كان اغتيال الشهيد ابو علي مصطفى مفاجئا للجميع للدرجة التي ادّعى فيها شيمون بيريز نفسه انه سمع عن خبر الاغتيال في اذاعة الجيش الاسرائيلي، وسبب المفاجأة ان الشهيد كان زعيما وطنيا سياسيا وليس شخصية عسكرية او احد المسئولين العسكريين الميدانيين الذين تدعى اسرائيل انهم يمارسون العنف ضد امنها. ورغم ذلك حاول المطبخ الامني العسكري الاسرائيلي خلق المبرر لاغتياله، وهو ان الشهيد كان مسئولا عن عملية السيارة المفخخة التي لم تنفجر في المسكوبية في مدينة القدس قبل شهرين تقريبا، وان اسمه اضيف منذ ذلك الحين بصورة مبدئية الى قوائم المطاردين بالاغتيال. الارهاب والردع بالطبع ان اغتيال الشهيد ابوعلي مصطفى لم يكن بسبب هذا المبرر السخيف، فعملية الاغتيال هي رسالة سياسية دموية لها عدة اهداف وعلى اكثر من مستوى، فشخصية بحجم وثقل ابوعلي مصطفى هي صيد ثمين وسهل في الوقت نفسه، فهو يمارس عمله في كل صباح من مكتبه في الطابق الثالث في بناية تطل على الشارع الرئيسي، فهو لا يعمل بالسر وتنقلاته علنية، لذا كانت مهمة اغتياله سهلة، لكن مضمون رسالة الاغتيال كان مضمونا مدويا، فهو اول شهيد بهذا المستوى القيادي. والرسالة مفادها ان لا مسئول فلسطينيا محصنا بعد الآن بما في ذلك الرئيس عرفات نفسه كما ان شارون بهذه الخطوة رفع من وتيرة الصراع المفتوح نحو مزيد من التصعيد بهدف ارهاب الصف السياسي الاول في القيادة الفلسطينية وردعه باتجاه لحجم ووقف الاعمال العسكرية الفلسطينية ضد اسرائيل، وفي الوقت نفسه رفع معنويات الاسرائيليين بصورة عامة، والاهم من هذا وذاك هو جعل الفلسطينيين يشعرون كل يوم بخسارة جديدة، فأين قضية «بيت الشرق» الذي احتل قبل اسبوعين؟ وما هي الاولوية الآن للقيادة الفلسطينية: قضية بيت الشرق ام احتلال بعض المناطق بين الحين والآخر مثل بيت جالا ولا نعلم يوم غد بماذا سيفاجئنا شارون؟ وما هي الاولوية الجديدة التي سيفرضها علينا؟ هذه هي بالضبط خطة «الجحيم» التي اعدها شارون مع موفاز واليعازر، والتي تحدث عنها الرئيس عرفات مرارا وحذر منها، ولكن شارون قام بتجزئتها وتطبيقها على مراحل بدل تطبيقها دفعة واحدة. وحسابات شارون في ذلك ليست ناتجة عن مخاوفه من ردود الفعل الدولية، فقد تجاوز كل هذه الاوهام بعد الدعم اللامحدود الذي تلقاه من الرئيس بوش، بل هدفه من وراد ذلك هو زيادة رصيده لدى الشارع الاسرائيلي يوميا وفقا لنظرية القنابل الموقوتة، اي انتصار جديد مع كل يوم جديد. وتتفق التحليلات على ان اغتيال الشهيد ابوعلي مصطفى يحمل تحولا نوعيا في الحرب التي يشنها شارون على الشعب الفلسطيني، لكن ما الذي يترتب سياسيا على هذا التحول؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه في الواقع مع كل تصعيد اسرائيلي جديد لكنه كان يتأجل باستمرار افساحا للمجال امام المحاولات لايجاد مخرج يضمن عودة الهدوء واستئناف المفاوضات. هناك اجماع فلسطيني حول الرد الميداني على آخر جريمة اسرائيلية، وإذا لم يكن باليد ضمان الثأر من قيادات اسرائيلية فالرد جاء الآن بالعمليات العسكرية والمقاومة المسلحة للتوغل الاسرائيلي في مناطق السلطة. الرد السياسي اما على المستوى السياسي فهناك مطالبات بوقف كل اشكال اللقاءات مع الاسرائيليين، لكن عمليا فاللقاءات والمحاولات لفرض صيغة لاعادة الهدوء ـ على اساس امني ـ يتنكر للمطالب الفلسطينية. قد فشلت كلها واصبحت وراء ظهرنا. وقد لا تكون القوى الفلسطينية كلها معنية بالالتفاف الى الجوانب السياسية الخلافية ما دامت الحالة على الارض هي حالة مواجهة تضع الجميع في خندق واحد، لكن ومع ذلك تحتاج القيادة الفلسطينية الى دراسة رد سياسي ميداني غير الرد العسكري الميداني القائم فعلا. والرد المقصود يضع في اعتباره ان الاستراتيجية التي تتبعها اسرائيل اصبحت واضحة ومحسومة بحيث لن تجدي الضغوطات المتواضعة او المعدومة اصلا في تعديلها، وهي تحتاج الى مواجهتها بخطة جذرية جديدة تقوم على اعتبار ان المواجهة هي الاساس ولفترة طويلة مقبلة، اي الى ان تتولد قناعة جديدة في اسرائيل بأن انهاء الاحتلال هو الحل الصحيح لانهاء حمام الدم وتحقيق الاستقرار والامن للجميع. قد يبدو هذا الخيار متحققا عمليا من خلال استمرار الانتفاضة والمقاومة، لكن من جهة اخرى مازالت المرجعيات والاطر الناشئة عن اتفاق اوسلو والالتزامات المترتبة عليها قائمة. وقد يبدو ايضا ان هذه الالتزامات غير قائمة عمليا لأن اسرائيل تقصف وتدمر مؤسسات السلطة واجهزتها الامنية التي يفترض في الاصل ان تكون مسئولة عن الامن في المناطق (أ) ولكنها الآن جزء من المقاومة المسلحة. لكن الاتفاقات والالتزامات المترتبة عليها ما زالت هي المرجعية دوليا واقليميا، وهي التي تتيح لاسرائيل مطالبة السلطة بضبط الامور ومنع اطلاق النار وحتى رمي الحجارة واعتقال النشطاء والمطلوبين الخ. لكن ما دامت اسرائيل ترفض رقابة دولية على وقف اطلاق النار وتستهدف اجهزة السلطة وقواتها بالقصف والقيادات والكوادر الفلسطينية بالاغتيال، فإن الشق الامني العسكري في اوسلو ووجود السلطة الفلسطينية يصبح غير قابل للاستمرار ويفترض ان تعلن السلطة الفلسطينية انهاء مسئولياتها عنه. خيارات السلطة تطالب المعارضة الفلسطينية بتجاوز اوسلو ومرجعياتها ونفض اليد من مسيرة المفاوضات الناتجة عنها وادارة الظهر لاية لقاءات ومفاوضات على هذه الخلفية. والحقيقة ان القيادة الفلسطينية لا تستطيع ان تجعل نفسها مسئولة عن رفض التفاوض، لأن شارون يحصل مجانا على خدمة عظيمة بإظهار الجانب الفلسطيني كرافض لخيار السلام بينما العكس هو الصحيح، لكن القيادة الفلسطينية تستطيع ان تعلن حل الجهاز العسكري للسلطة «الاجهزة الامنية» وانتهاء مسئولياتها عن هذا الجانب واختصار مسئولياتها على الادارة المدنية. على مستوى اخر يفترض السير حتى نهاية الشوط بتوحيد جبهة المقاومة الفلسطينية سياسيا وعسكريا، وفصل الجسم السياسي عن الجسم العسكري. ولقد هددت قيادات فلسطينية بالنزول تحت الارض، وحتى احمد قريع ابو علاء احد ابرز اعضاء الفريق المفاوض قال ذلك، لكن القيادات السياسية يجب ان تتمسك بعلنية وجودها وقيادتها لشعبها، فالقيادات العسكرية والميدانية هي التي تتحول الى السرية ويجب ايجاد صيغة تمثيلية موحدة تشمل كل القيادات السياسية الفلسطينية مستقلة بوضوح عن المقاومة الميدانية المسلحة. وهناك اشكاليات معقدة ليس سهلا حسم الخيار بشأنها، فمنظمة التحرير هي رسميا الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية هي الممثل الرسمي المعتمد في المفاوضات، والقوى الفلسطينية تتوزع بين مشارك في المنظمة او في السلطة او خارجها، لكن البقاء في حالة اللاحسم يضر بالاداء الفلسطيني، لأن المغزى الفعلي لاستمرار الوضع الحالي هو المراهنة على شيء لم تأت به كل المحاولات الفائتة من تقرير ميتشيل الى خطة تينيت.. الخ. والخطر ان يمتلك عدوك رؤية واضحة لما يريد وتفتقدها انت.. والشعب الفلسطيني الذي يمتلك ارادة الصمود والتضحية والنضال، يحتاج الى مشروع اكثر وضوحا تخدمه هذه الارادة. بقلم: ماهر الشوابكة ـ كاتب أردني