تتوالى المؤامرات الصهيونية ضد المسجد الاقصى، هادفة الى طمس هذا المعلم الاسلامي الشامخ من الوجود وعلى انقاضه بناء ما يسمى بهيكل سليمان، مؤامرات تحاك في الخفاء واخرى في العلن تؤكد ان ليس كل ما يدنس الاقصى مجنوناً، والا فان الحكومة الصهيونية تتهم رئيس وزرائها بالجنون حينما دنس باحات الاقصى هو وثلاثة آلاف من جنوده.. اعتداءات عديدة منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً تحاول النيل من الاقصى بدءا بمحاولات دخول ساحات المسجد، ثم الحفريات والحريق وغيرها الكثير.. يقول د. عبد الستار قاسم - استاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح بداية يجب التفريق بين جبل الهيكل والهيكل المزعوم الذي يتحدث عنه الصهاينة، فجبل الهيكل هو كل الموقع التي توجد عليه المقدسات الاسلامية بما فيها الصخرة والاقصى وما حولها، اما موقع الهيكل فكان على جزء من الجبل وهو عبارة عن بناية صغيرة، حسب ما يدعون ان جزءاً منه يقع تحت المسجد الاقصى والجزء الآخر تحت الساحة الفاصلة بين المسجد الاقصى والمتحف الاسلامي، وفي الواقع ان هناك اقوالا متضاربة للمؤرخين حيث يقولون ان هيكل سليمان بني في القرن السادس قبل الميلاد وليس له علاقة بسليمان، ويقول آخرون انه لا وجود لهذا الهيكل وآخرون يقولون انه وجد ولكن لا يستطيعون تحديد المكان، وعدد من المؤرخين اليهود يقولون انه موجود في المكان الذي وجد فيه الاقصى. ويفند د. قاسم الاعتداءات الصهيونية على الاقصى حيث يؤكد ان تلك الاعتداءات بدأت قبل عام 1948، حيث انهم كانوا يتظاهرون ويطالبون بالتعبد بالمكان، وفي عام 1929 نجح اليهود بزيارة حائط البراق وفي حينها قامت هبة البراق احتجاجاً على قيام اليهود بالزيارة والصلاة بجوار الحائط، وقتل في الهبة العديد من الصهاينة واستشهد عدد من الفلسطينيين وآنذاك طرد الفلسطينيون عدداً من اليهود من مدينة الخليل. واردف قائلاً «بعد عام 1967 اصبحت المحاولات اكثر جدية حيث هدموا حي المغاربة وحارة الشرف الى الغرب من الحائط الغربي لساحة المسجد الاقصى وصنعت مكان الحي الساحة التي يسمونها حائط المبكى، فطردوا الناس من تلك المنطقة وبدأوا بالحفريات التي لم يتم الاعلان عنها ولم يعلن عن النتائج التي توصلوا لها. ويعزو د. قاسم اسباب التكتيم عن تلك الحفريات ونتائجها إلى انهم لو وجدوا اي شيء يتعلق بهيكل سليمان لاتخذ المتدينون من ذلك ذريعة لتصعيد هجومهم على الاقصى، وربما يأخذ هذا التصعيد مدى لا تتحمله الساحة الدولية حالياً، اما لو لم يجدوا شيئاً لما استطاعوا الاعلان لان ذلك يمس صلب معتقدات المتدينين من اليهود بمعنى انها ستصنع أزمة عقائدية تؤثر سلبا على النسيج الاجتماعي والسياسي. اما بالنسبة لنا نحن المسلمين فاننا لا نظن انهم وجدوا شيئاً لانه لا يوجد شيء مؤكد من الناحية التاريخية فقد دمر تماما على يد طيطيس الروماني سنة 70 م. يؤكد د. قاسم ان هجوم اليهود على المقدسات الاسلامية بدأ منذ 1967 وبالذات على المسجد الابراهيمي في الخليل والاقصى في القدس، لكنهم لم ينجحوا حتى اللحظة بأخذ موطئ قدم لهم في المسجد الاقصى، ولكن محاولاتهم مستمرة والحريق جزء من هذه المحاولات، لكن الملفت للنظر ان المسلمين حتى الان لم يطوروا وسائل كافية لانقاذ الاقصى او على الاقل لردع العدو عن الاستمرار في محاولاته. ويشير قاسم إلى ان هناك عراقيل تواجهها الصهيونية ولكن الاجراءات العربية والاسلامية ليست هي الحائل بين الصهاينة وتهويد الاقصى، فكثير من الانظمة العربية تقع ضمن البوتقة والهيمنة الاسرائيلية والامريكية، وهم لا يخرجون عن التزاماتهم السياسية والامنية التي تصب في المصلحتين الامريكية والاسرائيلية وبالتالي اذا اردنا ان نفسر العجز العربي فان هذه الانظمة جزء من المأساة أي ما يجب ان تتغلب عليه ليس فقط «اسرائيل» وانما الجهات التي تدعمها، وبعض العرب جزء من هذه الجهات. ويؤكد د. قاسم ان الاقصى يتهدده خطر الاعتداءات الصهيونية بالاضافة الى عدم اصلاح الوضع العربي فيجب ان تتحرر الامة من الانظمة وهنا يصبح بالامكان حشد الطاقات العربية وعندها لن تجرؤ «اسرائيل» على الاعتداء على الاقصى ولا على غيره. منبر صلاح الدين يقول الشيخ ناجح بكيرات مسئول ترميم الاقصى بالقدس بعد حريق المسجد الاقصى وحرق منبر نور الدين - في عام 585 هـ - الذي اتي به صلاح الدين تشكلت لجنة لاعمار المسجد وبدأت بترميمه وقد رممت قسما كبيرا منه لكن بقي المنبر، لاننا نريد ان يكون المنبر بذات المواصفات التي كان عليها منبر صلاح الدين، وتحاول وزارة الاوقاف في الاردن صناعة مثيل له، ولكننا نحاول تأجيل وضع المنبر لانه يرمز للتحرير ولا نريد ان نضعه وما زال الاقصى محتلاً.. موضحاً ان لو تم تجهيزه سننتظر من يأتي ليحمله، فليس العبرة بصنع المنبر ولكن العبرة بمن يحمله فنحن نريد رجلا كصلاح الدين ليحرر الاقصى ويجمع الامة. ويستدرك بكيرات قائلا بالرغم من وجود الصحوة الاسلامية التي قامت بعدة فعاليات بمشاركة لجان اجتماعية وشعبية وعلى رأسها لجنة احياء التراث الاسلامي ودوائر مسئولية لعمارة الاقصى القديم وعمارة المصلى المرواني ووضع الانارات في الساحات الشرقية والغربية ومحاولات أخرى من أجل الترميم والاصلاح في المسجد الاقصى، ولكننا نلاحظ ان الحكومة الصهيونية تقف حجر عثرة امام هذه المحاولات فهي تكثف من وجود الشرطة وتنصب الحواجز العسكرية والشرطة وتمنع الشباب من الدخول الى المسجد للصلاة. ويؤكد الشيخ بكيرات على ان المسجد لا يعاني اثار الحريق الذي مر عليه اثنان وثلاثون عاماً، لكنه يعاني حريقاً كل يوم ويستصرخ العرب والمسلمين لحمل اسلحتهم لاطفاء نيرانه المشتعلة، فالاقصى في خطر ويعتدى عليه وعلى شيوخه وشبابه كل يوم، متسائلا عن قيمة الاقصى بدون اهله وعشاقه فما يحدث في الاقصى يندى له الجبين، نحن نخاطب الكرامة العربية - التي يعتدى عليها من خلال الاعتداء على الاقصى - كي تتحرك لنصرة الاقصى. كذلك نعد العدة من اجل مواجهة المؤسسة الصهيونية التي ترتكب الاعتداءات اليومية على الاقصى، ونحاول دائما ترميم ما يفسده العدو. المعالجة العلمية ويعاود د. عبدالستار قاسم حديثه في الكشف عن تلك الاعتداءات قائلاً : لا ننسى قرارات محكمة العدل التي اقرت بحقوق لليهود فيما يسمى بجبل الهيكل بمعنى ان هناك قرارات قضائية هي التي تهدد الاقصى لكن السلطة التنفيذية الصهيونية حتى الآن لا تجد الوسيلة المناسبة للسماح للناس او لليهود المتدينين بالتصرف حسب هذه القرارات واذا وجد الظرف المناسب محليا ودوليا فان السلطة التنفيذية في اسرائيل ستكون جزءا من تنفيذ هذه القرارات. اضافة لتلك الاعتداءات محاولاتهم المتكررة لوضع ما يسمى بحجر الاساس لهيكلهم المزعوم ودخول باحات الاقصى. ويرى د. قاسم ان البكاء والعويل لن يعيد الاقصى ولا القدس ولكننا بحاجة الى معالجة علمية لاسس المواجهة ومقوماتها فالذي افادنا حتى اللحظة وبصورة كبيرة هو الوضع الدولى الذي يخشى من الاعتداءات على الاقصى لان ذلك سيقود المنطقة الى أزمة كبرى ويقود الى الاطاحة ببعض الانظمة العربية وبالتالي فمن مصلحة القوى العالمية الا تحصل أزمات تقود الى تغيير في بعض الاقطار العربية ما يلحق الضرر بالمصالح الغربية والصهيونية لذا يجب ان تكون قوانا الذاتية هي الحائل دون هدم الاقصى وليس القوى الدولية فعلينا ان نقويها في مختلف المجالات ما يمكننا من تحرير الاقصى بدل ذرف الدموع على ما يحيط بنا من اخطار. ادعاءات باطلة وحول ما يدعيه الصهاينة بوجود علاقة بين الهيكل وموقع بناء المسجد الاقصى يقول د. عصام سالم استاذ التاريخ بالجامعة الاسلامية «انها ادعاءات باطلة ولا تستند الى اي اساس تاريخي، واذا ما عدنا الى توراتهم المزيفة التي كتبوها بأيديهم فانها تؤكد مدى ضلالهم حيث تزعم ان النبي سليمان عليه السلام بنى هياكل عديدة له ولزوجاته وخليلاته اللائي تجاوزن الالف بينها هياكل مالكون اله عامون، وقاموش اله موآب وعشتاروت الهة صيدا وصور، واضافوا الى افتراءاتهم ان النبي غضب على سليمان ودمر ملكه، فاى هيكل يزعمون »، مشيراً الى ان ما ورد في كتبهم يثبت بان شيشنق فرعون مصر دمر ونهب بيت المقدس 1926 قبل الميلاد، كذلك نبوخذ نصر الملك البابلي اقتحم أورسالم ودمرها ولم يبق منها حجر، ولم يبق اي اثر لهيكلهم المزعوم، وهناك مزاعم اخرى تقول بان هذه الطائفة لا تمت بصلة للكيان السياسي والاجتماعي الموجود في ارض كنعان وان بعض افرادها قدم في ركاب الجيش الفارسي، وبنوا هيكلا آخر جدده حيرودس العربي الاصل الذي تهود، واضاف د. سالم ان الهيكل قد دمر نهائيا عام 70م كما يذكر المؤرخون انه كان موجودا في الجزء الجنوبي الشرقي من بيت المقدس على تلة اوفل اي يبعد مسافة كبيرة عن الموقع الحالي للمسجد الاقصى، وكان والي فلسطين حيرودس قد بنى قلعة عرفت باسم انطونيا وهي اكبر حجماً من الهيكل المندثر واستخدمها الروماني طيطوس لايواء جنوده وكان في داخل هذه القلعة الصخرة التي ظلت قائمة حتى العهد المسيحي. وعلى انقاض تلك القلعة بنيت العديد من الكنائس في العهد المسيحي وكان آخرها كنيسة القديسة صوفيا في عهد الامبراطور جونستيان في القرن السادس للميلاد وقد اندثرت هذه الكنيسة على يد الفرس عام 614م. ويواصل د. سالم دحضه لتلك الادعاءات الصهيونية بان الاقصى بنى على انقاض هيكلهم فيقول : «حينما تسلم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب مفاتيح بيت المقدس وبعد ان عقد العهد العمرية مع اهلها محافظا على حقوق المسيحيين فيها حيث لم يصل في كنيسة القيامة كي لا يقال ان عمر قد صلى هنا، وتأخذ الكنيسة من ايدي النصارى، لهذا لا يمكن ان يبني عمر مسجداً في مكان كنيسة او كنيس» موضحاً انه سمح لسبعين يهودياً بالاقامة في الجنوب الشرقي للمدينة بعيداً عن الصخرة بمسافة طويلة اعتقادا منهم بان ذلك المكان الذي اقاموا على مقربة منه هو مكان هيكلهم المدمر.. مشيراً الى انه عندما بنى المسجد الاقصى واكتمل البناء فيه لم يقم اي ادعاء من الطائفة اليهودية بان المسجد الاقصى بنى مكان هيكلهم المندثر، ولم تظهر الادعاءات الا بعد زيارة الرحالة بنيامين الطوطيلي لمدينة بيت المقدس في فترة الحروب الصليبية وسماعه لبعض الادعاءات بانهم عثروا على قبر داوود وسليمان وكان ذلك قبل وصوله بـ 15 عاماً، وادعوا انهم وجدوه على جبل صهيون التلة الجنوبية الغربية من بيت المقدس، وكان الصليبيون يدعونه المسجد الاقصى لجهلهم وعدم معرفتهم بمعبد سليمان، ولكن العالم اليهودي موس بن ميمون ذكر لدى زيارته بيت المقدس ان المعبد اليهودي الذي يزعمون كان مجرد حطام لم يبن عليه النصارى او المسلمون اي بناء وهذا ما اكده الحاخام ديفيد كمشي العالم التوراتي الذي اكد ان هيكلهم دمر وان اثار الحطام زال وجودها ولم يبق عليه اي بناء آنذاك. ويؤكد د. سالم ان الادعاءات لم تظهر الا بعد عام 1570 م عندما زعم اسحاق لوريا الذي عرف بالأسد وهو من حركة القبالة التي تمثل الصوفية والتعصب اليهودي بان الجدار الغربي للحرم حائط البراق (وهو الجزء الباقي من هيكلهم المزعوم ولكنه لم يكن في الواقع غير الحائط الغربي لقلعة انطونيا، وما يدعو للسخرية ان الصهاينة المضللين يتباكون حول هذا الجدار ويعتبرونه قلب وروح مدينة القدس، وفي واقع الامر انهم يتباركون بحائط لا يمت لهيكلهم بأدنى صلة وانه كان ذات يوم جدارا لقلعة انطونيا، مشيراً الى ان الصهاينة لم يصرحوا بحقهم في ذلك الجدار حتى العهد العثماني، وبعد نشوب ثورة عام 1929 م قام اليهود بتظاهرة بحماية الاستعمار البريطاني وهم ينادون «هذا الحائط حائطنا»، لذا كلفت الحكومة البريطانية «لجنة شو» لدراسة الواقع بشأن الحائط الذي يعتبره المسلمون مقدسا لديهم، ورفعت القضية الى عصبة الامم التي كلفت لجنة من القضاة (سويسري وهولندي وسويدي) وقد اصدرت عام 1931 قرارا يؤكد ان هذا الجدار بكل حبة رمل فيه اثر اسلامي وكذلك ما امامه وما خلفه. ويوضح د. سالم ان الادعاءات والعدوان توقفا الى ان وقعت النكبة الاولى عام 48، وكون الصهاينة كيانهم وبعد الاستيلاء على بيت المقدس بدأت تحاك المؤامرات لتهويد المسجد الاقصى وبناء الهيكل المزعوم حيث عاود الصهاينة التطاول على مقدساتنا فقام حاخام الجيش بالنعيق في بوقه في ساحة الحرم، وتوالت الاعتداءات فمرة حاولوا نسفه وفي 21/8/1968حاول المجرم دينس روهام احراقه وبذل اهل بيت المقدس جهودهم لاطفاء الحريق الذي ادى الى احراق جزء من المسجد الاقصى وخاصة محراب صلاح الدين وزعمت احدى محاكم العدو بانه كان مجنونا وتتابع عمل المجانين من العدو الصهيوني رغم القرارات باعتبارها ارضا محتلة كما صدرت قرارات من اليونسكو بحفظ هذا التراث المقدس الشامخ. وما زال الاحتلال يمارس اعتداءاته ضد الاقصى وليس اخرا محاولتهم جلب حجر لوضع الاساس لهيكلهم المزعوم في ساحة المسجد الاقصى ولكنهم باءوا بالخذلان والفشل، بعد ان تصدى لهم الشعب الفلسطيني الذي سيظل يتصدى للعدو حتى رد العدوان عن الاقصى. القدس المحتلة ـ مكتب «البيان»: