رغم أن اسلوب الاغتيال الذي تمارسه العصابة الحاكمة في اسرائيل ضد القيادات الفلسطينية ليس جديدا على الفكر الصهيوني، إلا أنه اخذ في الأيام الماضية بعدا مختلفا بسبب زيادة الهوس الاسرائيلي بهذه العمليات. ففي خلال ساعات فقط تم اغتيال أبو علي مصطفى قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والعقيد تيسير خطاب مدير مكتب رئيس جهاز المخابرات الفلسطيني، ونجا مسئول آخر في الجبهة الشعبية هو قيس عبدالكريم من عملية اغتيال وكل هذا بالصواريخ الجو ـ أرض وتفخيخ السيارات.. تصعيد حرب الاغتيالات أثار تساؤلات عديدة حول انعكاسات ذلك أمنيا وسياسيا على المستويين المحلي والاقليمي، وامكانيات الفصائل الفلسطينية لمواجهته، وهل التصعيد يعد بمثابة تحول استراتيجي في السياسة الاسرائيلية؟ وهل يمكن أن تصل تداعيات هذا التطور الى حد المواجهة الشاملة بين العرب واسرائيل؟ وقت طويل بداية يرى د. محمد السيد سعيد، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن التصعيد الاسرائيلي في حرب الاغتيالات لا يعد تحولا استراتيجيا، فعمليات الاغتيال وارهاب الدولة التي تمارسها الحكومات الاسرائيلية تتم منذ وقت طويل، وما يحدث الآن من عمليات تستهدف القيادات الفلسطينية هو تنفيذ لمخطط شاروني يهدف الى ضرب البنية التحتية للحركة الوطنية الفلسطينية. ويوضح د. محمد السيد السعيد أن شارون يعتقد أن مثل هذه العمليات قد تساعد في دفع الفلسطينيين لليأس وبالتالي تتوقف الانتفاضة تدريجيا، وأنها قد تدفع الفلسطينيين للتهور والقيام بعمليات فدائية خارجية تستهدف اسرائيليين في الدول الغربية على سبيل المثال، وهذا من شأنه أن يقلل التعاطف الدولي معهم، وهذا التكتيك الاسرائيلي من أغبى التكتيكات لأنه قد يدفع الفلسطينيين لاستهداف القيادات الاسرائيلية في العمليات الاستشهادية المقبلة، كما أن فكرة تحطيم التنظيم أو الحركة الوطنية الفلسطينية التي تقوم بها اسرائيل من شأنها دفع كل فلسطيني لأن يكون قائد نفسه، وبالتالي تأخذ أعمال المقاومة نطاقاً أوسع ويدخل فيها العمل العشوائي الذي لن تدفع ثمنه إلا اسرائيل نفسها. ويؤكد أن تصعيد حرب الاغتيالات من جانب الحكومة الاسرائيلية ضد القيادات الفلسطينية سيكون له بلاشك توابعه فيما يتعلق بتكثيف العمليات الفلسطينية ضد اسرائيل، فالفلسطينيون اختاروا طريق وفكرة الحل المسلح لقضيتهم ومن هنا وقعت العمليات الاستشهادية ولا مجال عندهم للتراجع عن ذلك، وقيام اسرائيل بتصعيد حرب الاغتيالات ضدهم سيدفع بهم لتصعيد أعمال المقاومة. أسلوب أحمق ويعتقد د. محمد السيد سعيد أن شارون لن يتراجع عن أسلوبه الأحمق في ادارة الصراع رغم أن الأيام الماضية أثبتت أن كل فلسفته سقطت، فهو لم يحقق أي هدف من الأهداف التي جاءت به الى الحكم، فلم تتوقف الانتفاضة بل زادت حدتها ولم يستطع أن يحقق الأمن لمواطنيه بل نفذت العمليات الاستشهادية ضدهم، لدرجة أن عناصر المقاومة الفلسطينية قامت بتنفيذ عمليات داخل القواعد العسكرية الاسرائيلية نفسها، كما أنه أخفق على المستوى الدولي فقد ساءت صورته خارجيا على أساس أنه رجل عنف وحرب ولا يسعى للاستقرار أو السلام، وإلا كيف نفهم كل هذا الهجوم الذي شنته جماعات ومنظمات حقوق الانسان في مؤتمر مناهضة العنصرية ضد اسرائيل بسبب ممارساتها العدوانية ضد المدنيين العزل؟! ويشير الى أن حرب الاغتيالات التي تمارسها اسرائيل تضاعف من كراهية الشعب الفلسطيني لنظام الاحتلال وتزيد من الغليان الشعبي، ولكنها لا يمكن أن تقود لحرب اقليمية في الوقت الراهن فكل الأطراف لا ترغب في هذه الحرب، وحتى اسرائيل التي تعتقد أنها قد تحقق مكاسب من وراء حدوث مثل هذه الحرب، لاشك أنها ستدفع ثمنا كبيرا لها، لأن وقوع حرب في المنطقة معناه حدوث تغييرات أشمل وأوسع في الكثير من الأمور وهذا لا تريده اسرائيل أو الولايات المتحدة في الوقت الحالي. أسلوب قديم ومن جانبه يقول الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم: أسلوب الاغتيالات الذي تتبعه اسرائيل ضد القادة الفلسطينيين ليس جديدا، فهو اسلوب قديم وأصيل في السياسة الاسرائيلية. ولكن الجديد هذه المرة هو التسارع الذي تتم به هذه الاغتيالات، فقد أصيبت اسرائيل بحمى وهوس الاغتيالات وكأنها بذلك ستستطيع السيطرة على الأمور وإجبار الفلسطينيين على الركوع ووقف أعمال المقاومة المشروعة. ويضيف اللواء مسلم أن التصعيد الاسرائيلي يعطي بما لا يدع مجالا للشك إنطباعا بفشل السياسة الشارونية التي كانت تؤكد أنه سيتم انهاء الانتفاضة خلال مائة يوم، ولكن مرت هذه المهلة دون أن يستطيع شارون السيطرة على الموقف، بل قد زادت حدة أعمال المقاومة وتم تنفيذ بعض العمليات الاستشهادية القوية داخل الأراضي الاسرائيلية كان أخطرها العملية التي نفذت داخل إحدى القواعد الاسرائيلية العسكرية والتي أهاجت شارون وجعلته يعطي أوامره بتصعيد مسلسل الاغتيالات ضد القادة الفلسطينيين. وحول رأيه في إمكانية وقدرة الفصائل الفلسطينية على الرد على هذه العمليات الارهابية من الجانب الاسرائيلي، يرى مسلم أن قدرة هذه الفصائل قد تكون أقل من قدرة الآلة العسكرية الاسرائيلية بكل تقدمها على تنفيذ مثل هذه العمليات ،ولكن هذا لا يمنع من ضرورة أن تحاول هذه الفصائل تنفيذ عمليات قوية ويجب أن تستهدف القيادات الاسرائيلية، أي أنه يجب أن تدفع اسرائيل ثمن هذه الممارسات الارهابية ضد الفلسطينيين. فلم يحدث في تاريخ البشرية أن قام كيان ما بالاعلان عن قائمة بالشخصيات المرشح اغتيالها من القادة كما فعل العدو الصهيوني، والغريب أن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية والذين يتشدقون دوما بالدفاع عن حقوق الانسان وغيرها من الشعارات لم يبدوا أي اعتراض على هذه السياسة الهمجية التي تمارسها العصابة الحاكمة في اسرائيل. ويعتقد اللواء طلعت مسلم أنه لو استمر الفلسطينيون على هذه الدرجة من المقاومة وخاصة بالاستمرار في العمليات الاستشهادية، فإنه في أغلب الأحيان سوف يحققون أهدافهم ونيل حقوقهم. وهذا الأمر ليس تفاؤلا ولكن كل الأحداث التاريخية أكدت هذه الحقيقة وعندنا النماذج الكثيرة على ذلك. ففي الجزائر وأفغانستان وفيتنام على سبيل المثال، ثارت شعوب هذه الدول على مستعمريها وصممت على المقاومة وحصلت على استقلالها، رغم ما كانت تتمتع به هذه القوى الاستعمارية من قوة تفوق بكثير القوة الاسرائيلية، ولا داعي هنا للتشدق والقول بأن الظرف الدولي الآن، والمتمثل في ذهاب نظام القطبية الثنائية الذي كان يحمي ويشجع حركات التحرر، لا يسمح بنجاح أعمال المقاومة، لأنه اذا استمر الفلسطينيون في أعمال المقاومة فإنهم سيفرضون على الجميع ارادتهم وسيحصلون على حقوقهم. ولم يستبعد مسلم أن يؤدي التوتر الحالي في المنطقة والذي أشعله وزاد من درجته موضوع الاغتيالات الى حرب شاملة في المنطقة، فهذا التوتر من شأنه أن يستفز الكثير من الشعوب العربية فتضغط على قادتها لتقديم المساعدة للفلسطينيين، واسرائيل لن تسكت على ذلك وبالتالي يمكن أن تتهور وترد بعمل عسكري وتشتعل المنطقة. القاهرة - مكتب «البيان»: