في التاسع والعشرين من شهر يوليو الماضي قام المتطرفون اليهود من أتباع جماعة ما يسمى «أمناء جبل الهيكل» بوضع حجر أساس رمزي لهيكل سليمان الثالث في منطقة باب المغاربة خارج ساحة الحرم القدسي الشريف، وجاءت هذه الخطوة غير المسبوقة بناء على حكم المحكمة الإسرائيلية العليا، وفي ظل إجراءات أمنية مشددة، وقد اعتبر مسئولو السلطة الفلسطينية أن إسرائيل بهذا الإجراء يمكن أن تجر المنطقة إلى حروب دينية.ولعل ما قام به أتباع جماعة «أمناء جبل الهيكل» ليس أول أو آخر الممارسات الإسرائيلية القائمة ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، فتلك الممارسات مستمرة بل متصاعدة في حدتها، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إن الحكومة الإسرائيلية دأبت في الفترة الأخيرة على توزيع تهديداتها تجاه بعض الدول العربية مثل سوريا ولبنان، حتى مصر والأردن. انقسم المحللون إزاء تفسير تلك السلوكيات الإسرائيلية بحيث برز اتجاهان أساسيان: الأول يرى أن كل ما يصدر عن إسرائيل لن يؤدي إلى قيام حرب في المنطقة نظرًا لوجود محددات وقيود أخرى تقف في طريق هذا الأمر، وأما الاتجاه الثاني فإن أصحابه يؤكدون أن شارون يخطط لإشعال حرب في المنطقة، بل ربما يتم الآن تجهيز مسرح العمليات لهذه الحرب. عدم إمكانية قيام حرب يرى أنصار هذا الاتجاه أن الدراسات والتوقعات بإمكانية قيام إسرائيل بتفجير المنطقة من خلال إشعال حرب عسكرية هي دراسات وتوقعات تميل إلى المبالغة، ويستند هؤلاء إلى عدة أسباب أهمها ما يلي: أن إشعال حرب جديدة في المنطقة ليس من أهداف شارون الآنية، إذ إن هدفه الأساسي هو المحافظة على الوضع العربي الراهن والعمل على ابتزازه بسياسات من شأنها إضعاف المقاومة الفلسطينية في الداخل وتوسيع المستوطنات وتهجير مزيد من الفلسطينيين تحت مظلة عملية التسوية السلمية، ويضيف أصحاب هذا الاتجاه أن ما يحدث الآن هو مجرد تلويح بفزاعة الحرب للأنظمة العربية. تنطلق حسابات شارون من أن توسيع الحرب وانفجارها على مستوى الدول العربية بل وبعض الدول المجاورة (إيران) أمر حساس للغاية، إذ إنه لن يترك الأردن بمنأى عنها ـ أي عن الحرب ـ كما أن مصر ستكون في موضع بالغ الحرج، كما أن إيران ربما لا تقف مكتوفة الأيدي بل ستقف إلى جانب العرب خاصة سوريا، فضلاً عن ذلك تشير حسابات داخلية وإقليمية إلى أن «حزب الله» لن يتأخر عن فتح الجبهة اللبنانية عند أي انفجار على مستوى واسع، ولا شك أن كل ذلك يعني أن إسرائيل ستكون مضطرة للحرب في جبهات مختلفة الطبيعة والانعكاسات والآثار خاصة إذا ما تمكن حزب الله أن يمثل طرفًا أساسيًا قادرًا على ضرب وإصابة مواقع حيوية إسرائيلية مدنية وعسكرية، ومما يزيد الأمر سوءًا أن بعض الدول تمتلك أنواعًا من الأسلحة والصواريخ بحيث تستطيع ضرب الأهداف العسكرية الإسرائيلية داخل العمق الإسرائيلي، وهو ما يترك آثارًا سلبية على المجتمع الإسرائيلي الذي لا يزال تسيطر عليه حالة الذعر والخوف وعدم الثقة بعد الانسحاب من جنوب لبنان وتصاعد الانتفاضة واستمرار العمليات الاستشهادية. إن أحد أهم المحددات لقيام شارون بشن حرب هو الموقف الدولي، فالحرب الشاملة النظامية لا يمكن أن تقع بين الجيوش في الشرق الأوسط بدون غطاء دولي، وتحديدًا غطاء أمريكي وأوروبي، فكل الحروب السابقة جرت بموافقة أمريكية أو بريطانية أو فرنسية وكانت إسرائيل على الدوام تؤمن بدبلوماسيتها دعمًا دوليًا واحدًا على الأقل. وبشيء من التفصيل فإن الموقف الأوروبي كان واضحًا إزاء فكرة الحرب، فقد حاول شارون خلال جولته الأوروبية الأخيرة تأمين غطاء أوروبي لفكرة الحرب، فطالبته فرنسا بتطبيق ما جاء في تقرير ميتشل لجهة وقف إطلاق النار، ورفع الحصار عن الفلسطينيين وتجميد الاستيطان، كما دعت ألمانيا أيضًا إلى التطبيق الفوري للمرحلة الأولى من «تقرير ميتشل»، ونصحت باعتماد المرونة حول مسألة المستوطنات، ولا شك أن هذين الموقفين يبلوران موقفًا أوروبيًا يعتمد على رفض التصعيد والحرب في الشرق الأوسط. أما بخصوص الولايات المتحدة فيرى أنصار هذا الاتجاه أن موقف الإدارة الأمريكية يقوم على رفض فكرة الحرب في المنطقة. ولا شك أن ذلك الموقف ينبع من رؤية الولايات المتحدة أنه من الصعوبة بمكان إعطاء شارون الضوء الأخضر حتى يفجر الحرب، وذلك لأن مثل هذه الحرب قد تطيح بنتائج تحققت مع مصر والأردن عبر معاهدتي السلام في عامي 1979 و1994 فضلاً عن أنها تسقط اتفاقات أوسلو ـ رغم الإعياء الذي لحق بها في السنوات الثماني الأخيرة، ويرى أنصار هذا الاتجاه أن الموقف الأمريكي ناتج عن لعبة مصالح معقدة وعن متغيرات إقليمية ودولية جديرة بالملاحظة خصوصًا ما يحدث على مستوى السياسات الروسية والأوروبية في الشرق الأوسط. ولا ينبع الموقف الأمريكي الرافض للحرب من دوافع خارجية فقط وإنما يرتبط أيضًا بعوامل أخرى داخلية، فدخول إسرائيل في حرب يعني وبشكل حتمي مصاريف إضافية للخزانة الأمريكية تصب في حضن إسرائيل وتزيد من التزاماتها تجاه الدولة العبرية، وسوف يترتب على هذا الأمر وقائع أخرى تترتب على إدارة البيت الأبيض وتجعلها تتساءل: هل سيؤيد الشارع الأمريكي هذه الحرب؟ وما مصلحته؟، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الإجابة عن ذلك التساؤل ستكون بالنفي. بمعنى أن الشارع الأمريكي لن يوافق على أن تخوض إسرائيل حربًا مع العرب يتحمل دافع الضرائب الأمريكي تكاليفها، خاصة وأن هناك تقارير تشير إلى أن الغالبية العظمى من الأمريكيين بدأت تبدي نفورها من الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل. وأخيرًا يؤكد أصحاب هذا الاتجاه وجهة نظرهم بخصوص الموقف الأمريكي والأوروبي من فكرة الحرب بالإشارة إلى مشهد متكرر عبر ثلاثة موفدين دوليين جاءوا إلى لبنان في مطلع شهر يوليو 2001، وهم موفد الاتحاد الأوروبي ميجيل موراتينوس، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية وليام بيرينز، وموفد وزير الخارجية الروسية آندريه فيدوفين، وقد طالب الثلاثة سوريا ولبنان وإسرائيل بضبط النفس بعد عملية المقاومة اللبنانية في مزارع شبعا، والرد الإسرائيلي بضرب موقع الرادار السوري، فالموفدون الثلاثة قالوا كلامًا دبلوماسيًا واحدًا: التزام ضبط النفس، وتطبيق ما اتفق عليه من قواعد لضبط العلاقات الإسرائيلية العربية في هذه المرحلة بانتظار استئناف مفاوضات التسوية. إمكانية قيام حرب في مقابل الاتجاه السابق والقائل بعدم إمكانية قيام حرب في المنطقة يبرز اتجاه آخر يؤكد أن الأمور تسير في طريق الحرب، فالأجواء اليوم لا تقل تلبدًا عن تلك الأجواء التي سادت قبل كل حرب من الحروب العربية الإسرائيلية السابقة، وما نراه الآن هو التمهيد الذي يقوم به شارون لهذه الحرب وانتظاره لعملية كبيرة تساعده على تبرير شن حرب جديدة، ويرى هذا الفريق أنه وعلى الأغلب أصبح الإعداد لهذه الحرب وترتيب أهدافها وعملية السير باتجاهها أمرًا يصعب إيقافه فالمتبقي الآن هو حشد الدعم والتأييد الدولي لها. ويرى آخرون من أنصار هذا الاتجاه أن السؤال المطروح على مراكز صنع القرار الإسرائيلي لم يعد يدور حول دراسة السبل الكفيلة بتفادي اندلاع حرب جديدة في المنطقة بعد انهيار عملية التسوية، وإنما أصبح يدور حول دراسة السبل الكفيلة بتبرير شن مثل هذه الحرب وضمان تحقيقها للنتائج المرجوة. ويرى أصحاب ذلك الاتجاه أن هناك عوامل يمكن أن تشجع شارون على شن حرب على العرب، وأبرز هذه العوامل ما يلي: إن إسرائيل تعلم تمامًا أن الولايات المتحدة سوف تدعمها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وتقف إلى جانبها إذا شنت حربًا على العرب، فالكونجرس الأمريكي يسير مع الليكود في تصوراته واللوبي الإسرائيلي لديه قدرة كبيرة على تجيير الكثير من التوجهات في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لصالح إسرائيل. وفي مقابل هذا الدعم فإنه لا خوف من روسيا المشغولة داخليًا والتي لا تستطيع أن تجازف وتدخل في الصراع مع أمريكا من أجل العرب، كما أن أوروبا لن تخالف في الغالب الموقف الأمريكي ولن تتدخل لمصلحة العرب في حالة نشوب الحرب، يضاف إلى ذلك قلة ضعف الأمم المتحدة وعدم قدرتها على التأثير بفاعلية في التسوية فما بالنا لو نشبت الحرب. انكماش الرد العربي المناسب، إن لم يكن غيابه على كل الاعتداءات والاستفزازات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وكذلك ضد التهديدات التي تطلقها إسرائيل ضد الدول العربية عليها. حالة التوافق الإسرائيلي العامة حول عدم جدوى السلام مع الفلسطينيين في الوقت الراهن، ويبدو أن شارون يعمل على استغلال هذه الحالة، حتى يستطيع أن يحصل على دعم داخلي لفكرة الحرب. إلى جانب هذه العوامل المشجعة التي يذكرها أصحاب الاتجاه القائل بنشوب الحرب، يرصد هؤلاء أيضًا عدة مؤشرات تدل على صحة وجهة نظرهم، وأهم هذه المؤشرات ما يلي: ما ذكرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في تقرير لها بثته على الإنترنت بتاريخ 20/7/2001 أن الجيش الإسرائيلي يستعد للقيام بحركة تجنيد كبرى بين صفوف الإسرائيليين المقيمين في الخارج خاصة الولايات المتحدة، وذلك استعدادًا لإمكانية اندلاع حرب شاملة في المنطقة. يعتبر هؤلاء أيضًا تصريحات بعض القادة العرب مؤشرًا رئيسياً على نية شارون بتفجير حرب في المنطقة، وفي هذا السياق جاءت تصريحات الرئيس حسني مبارك الأخيرة بخصوص شارون لتزيد من الهواجس، فيرى البعض أن تلك التصريحات ترتدي أهمية خاصة وخطورة استثنائية، فحين يصف الرئيس مبارك رئيس وزراء إسرائيل بأنه «رجل لا يعرف إلا القتل والضرب والحرب»، ويستبعد للمرة الأولى إمكان التسوية معه يدرك الجميع أن عملية السلام تصدعت إلى حد الانهيار، وأن المنطقة مهددة بالانزلاق إلى خيارات باهظة، ولعل كلام الرئيس مبارك يشير إلى المهمة العاجلة التي يفترض أن تضطلع بها الولايات المتحدة وهي منع شارون من دفع المنطقة إلى آتون الحرب. ويرتبط بما سبق ما أشار إليه بعض المحللين الإسرائيليين من أن التقديرات الاستخبارية القومية السنوية لمصر قد أكدت وللمرة الأولى منذ ما يقرب من 20عامًا أنه لا يمكن ضمان ألا يمتد العنف في فلسطين إلى ما وراء الحدود، وأوضح هؤلاء أن المقصود ليس امتداد العنف إلى الشمال فقط، بل إلى الجنوب أيضًا، وهو ما يعني أنه للمرة الأولى منذ سنوات يسود مصر إحساس بأن رياح الحرب قد تقترب. وبالإضافة إلى العوامل التي تشجع شارون على شن حرب ضد العرب وبعض المؤشرات التي قد تؤكد ذلك، فإن أنصار الاتجاه القائل بإمكانية نشوب حرب في المنطقة يستندون إلى عدة أسباب أخرى للتأكيد على وجهة نظرهم، وأهم هذه الأسباب ما يلي: فشل شارون في تحقيق ما وعد به من تحقيق أمن الدولة وأمن المواطن: فقد مضت فترة المئة يوم التي أكد شارون أنه سيقضي على الانتفاضة خلالها ولم يتحقق شيء، فالانتفاضة جعلت شارون يخسر رهان الأمن وكسرت العمليات الاستشهادية مصادر الأمن الإسرائيلي وجعلت أبوابه ونوافذه مفتوحة على مصراعيها مما دفع وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز إلى الاعتراف بأن «إسرائيل تعيش الآن أصعب وضع لها منذ عام 1948». وفي ظل ذلك الوضع فإن شارون يصبح أمام طريقين وهما التفاوض مع عرفات أو فرض حل عسكري يبدأ بإعادة احتلال الضفة، غير أن خيار التفاوض إذا حدث يقتضي عدة أمور منها الموافقة على تنفيذ الاتفاقيات السابقة، والإذعان لشروط عرفات أو على الأقل المجتمع الدولي، لكن المؤكد أن شارون لن يستطيع المضي في طريق التفاوض، لأن ذلك قد يؤدي إلى انهيار الائتلاف الحاكم، ومن جهة أخرى فإن شارون غير جاهز لأي تقدم في عملية السلام، أو لا يريد لهذه العملية أن تتقدم وهو حتى إن أراد فإنه يرفض تلبية أي مطلب فلسطيني تحت ضغط الانتفاضة أو ضغط العمليات الاستشهادية، وبناء على هذه المعطيات يصبح الطريق الثاني القائم على الحل العسكري هو الحل الوحيد للخروج من المأزق الراهن. الحرب بموافقة أمريكية هناك من يرى أن مسألة الضربة العسكرية ضد الفلسطينيين والعرب هي مسألة وقت لا أكثر، ومن أجل هذا فإن شارون يعمل جاهدًا من أجل خلق قاعدة دولية ليظهر فيها على أنه مرغم على ضربة عسكرية أمام ما يسميه بـ«استفحال الإرهاب الفلسطيني» و«ازدياد عدد الضحايا الإسرائيليين»، فهو يعمل خلال لقاءاته مع الأمريكيين والأوروبيين على إقناعهم بأن عرفات هو سبب الأزمة وهو الذي يحرص على العنف، وأن هدفه ليس التوصل إلى سلام وإنما لتصفية «دولة إسرائيل»، إلى جانب ذلك يحاول شارون استغلال قدراته للحصول على دعم أمريكي لفكرة الحرب حتى رغم ما يقوله البعض من أن للولايات المتحدة مصالح استراتيجية مهمة في المنطقة لا تسمح لإسرائيل بالعودة إلى نمط الحرب، ويرى محللون أن هذا الأمر ممكن خاصة إذا استطاعت الدولة العبرية إقناع الولايات المتحدة بأنه من الممكن حماية مصالحها في ظل حرب عربيةـ ـ إسرائيلية جديدة، وفي هذا السياق يؤكد آخرون أن الصمت العربي على تهديدات شارون سيجعل الولايات المتحدة تعطي ضوءها الأخضر لإسرائيل. وهناك طرف ثالث يرى أن عبارة الحرب «ممنوعة أمريكيًا» وبأن إسرائيل مهما كان رئيس وزرائها لا تشن حربًا من دون ضوء أخضر أمريكي هي عبارة ليست باعثة على الاطمئنان، خاصة أن الإدارة الأمريكية قد عبرت عن عدة مواقف بخصوص الشرق الأوسط تشير إلى إمكانية موافقتها على قيام حرب، من ذلك مثلا، ما قاله أحد المسئولين الأمريكيين في الخارجية بأنه «ليس لدينا أوراق لنلعبها في الشرق الأوسط»، أو قول مسئول في البيت الأبيض بأن واشنطن تشعر «بإحباط عميق» بعد فشل اقتراحات ميتشل وتينيت، كما أكد هذا المسئول أنه «لن نوفد أحدًا آخر»، ويرى هؤلاء أن «الإحباط العميق» أو قرار عدم إيفاد مبعوث آخر ربما يعني أحد أمرين: الأول أن بوش ربما يكون قد منح مسبقًا الضوء الأخضر لشارون ليقوم بما يراه مناسبًا أي الحرب، والثاني أن شارون لمس أنه لا يحتاج إلى ضوء أخضر أمريكي للإقدام على ما يريد فعله، من جهة أخرى إن القول بأن الإدارة الأمريكية «لا تمتلك أوراقًا لتلعبها» قد يعني أن الإدارة تحضر لتجميع أوراق جديدة قد تكون إحداها اندلاع مواجهة عسكرية تكون بمنزلة الورقة العسكرية للخروج من المفاوضات الجامدة. حالة الشارع الإسرائيلي إن نظرة متأنية في واقع الشارع الإسرائيلي تعكس أن نسبة كبيرة من المواطنين الإسرائيليين يؤيدون الحرب، وليس أدل على ذلك من أن هؤلاء المواطنين قد صوتوا بنسبة كبيرة 62% وغير مسبوقة لمصلحة شارون في الانتخابات الأخيرة، وهذا يعني بين أشياء أخرى ميل التفضيلات الشعبية الإسرائيلية للبديل الأكثر إرهابية في تاريخ دولة معروفة بالإرهاب أصلاً، فشارون يمثل رأس هرم له قاعدة عريضة من أنصار خيار الحرب والقوة، وهنا لا ضمانة مرجحة كيلا يخذل شارون مؤيديه. وبعد مرور عدة أشهر على تولي شارون الحكم يتجه الشارع الإسرائيلي أكثر من أي وقت مضى نحو التطرف والعنصرية، ويدفع نحو مزيد من الإرهاب والعنف والقتل والتدمير بحق الفلسطينيين والعرب جميعًا، ومؤخرًا أكد الحاخام المتطرف عوفاديا يوسف أنه يجب إبادة العرب جميعًا لأنهم يتكاثرون كالنمل مكررًا هذا الأمر أكثر من مرة. ويمكن استشراف توجهات هذا الشارع من خلال استطلاعات الرأي التي تنشر بين الحين والآخر، ومن آراء بعض الكتاب والمحللين الإسرائيليين، فقد أظهر أحدث استطلاع للرأي نشرته صحيفة «معاريف» أن 41% من الإسرائيليين يرون أن على الجيش أن يشن هجومًا شاملاً على الأراضي الفلسطينية، ومن جهة أخرى أكد الكاتب الإسرائيلي جدعون سامت في صحيفة «هآرتس» في 11 يوليو الماضي أن الأصوات الداعية للحرب في إسرائيل ليس لها مثيل في الإجماع منذ عشرين عامًا وقال إن من الأفضل تحضير الملاجئ استعدادًا للحرب، كما كتب رحبيعام زئيف في صحيفة «معاريف» مقالاً تحت عنوان «سننتصر إذا كان ردنا عليهم شديدًا وحاسمًا» ووجه خطابًا إلى شارون «قل للجيش أن يفعل ما يجب، فنحن نعرف أن ضبط النفس ليس من قاموسك». وتتصاعد حدة التطرف والدعوة إلى الحرب حيث يؤكد ميرون بنفنشي «هآرتس» أن الجميع، اليسار واليمين «يدعون إلى الحرب، أما الفروق فليست إلا في التوقيت والحجم»، أما المتطرفون فيطالبون بالحرب الآن، وأي أقوال أخرى من قبيل عدم وجود حل عسكري أو ضبط النفس هي بمنزلة خيانة بالنسبة لهم. وخلاصة القول ـ وكما يقول البعض ـ أن الحقيقة هي أن غالبية المجتمع الإسرائيلي وليس شارون وحده هي التي باتت تدفع في اتجاه الحرب، وذلك أن أغلبية الإسرائيليين مقتنعون الآن بأن الحرب باتت هي الوسيلة التي لم يعد يجدي سواها مع كل هؤلاء الذين رفضوا أو حرضوا على رفض «أكرم عرض إسرائيلي للتسوية قدمه اليسار الإسرائيلي». الممارسات الإسرائيلية تجـاه الفلسـطينيين يرى أنصار هذا الرأي أن الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ما هي إلا بداية لإعلان الحرب حيث تصاعدت هذه الممارسات حتى وصلت إلى استخدام الطائرات الأباتشي وإف 16 قصف وتدمير المدن الفلسطينية ومقرات السلطة الوطنية واجتياح أراضيها، بل إن الأمر لم يقتصر عند ذلك، فهناك الكثير من الخطط الإسرائيلية الأخرى منها أخيرًا ما أعلن عنه مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر من وضع قائمة لاغتيال وتصفية أعضاء حركة حماس الناشطين وكذلك المنظمات الأخرى مثل فتح والجهاد. إلى جانب ذلك كانت مجلة «فورين ريبورتز» البريطانية المتصلة بالشئون العسكرية قد نشرت في الأسبوع الثاني من يوليو تفاصيل خطة إسرائيلية جاهزة لإعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية، وأن الخطة تتحدث عن قوة عسكرية قوامها 30ألف عنصر، وعن تدمير السلطة الفلسطينية بشكل كامل وطرد القيادة الفلسطينية إلى خارج فلسطين وحتى قتل بعضها ومؤخرًا كان الاستفزاز الإسرائيلي الواضح من خلال موافقة المحكمة العليا في إسرائيل لجماعة أمناء الهيكل بوضع حجر الأساس لهيكل سليمان في ساحة الحرم القدسي أمام باب المغاربة، وهو ما اعتبره البعض محاولة إسرائيلية لإشعال حرب دينية في المنطقة. ويرى البعض أن أسلوب شارون القمعي المتصاعد ضد الفلسطينيين ما هو إلى ورقة امتحان لجميع الأطراف الأوروبي والأمريكي والعربي، وبالنسبة للطرفين الأولين فالهدف هو الحصول على الضوء الأخضر للاستمرار وصولاً إلى حالة الحرب، وأما الطرف العربي فيشكل تعامل شارون مع الفلسطينيين ورقة امتحان واضحة للعرب يريد من خلالها امتحانًا عربيًا على تصرفاته كي يقوم بخطوته التالية وهي الحرب الشاملة. محاولات استفزاز سوريا يرى محللون أن شارون عمد إلى تبديل «قواعد اللعبة» حيث استبدل بالمواجهة مع «حزب الله»المواجهة مع سوريا، ونفس الأمر بالنسبة للانتفاضة التي استبدل بالمواجهة معها المواجهة بالسلطة الفلسطينية، فشارون يريد أن يشن حربًا شاملة على سوريا ليجبرها على الخضوع للتسوية وبشروطه، ويدمر السلطة الفلسطينية ليجبرها على الرحيل والتفتيش عن الحل البديل في الأردن، وقد يكون هذا الأمر صحيحًا في ضوء ما ذكره البعض من أن ضرب «حزب الله» ومعه البنى التحتية اللبنانية يبقي الحرب محدودة ولا يحل مشكلة الجولان، وضرب الانتفاضة ومعها البنى التحتية الفلسطينية يبقي الحل الفلسطيني في إطار أوسلو والشرعية الدولية. وفي ضوء القواعد السابقة، فإن القصف الصاروخي الإسرائيلي الذي تكرر مرتين حتى الآن ضد الرادار السوري في لبنان ليس سوى مقدمة وذريعة لجر سوريا إلى حرب، خاصة وأنه توافرت أخبار وتقارير دبلوماسية حول جولة شارون الأوروبية الأخيرة تفيد بأنه نقل إلى قادة الدول التي زارها معلومات مخابراتية تزعم نشر شبكة من بطاريات الصواريخ الإيرانية في لبنان، كما نشرت صحيفة «هآرتس» في 12 يوليو الماضي أن سوريا أجرت اختبارات على ما في حوزتها من صواريخ «سكاد ـ بي» التي يصل مداها إلى 300كيلو متر، وأنها ـ أي سوريا ـ سبق أن أجرت تجارب في سبتمبر من العام الماضي على صواريخ بعيدة المدى وهو ما يتيح تزويدها برؤوس كيماوية أو جرثومية تصل إلى أي مكان في إسرائيل، إلى جانب ذلك ادعت إسرائيل أن سوريا أعطت الضوء الأخضر لنقل كميات من الأسلحة الإيرانية لحزب الله، وأن شحنات الأسلحة وصلت بداية إلى الأراضي السورية ثم تم نقلها إلى حزب الله. اتجاهات الحكومة الإسرائيلية يرى أصحاب هذا الاتجاه أن أغلب أعضاء الحكومة الإسرائيلية الحالية يعمل على شن حرب ضد العرب، فشخصية شارون وعدد من أبرز وزراء حكومته وعلى رأسهم ديفيد بن اليعازر وزير الدفاع ترتفع لديهم رغبة المغامرة، وكل هؤلاء ينتمون أيديولوجيا إلى الصهيونية السياسية التي ترى إسرائيل دولة متفوقة ومهيمنة على محيطها المباشر وأن هذا التفوق يعطيها الحق في فرض تصوراتها السياسية والاستراتيجية على المنطقة، وفي هذا السياق فإن حالة الخلل في ميزان القوى العسكرية بين إسرائيل والعرب تدفع الدولة العبرية إلى تصور إمكانية فرض تصوراتها من خلال القوة المباشرة وليس أي شيء آخر. وفي هذا السياق تزداد الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية وبالأساس الطاقم الوزاري المصغر الداعية إلى توجيه ضربة قاصمة للسلطة الفلسطينية، ويغذي هذا الاتجاه رئيس الأركان شاؤول موفاز الذي يؤكد مراقبون أنه يضغط على القيادة السياسية لاتباع الخيار العسكري لحسم المواجهة مع الفلسطينيين ولا شك أن هذه العقلية لا تنطبق في سلوكها تجاه الفلسطينيين فقط، بل إن ذلك السلوك يشمل كذلك العرب، فاستخدام الحل العسكري مع الفلسطينيين لا يضمن عدم استخدام هذا الحل مع دول عربية أخرى خصوصًا سوريا، مما يعني إمكانية نشوب حرب إقليمية في المنطقة. ويرى محللون أن غالبية الشعب الإسرائيلي يعتقدون أن التوتر والحرب بين كل مرحلة وأخرى شرط أساسي لضمان كيان إسرائيل أطول فترة زمنية ممكنة في المنطقة، من جهة أخرى فإن انخراط أطراف عربية في عملية التنمية والبناء الداخلي بما يمكن أن ينعكس إيجابيًا على قدراتها الاستراتيجية في المستقبل يعد أمرًا غير مقبول إسرائيليًا، علاوة على أن استمرار السلام يعني حرمان إسرائيل من الاستخدام واسع النطاق لقوتها العسكرية في حروب إقليمية واسعة، ونتيجة هذه الأمور فإن إسرائيل قد تلجأ للحرب من أجل إرباك المنطقة وتعطيل حركة التقدم الاقتصادي وهز ثقة المواطن العربي في جيوشه، وتضييع فرصة بناء جيوش عربية قد يؤدي توحدها إلى وضع نهاية لإسرائيل. ويرتبط بما سبق أن إسرائيل تعلم تمامًا أن حدوث سلام فعلي يهدد بحدوث خلل في التركيبة الديموجرافية الحالية. حيث إن معدلات زيادة المواليد عند الفلسطينيين أعلى بكثير من الإسرائيليين مما يشكل مخاوف لهم، فمعنى حدوث سلام فعلي وما يتبعه من إجراءات تطبيع يمكن أن تؤدي إلى ابتلاع إسرائيل تدريجيًا في المحيط الفلسطيني والعربي، وهو الأمر الذي لا تريده الدولة العبرية. العرب ومخططات شارون أيا كان مخطط شارون سواء في ناحية الحرب أو لا، يجب على العرب الاستعداد لأسوأ السيناريوهات وهو الحرب، ويكون ذلك من خلال عدة طرق بعضها دبلوماسي وآخر عسكري: أما الشق الدبلوماسي فإنه يشمل ضرورة التحرك العربي على أكثر من مستوى من أجل شن حملة دبلوماسية عالمية لتوضيح حقيقة الموقف ومحاولة تحريك الأمم المتحدة والقوى الكبرى لكبح جماح شارون، وفي هذا السياق يرى البعض ضرورة ممارسة ضغط عربي فعال على الولايات المتحدة من أجل تقييد شارون، ويكون ذلك من خلال إشعار الإدارة الأمريكية بوجود رد عربي يؤثر على مصالحها. إلى جانب ذلك ينبه البعض إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا يتخذان موقفًا سلبيًا من العرب لكونهما يشعران أنهما غير مطالبين بموقف يخدم الدول العربية ما دامت هذه الدول لم تمارس أي ضغوطات عليهما، غير أن ممارسة هذه الضغوط لا يكون إلا في ظل موقف عربي موحد قائم على تنسيق أكبر وأعمق مما هو عليه الآن. إلى جانب هذا الضغط يجب ترشيد وتكثيف الجهد الإعلامي في الغرب، فالضغط على الولايات المتحدة وأوروبا لا يكتمل دون توجيه جهد خاص للرأي العام في دولها، وهذه المعركة يجب أن تخاض ولكن بلغة عقلانية حقوقية قادرة على مناقشة الخطاب الصهيوني الدعائي الموجه إلى هذه الدول. أما الشق الداخلي فيشمل أولاً تعزيز إرادة وقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والنضال، والتعزيز هنا يعني المشاركة في النضال والمشاركة بالدعم المادي والمعنوي وليس طرح شعارات وبرامج غير واقعية وفرضها على الشعب الفلسطيني، أما الخطوة الثانية فتتعلق بضرورة أن يتغير الموقف العربي من إسرائيل في اتجاه (رادع) لتوجهات شارون، فالموقف العربي المطلوب يجب أن يتجاوز (ردة الفعل) ليكون (فعلاً) إيجابيًا، وفي هذا السياق يجب أن يعمل العرب على تجريد إسرائيل من قدراتها، وذلك من خلال المزيد من التوحد القومي وإيجاد إرادة جماعية تستطيع ردع شارون لأنه لن يرجع عن سياساته إلا إذا شعر بالخوف وبوجود قوة أخرى تواجهه. إلى جانب ذلك يجب ألا يكون خيار العرب الاستراتيجي نحو السلام هو الخيار الوحيد الذي لا يملكون غيره، لأن ذلك سيحوله من «خيار للسلام» إلى «خيار للاستسلام»، ويبدو أن هذا المعنى هو الذي يريده شارون وحكومته، من جهة أخرى فإن التأكيد المستمر على خيار السلام مع عدم ظهور أي خيارات أخرى داعمة (أو بديلة) إنما يعني تجريد العرب ليس من إمكانيات الرد العسكري أو حتى الرد السياسي الفاعل والجاد على العدوان الإسرائيلي فقط، وإنما يجردهم أيضًا من خيار السلام ذاته. وأخيرًا فإن كل ما سبق لا يعني تجاهل بناء قوة ردع عربية مؤثرة وفاعلة، فوجود قوة ردع متقدم تقليدي وغير تقليدي والقدرة على توظيفها واستخدامها سياسيًا وعسكريًا إذا اقتضت الأمور هو المحك الحقيقي فيما يتعلق بقدرة العرب منع إسرائيل من تفجير حرب في المنطقة. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: