في البداية اود التأكيد على ان ما اكتبه عبر الصحف ـ ولا انسبه لجهة معينة ـ هو رأيي الشخصي وانطباعاتي الذاتية ولا علاقة بما اكتبه للجامعة التي ادرس بها، ولا للمنظمات المحلية والقومية التي اشارك فيها، ولا للحزب الذي انتمي اليه، ولا للسلالة التي انحدر منها، ولا للمنطقة التي اسكن بين ربوعها. ورغم قناعتي بأهمية العمل الجماعي وتشجيعي الشباب للانخراط فيه الا انني ارفض فكرة ان يتحول الفرد داخل أي جماعة إلى آلة يفقد فيها ذاته وضميره، او يتحول الحزب الذي ينتمي اليه إلى سجن لا يستطيع الفرد ان يعبر من خلاله او من خارجه عن رأيه الشخصي في الكون والحياة والقضايا الخاصة والعامة بما فيها علاقاته الخاصة بالاخرين والتي لا تمس مصلحة المؤسسة التي ينتمي اليها ولا يؤثر على التزامه العملي بقراراتها. قد ينضم الفرد إلى جماعة التقى معها في ستين في المئة من القضايا التي تتبناها لكن تظل الأربعين في المئة من حق الفرد الذي قد يختلف فيها مع المجموعة. وهذا هو ما تقصده العبارة الشهيرة «على الاقلية ان تلتزم برأي الأغلبية. وعلى الاغلبية ان تحترم حقوق الاقلية بما في ذلك حقها في التعبير عن رأيها. ليس صادقاً ولا دقيقاً من يقول انه يلتقي مع مجموعته مئة في المئة لأن ذلك لا يحدث حتى بين الرجل وزوجته، والاب وابنه، والاخ واخته ولهذا قال الامام علي كرم الله وجهه: «لاتقسروا اولادكم على آرائكم فقد خلقوا لزمن غير زمنكم» وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرءاً اعان ولده على طاعته» ولهذا المعنى نفسه نص النظام الأساسي لاتحاد القوى الشعبية في المادة وسبعين على ان: «الآراء والمواقف التي لا تصدر عن الهيئات الداخلية للاتحاد لا تعبر عن الحزب وانما تعبر عن رأي شخصي يمثل صاحبه فقط». وبهذا يتميز اتحاد القوى الشعبية عن تلك الاحزاب الايديولوجية التي تفرض على كوادرها ارهاباً فكرياً يحولهم إلى اداة تتلقى وتنفذ فقط دون تفكير او حق او حتى في التعبير عن الرأي المخالف. وبعض هذه الأحزاب يلطف الأمر فيقول: «نفذ ثم ناقش». هذه مقدمة او ملاحظة كان لابد منها كرد على اولئك الذين يحاولون الخلط بين الرأي الشخصي للفرد والجهات التي يعمل بها، او يشارك فيها، او ينتمي اليها او ينحدر من سلالتها، او يعيش في منطقة واحدة معها. مشكلة المجتمعات المتخلفة انها لم تتعود الحوار، ولم تتعلم آدابه، ولم تتعرف على قواعده وبشكل خاص الاجيال الجديدة التي لم تتمسك بالاعراف القديمة أو القيم الدينية التي تدعو إلى الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى.. وان الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وان ليس هناك من يمتلك الحقيقة المطلقة فرأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. هذه الاجيال الجديدة في أغلبها لم تتشرب أيضاً القيم الحديثة القائمة على المنطق السليم والموضوعية في الحوار ولهذا يتحول الحوار إلى منطق هجين يؤذي السمع، وينكأ الجراح، ويزيد الطين بلة. والحوار في ظل هذا المناخ الهجين يتوزع بين منافق انتهازي يحسب كلماته بمردودها المادي عليه، وبين متبجح منتفخ كالديك الرومي يتصور انه يتفضل على الاخرين بالحوار معهم. ومالم يستجيبوا لرأيه، ويقتنعوا بقناعاته فانه سيأخذ طريقه بغيرهم وكأنه شيخ قبيلة متجبر يتحدث إلى رعايا مستضعفين. والعجيب في مثل حال هذه النمور الورقية انها «اسد علي وفي القصور نعامة». العقلية السلاطينية لا تحاور ولكنها من مركز القوة المتوهمة تحاول ان تملي، وهي لا تبحث عن شركاء يساهمون في البحث عن الامثل والأفضل والرأي الاصوب ولكنها تبحث عن شهود زور. والعقلية السلاطينية القرواوسطية لا تكتفي بالحرص على حشد المصفقين لكي تقمع بهم ذوي الرأي وترضى في داخلها ركب جنون العظمة وانما تعمل على تكثيف حراس الابواب لتتحول فقرات الحوار الى ثكنة عسكرية تمتهن المحاورين في الابواب وحتى لا يصلوا إلى مائدة الحوار الا وهم مقتنعون من الغنيمة بالاياب والعقلية السلاطينية القرواوسطية تعتبر ذلك جزءاً من مراسيمها ووسيلة من وسائلها لاشعار المحاورين انهم ليسوا شركاء متكافئين وانما هم رعايا مراجعين. لم تستطع عقلية سلاطين القرواوسطية ان تدرك ان القيم قد تغيرت وان هذه الأساليب ليست الا شاهداً على التخلف ودليلاً على الرعب الذي يجعلهم ـ كما يقول المثل ـ يخافون من ارجلهم، والمثير للسخرية ان سلاطين القرواوسطية يتهمون الاخرين بأنهم لا يفهمون ما يريدون مع انهم هم لم يستوعبوا الف باء العمل السياسي والقانوني حين يصرون على ان ليس هناك علاقة بين السياسة والقانون وبشكل خاص قانون الانتخابات الذي يرتكز عليه النظام السياسي كله. ولم يدرك هؤلاء العلاقة بين حوار قوى سياسية تشكل الاغلبية داخل المجلس والتزام كتلها بما تتفق عليه هذه القوى.. انهم يتحدثون وكأن كتل الاحزاب البرلمانية هي قبيلة شيخ الكتلة لا كتلة حزب سياسي. اما التشدق بالالتزام بالدستور في اجراءات اقرار القانون فان الله قد اشار إلى من يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.. المشكلة هي في عدم احترام الدستور ولو احترموا الدستور لما احتاج احد إلى حوار فهل احترموا حيادية المال العام، الوظيفة العامة، القوات المسلحة والأمن، الإعلام العام؟ هل احترموا الصندوق الذي اختطف إلى بيت السلطان؟ اسئلة نترك الاجابة عليها للضمير الوطني أو لمن بقي لديه ضمير وطني، نتركها للتأريخ لتقرأ الاجيال جناية الاباء على الابناء الذين تفجر الحقد في وجوههم فأطاح بكل حطام الدنيا الملوث ولم يبق للابناء سوى الدماء والدموع وصفحات سوداء لكل من ساوم على مصالح المجتمع.