بالكاد يمر يوم دون سقوط شهداء وعشرات الجرحى الفلسطينيين وتدمير منازل لهم أو مصادرة أراضيهم وانتهاك مناطق السلطة الوطنية، وفي مختلف العمليات المؤدية لهذه الضحايا والخسائر والانتكاسات تستخدم اسرائيل مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، البرية والجوية ـ وأحياناً البحرية كما حدث في أشهر سابقة من الانتفاضة ـ وتسخّر أعلى أساليب التكنولوجيا تطوراً وأكثرها غدراً، واذا أضفنا الى هذه الحالة الحصار الاقتصادي المفروض والمقرون بالمعدل المرتفع للغاية من البطالة الذي وصلت اليه اليد العاملة الفلسطينية ـ أكثر من 60 بالمئة حسب المصادر الفلسطينية ـ ونجاح سلطات الاحتلال في عزل القرى والمدن المحتلة عن بعضها البعض، عند كل ذلك يصبح من غير المفهوم اصرار معظم الدول والعديد من المحللين العرب على عدم اعلان ما يجري حرباً اسرائيلية، فهي حرب بالمعنى الكامل والشامل، تشن من طرف واحد على الفلسطينيين ومقاومتهم وانتفاضتهم. لقد حان الوقت للكف عن التبصير ورسم السيناريوهات عن موعد وكيفية اشتعال الحرب المقبلة لأنها مشتعلة ومستمرة على هذه الوتيرة منذ عدة أشهر، ان ما يجري ليس مجرد عمليات عسكرية، انها حرب اسرائيلية ضد الفلسطينيين، وهي حقيقية وشرسة أكثر من حرب العصابات اليهودية عام 1948 مع فارق وحيد، تبين لاحقاً أنه لم يغير شيئاً في النتائج، وهو مشاركة متطوعين ووحدات نظامية عربية في الحرب الأولى. الاعتراف بالحقيقة ان كل العناصر والأسلحة والعديد وغيره مما تم الزج به في المعارك اليومية تلزم الاقرار أننا أمام حرب أكثر عنفاً من الحرب الصهيونية ـ الفلسطينية الأولى، ان هذا الطرح لا يتعدى سقف تقرير ما هو واقع ولا يتعلق بقدرة الفلسطينيين على الصمود أو على التحمل مهما ألحقوا بالاحتلال من خسائر عسكرية أو مدنية، ان هناك حاجة فعلا للتعاطي ـ عربياً على الأقل ـ مع ما يجري انطلاقاً من التسليم بهذه الحقيقة كشرط لرؤية سليمة وواضحة لا يفيد الالتفاف عليها بشيء في المحاولات الحثيثة لتبرير العجز العربي الرسمي، وبظهره العجز العربي العام، عن تقديم دعم فاعل للفلسطينيين يحقق توازناً نسبياً مع فاعلية الأخطبوط الاسرائيلي وقدرته القتالية وما يتمتع به من امتيازات المساعدة والتغطية الأمريكية على مختلف الأصعدة. على أن الاعتراف بهذا الواقع واعلانه ليس اطلاقاً مدعاة تشاؤم حيال قدرة الفلسطينيين. فقريباً جداً، أي في الثامن والعشرين من سبتمبر الجاري، تحتفل الانتفاضة بمرور سنة على انطلاقتها والأصح على صمودها وقدرتها على الاستمرار وعلى الحاق خسائر ضخمة في الأرواح والاقتصاد والسياحة وفي الحالة النفسية الجماعية ليهود اسرائيل، ولعل هذا الأخير هو العنصر الأهم في المعادلة الجديدة سواء داخل الخط الأخضر أو ضمن خط 1967. صحيح أن الانتفاضة لم تحقق للآن شيئاً ملموساً على الأرض ولم تسترجع أياً من حقوق شعبها، بل على العكس فهي ضحّت بمئات المدنيين والكوادر، وبينهم قياديون كبار، وأدّت الى آلاف الجرحى والمعتقلين والى اعادة احتلال مناطق محررة بما فيها بعض مناطق «أ» الخاضعة بالكامل للسلطة اضافة الى استنزاف اقتصادي واجتماعي جديد، الا أنّ قدرتها على الاستمرار طيلة هذه الحرب أهّلها لتسجل أول انتصار زمني على العدو الصهيوني بشكل غير مسبوق في كل الحروب العربية ـ الاسرائيلية السابقة التي غالباً ما كانت تنتهي سريعاً لمصلحته اذا استثنينا طبعاً انتصار المقاومة الاسلامية اللبنانية نظراً لاختلاف طبيعتها من الناحية العسكرية عن تلك التي تعيشها اللأراضي المحتلة الآن. رهانات خاسرة وإذا كان ثمة مجال للاجتهاد والاختلاف في تقييم نتائج الانتفاضة يكفي الاتفاق ـ في أقل تقدير ـ على أنّها أحبطت رهانات الحكومة الاسرائيلية الحالية وخاصة رئيسها ارييل شارون الذي أطلق، عشية وغداة انتخابه، وعوده التأكيدية لناخبيه بأنه سيضع حداً لها في غضون أسابيع، واذ بشارون ذاته يصبح مهدداً في زعامته ومتهماً أمام المحاكم الأوروبية (البلجيكية) ، وبعد أن زادت شعبيته الداخلية اثر اغتيال عدد من قادة «حماس» والتي كانت تشير الى تأييد 70 بالمئة من الاسرائيليين شن حرب تضع ما أسمي حداً سريعاً ونهائيا لمقاومة الفلسطينيين، عادت القناعات لتتبدل بسرعة بعد أيام اثر العمليات الاستشهادية اللاحقة لتشير الى أن نفس النسبة ـ أي 70 بالمئة وفق آخر استطلاع قبل أسبوعين ـ تشكك في قدرة جيشها على وقف الانتفاضة. وربما وجد شارون وأركان حربه وحكومته الأمنية المصغرة أن حرب الاغتيالات مجدية لتغطيته داخلياً الى الدرجة التي تدفعه لعدم التمييز بين من هو سياسي ومن هو عسكري بحثاً عن انتصارات بالنقاط بعدما عجز عن الانتصار بالضربة القاضية، واذا كان للقضية الفلسطينية أن تعاني طيلة مسيرتها وفي ظل منظماتها التي تكاثرت منذ أواخر الستينيات، فهي حتماً لم ينقصها في يوم ما قيادات في أي من أجيالها مع كل التقدير لخصوصية وميزة كل قيادة، بل لقد خسرت العشرات منهم في معاركها الداخلية وفي مقاومتها وكانت بيئة الثورة وتعدد قواعدها قادرة دائماً على تخريج وتأهيل كوادر جديدة وقيادات مختلفة الأدوار (جيل قياديي ما بعد أوسلو يختلف عن جيل أبو جهاد وأبو أياد وجيل قيادة الانتفاضة يختلف عن جيل ادارة أعمال الحكم الذاتي). وبيت القصيد أن اسرائيل أكثر الأطراف علماً بأن هكذا عمليات لا تنفعها الا بحدود آنية ضيقة، فهي خبرتها ومارستها ولمست نتائجها بما يكفي، وبالتالي فان ما يمكن أن تجنيه من تكثيف الاغتيالات لقيادات عليا بالتلازم مع التوغل كراً وفراً الى مناطق السلطة لن يجدي الا في اعانة شارون على تحمل خيبات الأمل النفسية وتسكين وضع حكومته الداخلي ومحاولة ارهاب قيادة السلطة الوطنية املا في دفعها الى تهدئة الانتفاضة مع التأثير على معنويات المقاومين، ومع ذلك فان هذا الأسلوب لم يؤد بعد أشهر على بدئه ونجاحه في اغتيال قيادات عسكرية وسياسية، وخاصة من تنظيمات فتح وحماس والجهاد الاسلامي ومؤخراً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الى النيل من تصميم وارادة الفلسطينيين على استمرار المقاومة بأشكالها كافة. واذا كان للمراقب أن يلاحظ هدوءاً على جبهة العمليات العسكرية لهذه المقاومة بين الحين والآخر، لاسيما بعد كشف عدد من الكوادر والخلايا العاملة في هذا الاطار مؤخراً، فلا بد من التوقف عند اغتيال أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الشهيد أبو علي مصطفى ثم محاولة اغتيال نائبه آخر أغسطس الفائت، للنظر اليها من زاوية مخاوف اسرائيلية جديدة تولدت بعد الكشف عن عمليات لاعضاء من الجبهة أواخر الشهر الماضي وبشرت بزخم جديد من المواجهة المسلحة من قبل قواعد هذا التنظيم «التاريخي» الذي كان عرف انكفاء في عملياته الميدانية في الفترة الأخيرة (روجت اسرائيل أن الجبهة خططت للعديد من العمليات خلال الانتفاضة وكلها لاقت الفشل) . وبالتالي فان من شأن هذا الزخم تعديل بعض الصورة للمقاومة والانتفاضة بشكل ايجابي يكرس طابعها الوطني الشامل بعد محاولات الدعاية الاسرائيلية النيل منها وتقديمها للغرب على أنها عمليات ارهاب اسلامية، ذلك أن مشاركة الجبهة الشعبية المعروفة بصبغتها اليسارية شكلت ضربة لهكذا محاولات وأصابت مقتلاً في سعي الاحتلال لما اعتقده ضربات قاتلة للقوى والتنظيمات الاسلامية عندما ركز اغتيالاته على بعض الناشطين في الاعداد للعمليات العسكرية والاستشهادية. وهذا ما يمكن قراءته في اغتيال أمين عام الجبهة. الهروب العشوائي وبغض النظر عن ردود الفعل العربية والدولية المستنكرة لهذه الاساليب والتي زادت من العطف والتعاطف مع الفلسطينيين، فإن هروب الحكومة الاسرائيلية الى الأمام عبر اعتماد التوغل ثم الانسحاب من مناطق السلطة الوطنية أظهر مرة جديدة أن «النهج» الاسرائيلي لايخرج عن سياسة الضرب خبط عشواء. والمأزق الحقيقي للحكومة الاسرائيلية يتمثل الآن في كونها عاجزة عن توظيف آلتها الحربية في أي انتصار سياسي على الفلسطينيين مما يؤدي بالتالي الى اعتبار أن الانتفاضة حققت صموداً ميدانياً يؤهلها لتحقيق انتصار سياسي سياسي اذا ما توفرت له بعض الضغوط العربية والدولية. وكم يبدو قيماً هذا التكافؤ عندما يقول رئيس أركان الجيش الاسرائيلي الجنرال شاؤول موفاز أن «الفلسطينيين فوجئوا بقوة الصمود التي أبدتها اسرائيل والتي تحول دون تحقيق أهدافهم وأن قوة صمود اسرائيل وجنودها ومواطنيها راسخة ومتينة» ـ في حديثه للاذاعة الاسرائيلية مساء 30 أغسطس ـ. ومهما بلغت درجة المسكنة هنا غير أن صدور هذا القول عن رئيس أركان الجيش الذي لا يقهر يدل في أضعف الحالات عن حاجته الى انتصارات ولو على حساب الرصيد المعنوي لقوة اسرائيل العسكرية. وفي نفس الفترة وبالتزامن مع تصعيد محاولات الاغتيال كانت الجماعات اليهودية المشاركة في مؤتمر دوربان في جنوب افريقيا لمكافحة العنصرية ومختلف أشكال التمييز تدعي ـ حسب تقرير رويترز في 29 اغسطس عشية افتتاح المؤتمر ـ أنها تعرضت للاضطهاد والعداء للسامية وأن «الجماعات المؤيدة للفلسطينيين روعت أعضاء الجماعات اليهودية». وقالت ان بايفسكي، استاذة القانون في جامعة كولومبيا في نيويورك «يخفي بعض اليهود بطاقات التعريف الخاصة بهم لأنها تعرفهم بأنهم من اسرائيل أو يهود. والبعض يفكر بمغادرة دوربان بأسرها». ولا شك أن هذا المشهد يلخص ما آلت اليه صورة اليهودي والاسرائيلي ويدل في المقابل على الأجواء التي تشجع على الانتصار السياسي الفلسطيني في الفترة المنظورة والتي ستدفع باتجاه مزيد من الضغط على الادارة الأمريكية التي باتت قاب قوسين أو أدنى من تعريتها بالكامل في العالم العربي أياً كان نفوذها هنا وهناك، مما سيؤدي الى اعتبارها في نفس المستوى الصهيوني من العداء للفلسطينيين والعرب والمسلمين اذا استمرت في توفير التغطية الكاملة للحرب الاسرائيلية الدائرة، وهو ما سيعود وينعش الحملات عليها بأكثر من شكل خاصة اذا حاولت حكومة شارون الخروج من مأزقها بتنفيذ احد السيناريوهات التي يرددها بعض وزرائه ويهولون بها على العرب مثل التدمير الكامل لمقرات المنظمات الفلسطينية أو تصفية شاملة لقيادات الانتفاضة أو اعادة احتلال أراضي «الحكم الذاتي». بقلم: د. الياس البراج ـ كاتب وباحث لبناني