أصبحت ظاهرة نزوح اللاجئين من بلدان القرن الافريقي إلى اليمن مشكلة كبيرة ليس للبلد فحسب نظراً للاعباء التي يواجهها اليمن في ظل اوضاع اقتصادية صعبة بل وللاجئين انفسهم نظرا للظروف القاسية التي يعيشونها، وخلال ندوة نظمها مركز دراسات القرن الافريقي بالتعاون مع المركز العام للدراسات والبحوث والاصدار حظيت هذه القضية بنقاشات مستفيضة حاولت ملامستها واستعراض واقعها وآفاقها المستقبلية من قبل مهتمين ومعايشين لهذه المشكلة التي تتطلب اجراءات وتدابير عملية من قبل مختلف المعنيين خاصة في ظل الاوضاع التي يعيشها اليمن ويعيشها النازحون إليها. ويرى الصحفي السوداني المقيم في اليمن عبده محيي الدين في ورقته ان ظاهرة اللجوء ناتجة عن ثلاثة اسباب اولها الصراعات الداخلية في دول بعينها، حيث تتدهور الصراعات إلى حد الصدام المسلح، وحيث تضطر بعض المجموعات السكانية إلى هجرة اراضيها قسراً لتلتجيء ببلاد اخرى. الثاني ان استمرار الصراع الداخلي في الدول المصدرة للاجئين فيصير وجودهم مشكلة تهدد الامن القومي للدول المستضيفة ذاتها. الثالث والاخير مع خروج اعداد هائلة من اللاجئين من مناطق الصراع تتشابك قضايا اللجوء مع صراعات اخرى مشابهة فتتمدد رقعة الصراعات لتهدد الامن الاقليمي وربما الامن الدولي ويصنف محيي الدين الصراعات على النحو التالي: ـ الأول: صراع بين الدولة كمؤسسة قائمة وبين مجموعة «أو مجموعات» سياسية ذات اصول اثنية، دينية، ايديولوجية، مثال «السودان». ـ الثاني: صراع ذو طابع دولي حسم لأحد الاطراف المحلية دون الطرف الآخر، مثال «إريتريا». ـ الثالث: صراع دولي بين دول متجاورة مثال الصراع بين اثيوبيا والصومال. ـ الرابع: صراع ناتج عن اضطراب وفوضى سياسية بين اطراف متعددة حيث انهارت سلطة الدولة مثال «الصومال». ـ الخامس: لجوء بسبب مشاريع تنموية تبتدعها الدول دون مراعاة لظروف الجماعات المتأثرة، مثال مشاريع اعادة التوطين في اثيوبيا ومشاريع المؤسسات المالية الدولية في مناطق البدو الرحل. صراعات القرن الافريقي ويرى ان كلاً من اثيوبيا والسودان والصومال واريتريا تشكل مركز الصراعات في منطقة القرن الافريقي. بالنسبة لاثيوبيا فإن الصراعات الداخلية الدائرة فيها افرزت لاجئين إلى السودان على طول حدوده الشرقية، كما افرزت اعداد اخرى التجأت إلى جيبوتي وكينيا والصومال واليمن.. ونتيجة للصراع المزمن بين اثيوبيا والصومال فقد افرزت حروبها موجات من اللجوء من كل منهما إلى الاخرى. وبعد انهيار الدولة الصومالية تم لجوء الاريتريين إلى السودان. اما الصراع الذي يدور في جنوب السودان ونتيجة للحدود المشتركة مع السودان ظلت اثيوبيا تستقبل لاجئين من جنوب السودان اضطروا للهرب من بلادهم في خلال العقود الماضية اضافة إلى لجوئهم إلى كينيا واوغندا. ورغم ان السودان جزءاً القرن الافريقي في المفهوم الجغرافي الا ان حدوث اللجوء والتطورات السياسية في السودان في منتصف السبعينيات جعلته جزءاً من القرن الافريقي في المفهوم الاستراتيجي لمناطق الصراع الدولي.. ومع ملاحظة ان الصراع في القرن الافريقي ينعكس على مقومات الامن القومي للدول العربية المجاورة وعلى الاستراتيجية الدولية ككل فإن التشابك يحدث بين قضايا تبدو في شكلها محلية ولكن لها ابعاد اقليمية في الجوهر. في بعض الاحيان فإن وجود اللاجئين في دول كثيرة يوفر فرصاً كبيرة للنشاط السياسي والعسكري المناويء للدول المصدرة.. وفي احيان يعتبر وجودهم في حد ذاته علامة عن سوء الاحوال في الدول المصدرة مما يسهم في خلق الجو الملائم لوصم الدول التي يأتي منها اللاجئون بكل ما هو مناف لحقوق الانسان في العالم الحديث.. ولقد كان لوجود اللاجئين دوره الخاص في تأجيج الصراعات الاقليمية اما باتخاذ الملجأ منطقة انطلاق ضد الدولة الام او باستغلال وجود اللاجئين لادانة الأنظمة التي تتسبب في اخراجهم من بلادهم. ويتحول اللاجئون بمرور الوقت وازدياد اعدادهم إلى مسبب للتوتر في داخل الدول المضيفة وبين الدول المضيفة والمصدرة.. وذلك بناء على الافتراض بأن اللاجئين مثلهم مثل أي مجموعة ناشئة عن أحداث سياسية. الموقع الجغرافي ونظراً للجوار الجغرافي لليمن لمنطقة القرن الافريقي فقد كانت اليمن عرضة لهجرات العديد من مواطني هذه البلدان وتشير الاحصائيات إلى وجود اكثر من نصف مليون نازح من القرن الافريقي في اليمن، بسبب الحروب الاهلية في بلدانهم التي دفعت بهم إلى هذا البلد خلال سنوات العقد الفائت وترى ورقة عبدالله الحضرمي ان من بين هذا الرقم حوالي «150» الف لاجيء صومالي، ترعى المفوضية الدولية منهم «45» الفاً بمساعدات محدودة فيما تتولى اليمن تقديم مساعدات انسانية مضافة لما يقدمه مكتب المفوضية في صنعاء كإعاشة تستهدف القاطنين في المخيمات المخصصة في بعض المناطق الجنوبية باليمن. لكن الرقم الاكبر من اللاجئين الصوماليين يعيشون خارج تلك المخيمات في معظم المحافظات اليمنية ويتركزون بشكل مكثف في العاصمة صنعاء ويعزي ذلك إلى سوء المعيشة داخل المعسكرات وتفاقم ضعف الخدمات الصحية ما أدى إلى تسرب الاكثرية من المخيمات للانخراط في المجتمع اليمني، هروباً من بؤس وضعهم، ومحاولة البحث عن اعمال توفر لهم ولو نصف حياة، لكن ذلك كان على حساب اليمنيين انفسهم علاوة على ان هناك تسربا مضاعفاً إلى البلد ومن الصومال أيضاً، وعبر حركة التهريب التي نشطت خلال السنوات الاخيرة عبر الحدود البحرية وخلال الثلث الاخير من العقد الماضي وصل عدد اللاجئين الصوماليين حسب المصادر نحو 350 الف لاجيء، الا ان الأجهزة تمكنت من تقليص الرقم عبر ترحيل عدد كبير منهم بالتنسيق مع دولة جيبوتي التي تولت استقبالهم واعادتهم إلى بلادهم، وفي كل فوج بشري يجري ترحيله كانت الحكومة تتكبد مؤنة نقلهم شأن ما يجري مع الافارقة الآخرين ذوي الجنسيات الاريترية والاثيوبية والسودانية في بعض الاحيان. ويعتقد الحضرمي ان عبء اللاجئين يقصم كاهل الاقتصاد اليمني، ويخلق امنية وسجلت الأجهزة الامنية عدة حالات امنية في شكل سطو وتزوير واستخراج الجنسية اليمنية بطرق غير قانونية بالاضافة إلى ضبط حالات اخلاقية وترويج مخدرات كما ان الجنسية اليمنية تسربت إلى عدد كبير من الافارقة النازحين لاسيما منهم الصوماليين الذين أصبحت دولتهم بتأثير الحرب الاهلية بلداً من غير دولة. الضعف الاقتصادي والاجتماعي ويرى د. فؤاد الصلاحي استاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء ان: المجتمع في القرن الافريقي والبحر الاحمر قدشهد كل عمليات الصراع والعنف بالاضافة إلى ضعف التطور الاقتصادي والاجتماعي، والدولة في هذه المجتمعات قد ساهمت بشكل مباشر على اتساع ظاهرة اللاجئين وعملت على تنوع الوسائل الطاردة للأفراد والجماعات الأمر الذي ترتب عليه مأساة انسانية هي الاكبر في التاريخ الإنساني الحديث والمعاصر. وفي هذا السياق يرى فؤاد الصلاحي ان أزمات الدولة الافريقية «الانظمة السياسية» هي نفسها التي ولدّت وخلقت الأسباب السياسية الطاردة للأفراد والجماعات في الصومال واثيوبيا والسودان واريتريا اضافة إلى نيجيريا واوغندا وبورندي والكون جفو الديمقراطية... وهذه الأزمات اصطلح علماء الاجتماع والتنمية السياسية على تسميتها في الدول النامية وهي: ـ أزمة الهوية: ويقصد بها صعوبة تحقيق الوحدة الوطنية. ـ أزمة الشرعية: ويقصد بها عدم تقبل أفراد المجتمع «بعضهم أو غالبيتهم» للنظام السياسي الحاكم. ـ أزمة التغلغل: ويقصد بها عدم قدرة الدولة على النفاذ والتواجد في مختلف انحاء الاقليم الجغرافي الذي تحكمه وفرض سيطرتها وسيادتها. ـ أزمة المشاركة: ويقصد بها عدم تمكن أفراد المجتمع من المشاركة. ـ أزمة التوزيع: ويقصد بها عدم قدرة النظام أو عدم اتجاهه إلى توزيع الثروة بالعدل من خلال مشاريع تنموية يستفيد منها كافة أفراد المجتمع وجماعاته. وبشكل عام يحاول الباحث ان يربط بين الأسباب السياسية بتداخلها مع أسباب اجتماعية واقتصادية ودينية وثقافية ويرصدها على النحو التالي. ـ وجود نظم سياسية شمولية غير ديمقراطية. ـ غياب المشروعية «العقلانية ـ القانونية» في الدول الافريقية «القرن الافريقي والبحر الاحمر» وممارسة السلطة بشكل شخصي وفقا لرغبات واهواء الزعماء والقادة ووفقاً لمصالحهم الشخصية في اطار ممارسة للأبوية الجديدة. ـ ان التدخل الاقليمي والدولي كان سبباً مباشراً في تأجيج الصراعات والعنف. ـ ان الصراعات السياسية أدت إلى معاناة اقتصادية كبيرة افرزت ظاهرة اللجوء. ـ ان النخب الحاكمة في القرن الافريقي والبحر الأحمر لا تزال غير قادرة على بناء دول حديثة مؤسسية وقانونية تعمل على خلق وحدة وطنية. ـ ان عدم حل مشكلة السلطة وعدم عدالة توزيع الثروة سوف تستمر معه الصراعات بين السلطة والمعارضة وبين مختلف الجماعات. ـ ان ايقاف ظاهرة اللاجئين في القرن الافريقي والبحر الاحمر يتطلب حلولا غير عادية تشترك بدعمها وحمايتها قوى متعددة. ـ ان عودة اللاجئين لا تزال ترتبط فقط بانهاء مظاهر الصراع والعنف بل تتطلب تحسين مستويات المعيشة وتحقيق نمو اقتصادي يكون قادراً على خلق آلاف فرص العمل للعاطلين وان يرافق ذلك تطبيق دولة القانون والعدل. ـ من اجل انهاء أسباب الصراع السياسي والاجتماعي المسبب في ظاهرة اللاجئين يجب بناء دولة حديثة مركزية. واقع المخيمات ويعرض محمد عبدالله مفتاح شيخ مخيم اللاجئين الصوماليين للمشكلة من واقع معاناته كلاجيء صومالي في اليمن بقوله بعدما حصلت الكارثة تشتتنا إلى الدول المجاورة ووقع نصيبنا نحن ان ننزح إلى اليمن في عام 91م ودخلنا اليمن من طرق مختلفة بعضنا جاء عبر ميناء المخاء والبعض عبر ميناء الحديدة وبعضنا عبر ميناء عدن والمكلا وبعضنا عبر بئر علي وانقسمنا إلى مخيمات ولكن في عام 92 جمعتنا الأمم المتحدة في مخيم واحد وهو مخيم مليشية عمر المختار بمدينة الشعب بعدن ثم في مخيمنا الحالي الجحين. وعن المواد الغذائية التي تقدم لكل فرد يقول مفتاح كل فرد منا يتقاضى من المفوضية في الشهر مايلي: دقيق 13.5 جم ـ زيت 750 جم ـ سكر 600 جم ـ عدس 1800 جم. وبعض شهور يفقد بعض هذه المواد الغذائية «كالسكر والزيت والعدس» وكانوا يعطونا في كل سنة كنابل وفرشان وشوالي ولكن قطعت ولا ونعرف ما هو السبب وهناك عيادة واحدة تديرها منظمة محلية تدعى باد لف لكن الأمراض متفشية في المخيم ولا تستطيع العيادة ان تعالج 30 مريضاً في اليوم وليس في المخيم كشافة ولا اطباء متخصصون في بعض الأمراض كأمراض الاعصاب والكسوح ومرض القلب وضغط الدم والسكري والعظام والروماتيزم والجنون والأمراض التناسلية ولا توجد سوى سيارة واحدة للاسعاف تنقل بعض الأمراض إلى عدن للفحص وتحمل ستة إلى ثمانية اشخاص في الشهر مرة أو مرتين وتتحرك 6 صباحاً وتعود 12 ليلاً بدون أكل ولا شرب. وحول واقع التعليم داخل المخيم يقول شيخ اللاجئين الصوماليين لا يوجد في المخيم غير مدرستين ابتدائيتين واحدة تديرها منظمة سويدية والاخرى الجمعية الاماراتية المشتركة بعدن والمدرسون صوماليون وفتحت ثلاث دورات تدريبية للشباب في عدن كل دورة تدوم شهراً أو شهر ونصف ومثلها فتحت في صنعاء لمدة 6 أشهر ولم يجد أصحاب الحرف والمهن كالاسكافي والحداد والنجار والصياد والحلاق أي دعم. اجراءات ضرورية وفي معرض تناوله لهذه الاشكالية يرى محمد عبدالقادر العريقي ان مشكلة اللجوء ستظل قائمة في كل مكان وزمان ما يقضي بضرورة ايجاد آليات فاعلة ودائمة للوقاية منها متسائلا بقوله هل عمليات الاغاثة هي الحل الوحيد المتاح لأزمات اللجوء والنزوح؟ ام عملية ـ سياسات الوقاية قبل حدوثها هي الحل الأفضل والمجدي؟ ام هل أمن الناس أهم من السلطة والسيطرة؟ وللاجابة على هذه التساؤلات يرى العريقي انه ينبغي اتخاذ تدابير واجراءات منها: 1 ـ تصميم أنظمة وطنية مستدانة لإدارة المخاطر الاجتماعية. 2 ـ التصدي للصراع ـ الحروب الاهلية والحدودية والاقليمية. وعلى ضوء المداخلات والنقاشات التي دارت خلص إلى جملة من التوصيات لمواجهة هذه المشكلة حاضراً ومستقبلاً: 1 ـ التأكيد على ان للاجئين حق المشاركة في إدارة شئونهم الإنسانية والخدماتية كما ان لهم الحق بالمشاركة في عمليات تقييم برامج المساعدات الإنسانية. 2 ـ الدعوة إلى تحسين الظروف المعيشية والحياتية للاجئين داخل وخارج المخيمات وتقديم الخدمات الضرورية التعليمية والصحية. 3 ـ التعاون التام بين جميع اطراف المشكلة «الدول المصدرة والمتلقية والمانحة + اللاجئين» في اطار خطة شفافة نابعة من واقع المجتمع المحلي. 4 ـ ارساء دعائم الثقة بين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، واللاجئين والمؤسسات والسلطات المحلية والاهلية حتى يتم الوصول إلى تخفيف المعاناة والمشاكل. 5 ـ دعوة جميع الاطراف الدولية والمحلية المعنية بشئون اللاجئين إلى مواصلة رفع مستوى تقديم المساعدات الثقافية والمنح الدراسية وفتح أبواب مدارسها ومعاهدها وجامعاتها للاجئين عامة والصوماليين خاصة. 6 ـ وحسب قرار الجامعة العربية تقديم العون للجمهورية اليمنية وجمهورية جيبوتي لمواجهة الاعباء المترتبة على تواجد الصوماليين في أراضي بلديهما. 7 ـ دعم وتعزيز دور عقلاء وشيوخ مخيمات اللاجئين رسمياً واعطائهم دورات تدريبية تعرفهم بدورهم المهم في حل المشاكل الاجتماعية والخدماتية والإدارية للاجئين والنازحين في المخيمات. 8 ـ قضية العودة إلى الوطن: وفقاً لاتفاقيات السلام والمعايير الدولية لحقوق الإنسان يجب ان تكون العودة آمنة وكريمة. صنعاء ـ مكتب «البيان»: