يتقوقع التيار القومي في رومانسية تمجد الجماهير من بعيد دون معرفتها إذا لم يتعامل مع قضايا الناس اليومية الذي يحول «الجماهير» الى ناس، بشر، افراد، جماعات، مصالح، قضايا، أو ينعزل في حالة احباط وهجرة واغتراب تخون الحالة والمرحلة والعرب والمسلمين والناس اجمعين أي تتحول الى هجرة يتبعها تكفير. والحالة الرومانسية وحالة الهجرة حالات غير سياسية. وقد أثبتت التجربة التاريخية والتحليل البنيوي ايضاً انه لا يمكن التعامل مع قضايا الناس الحياتية واليومية وتمثيلهم سياسياً في الوقت ذاته دون خوض المعركة سياسيا برلمانياً. بقيامه وبولوجه المعركة السياسية حقق التجمع الوطني الديمقراطي ما يلي: 1ـ تم إحياء الحركة الوطنية والتيار القومي في الداخل. 2ـ شد التجمع بطروحاته مطالب المساواة الى نهايتها القصوى المتناقضة مع الطبيعة الصهيونية للدولة العبرية. 3ـ تم قطع شوط كبير في تخليص هوية عرب الداخل من أزمة الأسرلة. 4ـ يزداد الاتفاق حول ضرورة بلورة الحقوق الجماعية للعرب في الداخل. 5ـ تكثيف التواصل مع الأمة العربية والشعب الفلسطيني بشكل لم يسبق له مثيل. 6ـ تطور العمل البرلماني والسياسي عند جميع القوى بشكل لا يقارن مع ما كان سابقاً. هل ثمة ثمن يدفعه التيار القومي بسبب دخوله انتخابات الكنيست الذي يترتب عليه اعتراف بإسرائيل؟ نعم. ولكن أي لقاء للفكر بالممارسة فيه ثمن يدفعه الفكر راضياً اذا رغب بالتأثير. أية ترجمة للفكر الى برنامج سياسي بناء على تشخيص لظروف سياسية محددة من أجل تغيير هذه الظروف فيه ثمن، وأية ترجمة للبرنامج السياسي الى مطالب نضالية فيه ثمن. والامتحان هو بالقدرة على الارتقاء المعاكس من المطلب الى البرنامج الى المشروع الفكري بشكل متماسك ودون تناقضات لا تمكننا من العيش معها. والتيار القومي في الداخل، خلافاً لحركات سياسية لا تتوفر لديها هذه البوصلة الفكرية القومية الديمقراطية، لا يوافق على التمثيل في أداة تنفيذ السياسة الإسرائيلية وهي الحكومة ووزاراتها، كما لا يوافق على تمثيل العرب في لجنة الخارجية والأمن، ولا يشارك في تمثيل الكنيست خارج البلاد، ولا يطالب بتمثيل عربي في البعثات الدبلوماسية في الخارج بحجة المساواة، خلافاً للقوى السياسية العربية الأخرى في البرلمان. فالتيار القومي يرفض تحويل مطلب المساواة المناهض للطبيعة الصهيونية لإسرائيل الى اداة لدمج العرب في سياسات إسرائيل، تحول بدورها مطلب المساواة الى مطلب «حصة» في السياسة بدلاً من مناهضة هذه السياسة. والتيار القومي النضالي، الذي يتعامل بحيويته يومياً مع قضايا الناس ببوصلة فكرية وقيمية، لا يشتق مواقفه بالقياس المنطقي من نوع: هنالك تناقض بين القومية العربية والوحدة العربية ووجود إسرائيل كتعبير عن مشروع صهيوني. والمشاركة في انتخابات الكنيست هي اعتراف بهذه الدولة، إذن هنالك تناقض بين المشاركة في هذه الانتخابات والفكرة القومية العربية. بل يشتق التجمع الوطني الديمقراطي مواقفه بضرورة خوض الانتخابات باستقراء الواقع الحياتي المعاش وأنماط العمل السياسي وأنماط الوعي التي ينتجها، لكي يكون هنالك وجود جماهيري وشعبي وفاعل ومؤثر للفكرة القومية العربية والتي تتناقض مع الصهيونية، كما تتناقض ممارسات التجمع مع الصهيونية على كل جبهة ممكنة. هكذا يتجلى التناقض الوجودي ويتفاعل ويطوّر ديناميكيته. وليس لدينا أي طموح لتقديم الوعظ والإرشاد للتيار القومي في الوطن العربي وضرورة تعامله مع الواقع العيني في الدولة العربية القطرية الأمر الذي يجعله يتبنى هموم الجماهير بدلاً من مطالبة الجماهير باستمرار بتبني الهم القومي. مثال آخر: كيف نوفق بين القومية والديمقراطية؟ التيار القومي في الداخل هو قومي لأنه «يؤمن» (أي يعتقد) بوجود أمة عربية، ولأنه ينحدر من الحركة القومية العربية المتنورة، من التيار القومي في بلاد الشام مروراً بالناصرية والذي هدف الى التحرر من الاستعمار وتركته، ومن نزعته لبناء مجتمع عربي حديث تقوم فيه علاقة مباشرة بين المواطن الفرد وبين الأمة ـ الدولة دون اعتبار لانتماء هذا المواطن الديني أو الجنسي أو العرقي، ويعي التجمع الوطني الديمقراطي التشوهات التي لحقت بهذه البراعم التنويرية الأولى، كما يعي ان هذه النزعات التنويرية قد طورت نظرياً فردياً وليس حركياً، وقد لحقت بها تشوهات من قبل التيارات القومية ذاتها تحت وطأة ازدياد وتكثيف البعد الأيديولوجي لدى التيار القومي كلما تضاءل البعد الوحدوي القومي في الواقع العربي المعاش وكرد فعل على غيابه. وغني عن القول ان التيار القومي في الداخل، وفي ظروف المواطنة الإسرائيلية تحديداً، غير قادر على ان يضطلع بدور فعّال في الهم الوحدوي العربي. وهو رغم ذلك وخلافاً للقوى السياسية الأخرى في الداخل يؤكد على البعد القومي في القضايا التالية تحديداً: 1ـ التأكيد على البعد القومي في النضال الفلسطيني في مواجهة مزاج سياسي منتشر في أوساط فلسطينية محدودة يؤكد على العجز العربي. 2ـ التأكيد على الهوية القومية العربية كهوية مباشرة للفرد العربي هي في الداخل أيضاً، ولا تعبر عن طوائف، لا تحارباً ولا تآخياً. 3ـ التأكيد والعمل على تواصل العرب في الداخل مع الأمة العربية، ليس بهدف «التطبيع» مع إسرائيل، ولا كـ «جسر سلام»، وانما لتعزيز وإغناء الهوية العربية في الداخل بعد أعوام طويلة من العزلة، وبما في تبادل الخبرات والآراء من فائدة. ومع تأكيد التيار القومي في الداخل على ضرورة الاستفادة عربياً من خبرته ومعرفته بإسرائيل لعقلنة وترشيد عملية صنع القرار، إلا أنه خلافاً للقوى السياسية الأخرى في الداخل لا يقبل بلعب دور الوسيط بين إسرائيل وبين القوى السياسية العربية، ولا بين القوى السياسية الإسرائيلية والدول العربية، وهناك قوى سياسية عربية في الداخل حاولت أن تلعب هذا الدور علانية وتتمنى أن تلعبه علناً أيضاً. وهي تحاول من حين لآخر أن تثير الاشاعات عبر دار الإذاعة الإسرائيلية وغيرها من الأدوار ان التجمع يلعب مثل هذا الدور، ليس لأنها ضد لعب دور الوساطة، بل لأنها تريد ان تؤكد ان التيار القومي لا يختلف عنها. وليس لدى التيار القومي مانع على الاطلاق من اطلاع الرأي العام الإسرائيلي أو حتى المسئولين الإسرائيليين على تقييمه للموقف السياسي في العالم العربي كما يراه. فهو يقوم بذلك علناً ومن على منبر الكنيست على اية حال، ولا مانع لديه من ان يطلع المسئولين العرب والرأي العام العربي على تقييمه للموقف في إسرائيل، فهو يقوم بذلك قولاً وكتابة على أية حال. ولكن التيار القومي منحاز بشكل واضح للموقف العربي والفلسطيني، فهو ليس وسيطاً، لا هو يقبل ذلك ولا إسرائيل تقبل به كوسيط، بل انه متهم بالتحريض وبراديكالية الموقف قياساً بمواقف عربية رسمية. ويرى التيار القومي العربي في الداخل ان طموح القوى السياسية العربية في الداخل للعب دور الوسيط هو طموح «دون كيشوتي» أصلاً، فلا وزنهم الاقليمي ولا الدولي يسمح لهم به، ولا هذا هو دورهم. هنالك من العرب في الداخل من يحاول باستمرار بيع اليسار الصهيوني فكراً وشخوصاً للعرب وللفلسطينيين تحديداً، في حين يحارب اليسار الصهيوني التيار القومي في الداخل حرباً لا هوادة فيها، إذ يعتبر نهجه السياسي على المدى البعيد الأكثر خطراً على يهودية الدولة. ولا يتجلى الخطر برفض التجمع فكرة الاندماج وتأكيده على حقوق عرب الداخل القومية. ولا بمطلب دولة المواطنين الذي يتناقض مع الصهيونية فحسب، بل تتجلى الخطورة ايضاً بنظر اليسار الصهيوني في تمسك التيار القومي بثوابت فلسطينية يوهم اليسار الصهيوني ذاته انه بالإمكان إقناع الفلسطينيين بالتخلي عنها. وتجلى ذلك بشكل واضح بالتحريض الإسرائيلي الشامل على هذا التيار لتمسكه بحق العودة، كما تجلى ذلك عندما رفض التجمع وحده في البرلمان التصويت لصالح الذهاب الى كامب ديفيد، في حين ايدته واحتفت به كل القوى السياسية العربية في البرلمان، وبشكل فوري، لأن السلطة الفلسطينية وافقت مضطرة على المشاركة. لقد حذر التيار القومي ممثلاً بالتجمع الوطني الديمقراطي من كامب ديفيد دون ان يهاجم السلطة الفلسطينية لأنها وافقت على المشاركة فيه، فقد شاركها مخاوفها منه وعبر عن هذه المخاوف، وصدق عندما شخص الموضوع على انه محاولة لإملاء موقف إسرائيلي، أو موقف إسرائيلي معدل أمريكياً، عليها. وقد اعترف يوسي بيلين مؤخراً بأن إسرائيل أخطأت عندما ضغطت على السلطة الفلسطينية للتفاوض فوراً على الحل الدائم، ونشرت بعض الصحف المحلية العربية اقواله بتوسع وبدون نقد ذاتي، وكأن الحقيقة تتضح خالصة فقط عندما يدلي بها اليسار الصهيوني بعد فوات الأوان، اما عندما يكررها التيار القومي المرة تلو الأخرى وفي وقت مبكر فإنه ينعت بالتطرف.