قوتها، وتسليح جيشها، يمكن أن تتجرع الهزيمة المرة، في صراع الإرادات في مواجهة شعب بسيط التسليح، لايملك سوى إيمانه بعدالة قضيته، يقدم الشهداء صفا وراء صف، ويدفع من عمره عقدا وراء عقد شطر غايته المقدسة بل لما نذهب بعيدا، إن تجربة الجيش العبري في جنوب لبنان، لابد أن تكون ماثلة في ذاكرة شارون، بعد أن اضطر سلفه باراك إلى الإنسحاب من هناك، مستترا بظلام الليل، وبقرار أحادي، فرارا من الخسائر الموجعة التي تكبدها على أيدي مقاتلي (حزب الله) والمثير هنا أن شارون ذاته هو الذي ورط الكيان الصهيوني في تلك المصيدة نحو عقدين من الزمان، ومن ثم فإنه الأولى بالاعتبار. هكذا، فإن قراءة في تجارب الماضي القريب أو البعيد، أو من الواقع الراهن ـ على حد سواء ـ تقود إلى نتيجة واحدة: إن الإصرار مع المقاومة لتحرير الأرض المسلوبة، لايمكن بأي حال أن يندرج في قاموس المستحيل، وبرغم كل الصعوبات والتضحيات الجسام، يظل هو الممكن الوحيد. الحقيقة العارية مضطرا واجه شارون تلك الحقيقة العارية، وبدرجة من الوضوح، لم تكن متاحة له من قبل، عبر مسئولياته السابقة، غير أن جلوسه في مقعد الرجل الأول، أيقظه من أحلام راودته في يقظته، وتجلت ـ عمليا ـ في وعده الإنتخابي الشهير بالقضاء على الإنتفاضة خلال مئة يوم من تسلمه السلطة! بمعنى آخر السكرة راحت، والفكرة جاءت، واستيقظ شارون على هزيمة وعده وربما حلمه أيضا برغم كل ما أنزله بالفلسطينيين شعبا وقيادة، وبرغم إعادته للتسوية إلى نقطة الصفر تقريبا، بعد أن اجهز ـ بالفعل ـ على أوسلو وتوابعها. واصبح مأزق شارون: أي خيار يمكن أن يكون رادعا في مواجهة الإنتفاضة التي تتوهج والمقاومة التي تتصاعد؟ كانت البداية بتحطيم البنية التحتية، وفرض الحصار، واقتحام القرى والمدن، ومختلف الممارسات القمعية، ثم محاولة خنق الفلسطينيين شعبا وقيادة عبر تكثيف التحركات الإعلامية والسياسية دوليا وإقليميا لتقزيم حجم التعاطف والتأييد، وتصوير الفلسطينيين بمظهر الإرهابي، والمساواة بين المعتدى عليه، والمعتدي المحتل، بل عكس الآية بتصوير أصحاب الحق بالمعتدين، لا حق لهم في ممارسة المقاومة المشروعة! ثم تقدم شارون ـ مدعوما بإدارة بوش الذي تحول إلى متحدث باسم الكيان الصهيوني ! بإتجاه ممارسات (مافياوية) لايمكن لحكومة دولة مسئولة أن ترتكبها، إلا إذا كان دستورها يعتمد (إرهاب الدولة ) مبدءا، لكن الشعب الفلسطيني ظل على صموده، وإستمر في مقاومته، بل صعدها نوعيا. لم يكن باقيا في جعبة شارون، إلا التصعيد لحرب الاغتيالات دون سقف أي خط أحمر واحد، لتتجلى المفارقة المثيرة: ضعف القوة الصهيونية، في مواجهة قوة الضعف الفلسطينية، وليطرح السؤال نفسه: لأيهما تكون الغلبة؟ بل أن عجز شارون عن تحقيق الأمن لم يدفع حكومته بإتجاه التفاوض، لأنه لايؤمن بالسلام ـ أصلا ـ وفي ذات الوقت لايمكنه التجاوب ـ لأسباب عديدة ومعقدة ـ مع الدعوة للحرب، التي يرفع لواءها اليمين، ويشاركه ـ بدرجات متفاوته ـ تيارات ورموز استطاعت أن تخدع الكثيرين ـ من قبل ـ باعتبارها قوى تسعى للسلام. البديل الممكن ـ إذن إبلاغ الشارع العبري ـ قبل أي طرف آخر فلسطيني أو عربي ـ بشكل عملي، عنيف وحاسم، بأنه ـ أي شارون ـ يستطيع ضرب الرؤوس الكبيرة التي تهدد الأمن، وتصر على عدم المساومة على الثوابت والمقدسات، أو القبول تحت أي ضغط بفتات المائدة إن وجد! أهداف مزدوجة لاشك أن ذلك البديل ـ بمعايير شارون ـ يحقق عدة أهداف مهمة، على الصعيدين الفلسطيني والصهيوني. على الصعيد الأول يراهن شارون على الآتي. ـ خلخلة البنية القيادية، وخلق فراغ كبير، نتيجة تقدم جيل الموقع الأول، بحكم آليات النظام الأبوي القائم في معظم الفصائل. ـ كسب مساحة الوقت التي تحتاجها أي قيادة جديدة، لترتيب الأوضاع، وضبط الإيقاع، وخلال ذلك فإن التحرك النضالي الميداني قد يتأثر سلبا. ـ محاولة الوقيعه بين الفصائل الفلسطينية من خلال تكتيك نفي العلاقة ببعض حوادث التصفية والصاقها بعناصر فلسطينية لإضعاف درجة التنسيق والتضامن العالية في الفترة الأخيرة بين الفصائل المختلفة. على الصعيد الثاني يمكن لشارون أن يكسب عدة نقاط: 1ـ حماية تأييد الرأي العام الصهيوني من التآكل بفعل عمليات المقاومة أو إستمرار الإنتفاضة وتصاعد خطها البياني. 2ـ تأييد قواعد وكوادر الليكود في المعركة الوشيكة على قيادة الحزب، في ظل منافسة محتدمة مع نتانياهو. 3ـ مزيد من دعم الأحزاب المتطرفة عبر توسيع الإئتلاف الحاكم وهو ما حدث بالفعل، وقابل للتكرار لتحجيم دور حزب العمل وبيريز تحديدا بعد أن استنفد معظم أغراضه! 4ـ الحد من النفوذ المتعاظم للمؤسسة العسكرية، في صناعة القرار السياسي، على حساب شارون نفسه! من خلال تبني مواقف أشد تطرفا مما يطرحه العسكريون. إن شارون عبر تصعيده لحرب الاغتيالات واستهدافه لقيادات الصف الأول يتصور انه يوسع هامش المناورة على الصعيد الحكومي والحزبي من جهة، ويمارس في الوقت ذاته ـ أقصى درجات الضغط على القيادة الفلسطينية لدفعها بإتجاه القبول بما يطرحه، مهما كانت درجة لا معقوليته! ولاشك أن ضمن حسابات شارون خلال تنفيذه مخطط حرب الاغتيالات، منح نفسه فرصة إضافية، للإعتماد على القوة الغاشمة المتفوقة، كمحاولة أخيرة ليثبت لنفسه ـ قبل أي أحد آخر! ـ عدم الفشل النهائي للمنظور الذي يطرحه لضمان أمن الكيان الصهيوني، عبر تكتيكات تعتمد على الضغوط المتصاعدة، المستمرة وغير المحتملة ـ طبقا لحساباته ـ إلا أن شارون ينسى، أو يتناسي تماما، قاعدة فيزيائية بسيطة، لكنها تحكم ـ أيضا العلاقات بين البشر، سلما وحربا، مفادها أن لكل فعل رد فعل مساويا له في القوة، ومضادا له في الإتجاه. في هذا السياق يكفي الإشارة إلى أن نداء الثأر يوحد ـ فعليا ـ فصائل المقاومة، بل يجعلها الخيار الوحيد في ظل تحول التسوية إلى سراب. وعلى أي حال، فإن شارون لن يكون استثناء بالنسبة لمن سبقوه من الساسه الصهاينة الذين سعوا لتحقيق الأمن ـ دون محاولة إنجاز سلام حقيقي ـ فسقطوا حيث حفروا. أخيرا فإن ثبات كل عناصر المعادلة القائمة ـ على كل الأصعدة ـ يعد أمرا مستحيلا، بما في ذلك تأييد إدارة بوش غير المسبوق لتغطية العدوان الصهيوني الشرس، لأن الموقف الأمريكي سوف يختلف إذا ما شعر ساكن البيت الابيض أن مصالح بلاده معرضة بالفعل للخطر، وهو احتمال لا يمكن استبعاده إلى الابد. بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب سياسي من مصر