انشغلت الانسانية منذ نهاية القرن التاسع عشر بالقضية القومية كمسألة اجتماعية وسياسية وثقافية، ورغم حل المسألة القومية في غالبية بلدان العالم بصيغة حق تقرير المصير، ورغم انه بعد تحول هذه المسألة الى محور الصراع بين حركات التحرر الوطني والاستعمار طيلة هذا القرن بدا وكأن المسألة القومية قد حلت من خلال قيام الدولة الوطنية المستقلة، الا ان العالم ما زال منشغلاً بالقضية القومية التي تتخذ مرة شكل حركات انفصالية عن الدولة، ومرة أخرى شكل حركات ثقافية تدعو لاحترام الخصوصية الثقافية ضمن الدولة الديمقراطية ومرة ثالثة صيغة حركات وحدوية. لقد حاول بعض الباحثين في العقد الأخير تقديم تأسيس نظري للمزاج السياسي والاعلامي، الذي يضع القومية والخصوصية القومية في صراع مع عملية العولمة التي تجتاز الحدود القومية وتطمس الخصوصيات في عملية توحيد السوق العالمي للحاجات الانسانية وأنماط الاستهلاك المادي والروحي، ويتم تنميط الحاجات الروحية والمادية دون توحيد الادوات لسد هذه الحاجات، ومع توسيع مستمر للفجوة بين قدرات المجتمعات الصناعية وقدرة محيطها وهوامشها على الاستفادة من الثورات التكنولوجية المتعاقبة، كما حاول آخرون تفسير الموجات الانفصالية الاثنية «الأقوامية» الطابع وانهيار الدول المتعددة القوميات والتأكيد على الخصوصية الثقافية وما يسمى، خطأ، بالاصالة كأنماط من ردود الفعل الأصولية القومية الثقافية والدينية على هذا التوحيد الذي يكرس التفاوت. ومما يعقد فهم المسألة القومية وقضية القوميات عموماً، نشوء أحزاب قومية، في أوروبا أولاً، ثم في العالم الثالث، تعتبر القومية جوهراً ثقافياً أو اثنياً «أقوامياً» متوارثاً يشكل نوعا من روح الشعب الخالدة غير المتغيرة، وبصرف النظر عن تاريخ نشوء هذه الايديولوجية القومية وأساسها الاجتماعي لدى الطبقات الوسطى في الدول التي تأخرت فيها عملية التطور الرأسمالي، وبالنظر الى لقاء هذه الايديولوجيات الكارثي مع الأزمات في الاقتصاد الرأسمالي وظهورها في مظهر المخلص بالنسبة للفئات الشعبية المتضررة من الحداثة ـ لابد من رؤية النتائج الرهيبة لتحول الفكرة القومية الى ايديولوجيا حزبية وإلى أداة تحريض للشعوب ضد الأقليات والشعوب الأخرى وإلى أداة تعبئة معادية للحداثة والديمقراطية باعتبارها «غير عضوية» و«طارئة على الأمة» ومعادية «لروح الشعب» وتقاليده. القومية ايديولوجية ومع ضرورة التمييز بين الايديولوجيات القومية في الدول المستعمرِة وفي الدول المستعمرَة، الا ان التجربة اثبتت ان تحول القومية الى ايديولوجية يحمل في طياته خطراً داهماً من الشوفينية والتعصب واللا عقلانية في فهم الذات والآخر، وفي فهم التشكل التاريخي للقومية ذاتها، فالقومية ليست جوهراً أبدياً قائماً فوق التاريخ والجغرافيا. ولكن من جهة أخرى علينا ان نعي ايضا ان القومية ليست مجرد وهم أو مجرد ايديولوجية باطلة ووعي زائف يغطي مصالح طبقية ـ فهذا أيضاً فهم فج للقومية أدى بدوره الى كوارث لا تقل عن تلك التي تسببت بها الحركات القومية المتطرفة عندما وصلت الى سدة الحكم، وذلك عندما تم نسف مبدأ حق تقرير المصير، وإخضاع الشعوب الى عملية هندسة اجتماعية، ونقل شعوب بأكملها من مكان لآخر كما جرى في الاتحاد السوفييتي، جرى كل هذا بذريعة إخضاع المسألة القومية للمسألة الاجتماعية أو الطبقية، فالأولى «المسألة القومية» بنظر نظريات الهندسة الاجتماعية الشيوعية هي عبارة عن وعي زائف للأخيرة «المسألة الطبقية»، وكانت عواقب هذا النوع من التفكير وتطبيقاته كارثية على القضية القومية والعلاقات بين الشعوب، وعلى القضية الاجتماعية الطبقية ذاتها التي لم تحل بل ازدادت تعقيداً وقلت بذلك عدالة. قد تكون الحركات القومية حركات رجعية معادية للحداثة والتقدم والتطور الاجتماعي، وقد تكون شوفينية الطابع منغلقة ومتعصبة، ولكنها قد تكون ايضا حركات ديمقراطية ومتنورة ترفع راية التطور والتقدم والحداثة، خاصة عندما تعتبر الاطار القومي هو الاطار الحديث بامتياز لتنظيم المجتمع على أساس ديمقراطي. ليست القومية أبدية، وهي ليست جوهراً، بل نمطا حديثا لتنظيم المجتمع البشري على أساس العلاقة بين فرد ومجتمع منظم في مؤسسات حديثة، والقومية ايضا هوية ثقافية جامعة وعابرة للحدود الأهلية والقبلية والطائفية، وهي متشكلة تاريخياً ولا تنطلق من أبدية التقاليد أو التراث ـ فهي ليست فولكلوراً ـ بل تقف على أساس من وحدة اللغة المتطورة باستمرار، والفضاء الحضاري المتناسق بفعل أدوات الحداثة، المتطور والمنفتح للعلاقة مع الآخر ولعملية التفاعل الثقافي، والثقافة القومية ليست عصبية قبلية، ولا جهوية، ولا اقليمية، فقد قامت على أنقاض هذه العصبيات ومن خلال ادوات الحداثة وانتشار وسائل الاتصال الحديثة والصحافة اليومية، والجامعة الوطنية، والمسرح ودار النشر، والتعليم الرسمي، وتوحيد اللهجات والذاكرات الجماعية في أدب الرواية و«علم التاريخ» في ذاكرة جماعية تمهد لتخيل مصير سياسي مشترك في دولة. نشأتها لقد نشأت القومية مع نشوء المجتمع الحديث، ولذلك أيضاً تختلط القضية القومية في أوروبا الشرقية حالياً ـ وإلى حد كبير في العالم العربي ـ مع القضايا التي تطرح بصيغة المجتمع المدني المنظم في دولة، والمنفصل كمجتمع عن الدولة كجهاز حكم في وحدة جدلية واحدة، هذه الوحدة الجدلية المتمايزة في داخلها باستمرار، والمتناقضة الى درجة الصراع بين دولة ومجتمع مدني، ثم العودة لبناء الوحدة بينهما على مستوى أرقى وأغنى من التمايزات هي مفاعل تطور الحداثة الاجتماعي، السياسي الأضخم والأعظم تأثيراً. لعبت الحركة القومية والفكرة القومية عموماً دوراً بارزاً في توحيد المجتمع وتحديث التنظيم الاجتماعي في المجتمعات ما قبل الرأسمالية، ورغم حاجتها الى اسقاط وفرض القومية بأثر رجعي على التاريخ، ورغم حاجتها الى تحويل تواريخ القبائل والعشائر الى تاريخ قومي واحد مختلط بأساطير قومية، ورغم استثمارها للاسطورة ـ ارتبطت الفكرة القومية بالحداثة، كما ارتبطت بالتحرر من الاستعمار، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، وتعميم التعليم، وبناء الجيش الحديث كأداة لتفريد الفرد عن الجماعة الأهلية، وكأدة لصهر الافراد وتوحيد زيهم وولاءاتهم، كما ارتبطت بتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية لـ «الشعب» الذي تحدثت باسمه الحركات القومية، وكلها مدفوعة في بدايات الحركات القومية بالرغبة الأولية لازالت الظلم وتحقيق صالح الأمة بشكل عام، لقد طرحت الفئات الاجتماعية التي حملت الفكرة القومية ذاتها كممثل لتطلعات مجمل الأمة وليس فقط لمصالح طبقة من طبقاتها، أو فئة من فئاتها. وربما رأت الفئات الاجتماعية الحاملة للفكرة القومية في بداياتها انها الناطقة باسم الأمة أو أنها هي الأمة «على غرار الطبقة الفرنسية الثالثة ابان الثورة الفرنسية»، الا ان دافعها كان دون شك تحريرا يجمع بشكل بدائي ودون وعي نظري، أي دون تمايزات، بين الفكرة القومية وتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية. وغالبا ما تحالف الاستعمار الجديد بعد استقلال دول العالم الثالث مع الزعامات التقليدية والدينية، وحتى مع الأصولية الدينية، ضد محاولات الحركات القومية تحديث مجتمعات العالم الثالث والتي استندت الى نخب صغيرة نسبياً من برجوازية المدن التجارية والانتلجنسيا الحديثة وضباط الجيش، وكان الجيش المؤسسة الحديثة الوحيدة في المستعمرات قبل الاستقلال. ورغم استقطابها لحماس الجماهير الفطري ضد الاستعمار ومن أجل البناء بعد الاستقلال، لم تستطع الحركات القومية انجاز مهام التحديث، أو كما قيل في مرحلة الاستقلال والتحرر من الاستعمار في منتصف هذا القرن، لم تتمكن من اتمام مهام التحرر الوطني أو مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، فقد فشلت لاسباب موضوعية وذاتية ببناء الاقتصاد الحديث والمؤسسات الحديثة وتطبيق سيادة القانون ونوع من العدالة الاجتماعية، كما لم تفلح الحركات القومية غالبا بالتعامل بشكل ديمقراطي مع قضايا الاقليات باعتبارها ازعاجا لوحدة الأمة ورهانا استعماريا مستمرا على تفتيتها من خلال ولوج أضعف حلقاتها، لم تفلح الحركات القومية ببناء أمة مدنية حديثة مندمجة من خلال وحدة المواطنة المتساوية ضمن نظام ديمقراطي، ولا استطاعت من ناحية أخرى أن تتبنى وجود أقليات قومية ودينية من خلال نظام تعددية ثقافية يعترف بوجود أكثرية وأقلية. وكما يبدو فإن مراجعة التاريخ القريب بمفاهيم الحاضر يجعل النقد الحالي عملية أسهل من عملية البناء في حينه بشكل لا ينصفها، وشكل بناء الدولة التحدي الأول والمشروع الأساسي بعد الاستقلال، وذلك في ظروف التركة الاستعمارية للحدود السياسية الاستعمارية والتخلف الاجتماعي، صحيح ان أدوات حل مسألة الاقليات، مثلاً قائمة اليوم في مفهوم المواطنة الديمقراطية المتساوية مع احترام خصوصيات الهوية الثقافية ـ الا ان هذه الأدوات لم تكن قائمة في حينه، ولم يكن المشروع الديمقراطي مطروحا في العالم الثالث بأسره بما فيه العالم العربي، من قبل أي قوة اجتماعية منظمة، وقد كانت المهمة الأساسية كامنة في بناء مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة ولكن غياب المشروع الديمقراطي، ولو بأشكال غير ليبرالية، كان أحد أسباب تعثر انجاز المهام الأخيرة، وساهم هذا الغياب في تحول جهاز الدولة من مجرد قطاع عام يمثل المصلحة العامة للمجتمع أمام الملكية الخاصة، إلى رأسمالية الدولة البيروقراطية المتعفنة وغير الخاضعة للمحاسبة والمساءلة. العوامل الخارجية ولكن يجب عدم التقليل من شأن العوامل الخارجية في افشال المشروع القومي العربي مثلاً، او الاستخفاف بها كأنها من رواسب عقلية «نظرية المؤامرة» العربية، فقد كان موقف العداء الاستعماري للحركات القومية الحديثة في العالم الثالث بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص مستفحلاً الى حد المقاطعة والمحاصرة واستخدام القوة العسكرية، كما حدث في العام 1967، لقد كان العداء للحركات القومية في العالم الثالث عموماً، وليس العالم العربي فحسب، مكونا أساسياً من مكونات الاستعمار الجديد وموجها فعلياً للسياسة الغربية في العالم الثالث، وكان لهذه السياسة أثر كبير على وجهة تطور الدول المستقلة حديثا، سياسيا واجتماعيا. ونحن كقوميين ديمقراطيين نميز بين تشكل القومية من خلال الدولة القومية، والتعليم الرسمي وكتابة التاريخ الرسمي واعادة تصميم الذاكرة الحية للشعب بما يتلاءم مع رؤية الدولة القومية، وبين تشكل القومية من خلال ارادة تحويلها إلى أمة ذات سيادة في مرحلة التحرر والنضال من أجل الاستقلال، من المخزون الثقافي المشترك والذاكرة الحية والارادة السياسية المعبر عنها بالسعي نحو السيادة تتشكل الأمة في مرحلة التحرر فاسحة المجال لطاقة الجماهير الابداعية ولحركة الناس العفوية المنسجمة سوية في سعيها الى التحرر والاستقلال، وقد تتحول هذه الطاقة الى طاقة هدامة ورجعية اذا ما تحولت نحو الداخل، أو إذا تحول الصراع من أجل الاستقلال الى صراع عنصري بين الشعوب، وإذا تحولت القومية إلى أداة تعبئة وتجنيد ضد القوميات الأخرى كما حصل في البلقان. لقد تشكلت القومية العربية من خلال المخزون الحضاري والثقافي، ولكن هذا لا يعني ان القومية العربية مجرد ظاهرة ثقافية مرتبطة باللغة، وكأن لا علاقة لهذه الظاهرة بالطموح الى تشكيل أمة عربية ذات سيادة كما لا يعني من ناحية أخرى ان عمر القومية العربية كعمر اللغة العربية كما تدعي بعض التيارات القومية التي تجعل تاريخ العرب هو تاريخ القومية العربية، فالقومية العربية لاتنافس الصهيونية على القدم والاسطورة، وانما نشأت كحركة سياسية وثقافية حديثة كباقي القوميات الحديثة مترجمة الثقافي والحضاري واللغوي العريق المشترك ومترجمة الذاكرة الجماعية المشتركة الى ارادة أمة حديثة بالسيادة والاستقلال. وقد انطلقت الفكرة القومية العربية كفكرة مدنية حديثة في مدن العرب ليس ضد الدين وانما ضد عملية التتريك التي اتبعتها الدولة العثمانية في فترة تحللها مع نشوء النزعة القومية التركية، وكما قامت القوميات الأوروبية من خلال قيام التجمعات المدنية والصحافة الحديثة والتعليم وتوحيد اللهجات وقيام السوق الرأسمالي وتفكك الرابطة الدينية كرابطة سياسية، كذلك قامت القومية العربية من خلال الحداثة العربية والصحافة وتعميم التعليم وبداية الطبقات الوسطى العربية، ومن خلال قدرتها على خوض نضال شعبي يبلور الانتماء القومي كرابطة سياسية مع احترام الانتماء الديني والعقائد الدينية الاصيلة القائمة ضمن الأمة، ومع احترام الرابط الحضاري القائم بين القومية العربية والحضارة العربية الاسلامية بعصورها المتلاحقة التي تنظر اليها القومية العربية كتاريخها، ومنها تستمد ذاكرتها وقصص بطولاتها وملاحمها ومآسيها. اتخذت الحركة القومية العربية من الفكرة القومية الحداثية نبراسا لها بأشكال مختلفة منها الديمقراطية التنويرية الطابع في الفترة ما بين الحربين، ومنها المحافظ المتحالف مع الطبقة الاجتماعية القديمة ضد الاستعمار في الفترة نفسها، ومنها الراديكالي المتأثر بالأنماط القومية الأوروبية المتأخرة، ومنها المتفاعل مع أنماط اشتراكية الدولة بحثا عن نماذج للعدالة الاجتماعية ـ ولكن هم الوحدة العربية والتعاون والتكامل الاقتصادي والسياسي العربي في مقابل واقع التجزئة الاستعمارية وتبعية الموارد العربية لرأس المال الأجنبي، هم التحرر من ربقة التبعية في السياسة الخارجية وتحويل الأمة العربية الى كيان سياسي واقتصادي له موطئ قدم في العالم الحديث هذه الهموم مجتمعة بقيت هاجسا يحرك عقول وقلوب القوميين العرب، ومعهم عقول وقلوب الملايين من أبناء الأمة العربية. نحن قوميون عرب ليس بمعنى الانتماء الى عقيدة ايديولوجية قومية عربية شوفينية، ولكن بمعنى تبني مشروع العرب السياسي والحضاري الحديث، وتبني المشروع لا يعني تبني صيغ جاهزة أو اجترار مقولات رومانسية، كما لا يعني الشعور، حتى لو كان حقيقياً، بحنين لفترات هز فيها المشروع القومي أنظمة وعروشا وحرك الجماهير من المحيط الى الخليج، وانما يعني تبني المشروع بالنسبة لنا في ظروف الداخل، التفاعل معه والمساهمة في صياغته ليس ادعاء لما لا نستطيع، فنحن نعرف قدر نفسنا كما نعرف ما هو حدنا، وانما من خلال تفاعل الفكرة القومية العربية مع واقعنا، واقع القضية الفلسطينية، وواقع قضية المواطنة والصراع من أجل المساواة. المشروع القومي العربي ليس مشروعا ينزل من أعلى بصيغ جاهزة للاشتقاق بالقياس المنطقي، وانما يطبق المشروع القومي العربي بالعمل في الظرف السياسي والثقافي والاجتماعي العيني وبوضع الرغبة العربية الاصيلة بالوحدة والتحرر والحداثة والعدالة في محك التجربة العينية، مما يؤدي الى تطوير الواقع من خلال نقده والى تطوير المشروع القومي العربي وإغنائه في تفاعل مستمر مع الواقع بل مع الوقائع المختلفة. نحن قوميون عرب لاننا نرفض اعتبار تجزئة وتقسيم الأمة العربية سياسيا أمراً طبيعياً، نحن قوميون عرب لاننا نرفض اعتبار اخراج الأمة العربية من مبدأ تقرير المصير أمراً مفروغاً منه، نحن قوميون عرب لاننا نعتبر القومية العربية حاجزا امام تسييس الطائفة والعشيرة واطارا حداثيا لتنظيم المجتمعات العربية تنظيماً ديمقراطياً تعددياً ضمن قواعد متفق عليها تحافظ على وحدة المجتمع كمجتمع حديث، نحن قوميون عرب لاننا ديمقراطيون ـ نحن قوميون عرب لأن همنا هو الانسان العربي الفرد وحقوقه كانسان وكمواطن، ولاننا نعتبر تفتيت وتفسيخ المجتمع العربي الى طوائف وعشائر هو الطريق نحو التخلف والتبعية، نحن قوميون عرب لاننا وطنيون فلسطينيون نحن وطننا فلسطين، ونعتز بهويتنا العربية الفلسطينية، ولاننا نرى ان مستقبل فلسطين والشعب الفلسطيني لا يمكن ان يحسم بمعزل عن التعاون والتعاضد العربي. الديمقراطية والمواطنة الديمقراطية هي قضية نمط نظام الحكم السائد في الدولة، وقد تم تعميم هذه المقولة: «حكم الشعب» أو حكم أغلبية الشعب مباشرة، أو عبر ممثلي الشعب في هيئات منتخبة لتصبح قضية الديمقراطية قضية عامة في المؤسسات وفي الأحزاب وفي الحياة العامة، وتجرى محاولات مستمرة من قبل الحركات النسوية وغيرها لادخالها الى الحياة الخاصة، ورغم هذا التغيير الطارئ على خطابها السياسي والاجتماعي تبقى مسألة الديمقراطية الأساسية قضية نظام الحكم في الدولة الحديثة. كانت مسألة الديمقراطية في الماضي قضية حكم الشعب أو حكم أغلبية الشعب أو حكم الفقراء أو العامة، الأمر الذي أدى الى تفسيرات عديدة لهذه المقولة لتصبح حكم ارادة الشعب، أو حكم الشعب ككيان عضوي هو ليس الأغلبية وانما فوق ارادة الأغلبية، أو هو الحكم لمصلحة الشعب، وفسح هذا الاحتمال التفسيري المجال لانماط مختلفة من الديكتاتوريات الدموية التي جعلت ارادة الشعب بل روحه في حالات النظم التوتاليتارية متجسدة في فرد أو حزب أو نخبة، وجعلت «الشعب» أو ارادة «الجماهير» فوق الأغلبية، والأغلبية فوق الانسان الفرد، وجعلت العضوية في او الانتساب الى الشعب، كجماعة أقوامية أو كرابطة دم متخيلة بحكم الأصل أو النسب، فوق المواطنة في الكيان السياسي، أو الدولة. ولكن في عصرنا لم يعد بالامكان الفصل بين الديمقراطية كحكم الأغلبية المعبر عنها في نظام تمثيلي، والليبرالية السياسية التي تنظم حقوق المواطن المدنية والتي تجعل التنافس السياسي ممكنا عبر التزام الدولة بمبادئ مثل حرية التعبير، وحرية الانتظام في روابط وأحزاب، وحرية الاختيار، وحق المواطن بالوصول الى مصادر المعلومات، كما تفصل بين الحيز الخاص والعام. وأصبح من غير الممكن تخيل الديمقراطية كحكم الأغلبية دون حقوق ليبرالية للمواطن، مثل الحق على الملكية الخاصة وحقه بالتعبير عن الرأي واحترام حقوقه كمواطن أمام السلطة، حتى لو كانت ممثلة للشعب، وحقه بمحاكمة عادلة تضمن عبر استقلال القضاء وسيادة القانون، وحقه بالمساواة أمام القانون وحقه باختيار أسلوب حياته، وحقه بحرية التنقل واختيار المهنة والتأطر في أحزاب وحقه بالاجتماع والتظاهر ومساواته أمام القانون وغيرها من الحقوق المتطورة باستمرار عبر التفاعل المستمر بين المبدأ الديمقراطي والمبدأ الليبرالي على طول الحداثة. لقد كانت الليبرالية تقصر هذه الحقوق على النخبة، فعممها اجتماع الليبرالية بالديمقراطية، ولم تكن الديمقراطية كحكم الأغلبية تحترم هذه الحقوق بالضرورة اذا لم تحترمها الاغلبية، ولكن أصبح من غير الممكن في عصرنا تخيل ليبرالية ليست ديمقراطية أي ليست معممة على المواطنين كمواطنين، أو ديمقراطية ليست ليبرالية، أي ديمقراطية لا تضمن حقوق المواطن، وكما توسع حق الاقتراع ومفهوم المواطنة عبر نضالات طويلة ليشمل النساء والأجيرين، كذلك توسعت الحقوق الليبرالية وضمانات هذه الحقوق كحقوق للمواطن، وأصبح من الصعب تخيل الديمقراطية كنظام حكم دون هذه الحقوق الليبرالية، ومن نافل القول ان القوى القومية الديمقراطية ترفض أن تكون الحقوق الليبرالية مقصورة على النخبة، وحل اشكال مثل تعارض الحقوق الليبرالية مع الثقافة المعادية لليبرالية مثلا لدى أغلبية السكان في مرحلة تاريخية محددة لايكون بمصادرة هذه الحقوق من النخبة ايضا بل بتعميمها. موقف اليسار لقد كان موقف اليسار في الماضي، كما كان موقف التيار القومي «الديمقراطي وغير الديمقراطي» بشكل عام سلبيا من الليبرالية باعتبارها أولا نظرية اقتصادية معادية لتدخل الدولة في فعل قوانين السوق الداخلي والتجارة الخارجية، وثانيا لانها عبرت عن ذاتها سياسيا وحقوقيا عبر حكم نخبة تقصر المواطنة الحقيقية على أصحاب الأملاك، خاصة مالكي وسائل الانتاج، وعلى الطبقة الوسطى، يضاف الى ذلك في حالتي اليسار والتيار القومي في العالم العربي اعتبارها تيارا استعماريا وفدت الى المنطقة ما بين الحربين وتبنتها بموجب هذا التحليل، بعض النخب المرتبطة بالاستعمار مشددة فقط على حقها بالملكية الخاصة دون الحدود الاجتماعية لهذا الحق، وحتى لو ارتبط تنفيذه بالتحالف مع القوة الاستعمارية. أما الديمقراطية التي كانت عادة تميز موقف اليسار في أوروبا القرن التاسع عشر كما كانت تميز موقف التيار القومي في مرحلة النضال ضد الاستعمار عبر مطالبه العادلة بالاستفتاء وبحق الشعب بانتخاب ممثليه كتعبير عن السيادة ضد الاستعمار، فقد تحولت بقدرة التيار العقائدي في الماركسية الى مجرد شكل حكم البرجوازية، وتحولت البرلمانات بنظر لينين مثلا الى غرف للثرثرة، وبات اليسار لا يرى من حرية التعبير الا سيطرة رأس المال على وسائل الاعلام ولا يرى بحقوق المواطن الا مقولة رأسمالية زائفة طالما بقي المواطن مستغلا من الناحية الاقتصادية. أما بنظر التيار القومي، الذي طالما استخدم مقولات ديمقراطية مستمدة من الثقافة السياسية الغربية ضد الاستعمار في مرحلة التحرر، فقد تحولت الديمقراطية بعد الاستقلال الى تقليعة غربية استعمارية، أو الى تهديد لوحدة الأمة وذلك عبر تشتتها، بفعل التعددية الحزبية، الى شيع وأقليات وطوائف وغيرها بدلا من تيارات حزبية وفكرية كما في الغرب. ان سيطرة رأس المال على الصحافة، وسيطرة صناعة أوقات الفراغ وقوانين العرض والطلب على وسائل الاعلام، وتغلغل ثقافة الدولة والنظام الحاكم فيهما لا يعني بأي حال من الأحوال ان الديمقراطية هي شكل حكم الأقلية، وان العلاج هو الغاء أو تقييد حرية التعبير التي تمكن الأقلية المتنفذة من السيطرة على أدوات انتاج الوعي وبلورة ما يسمى بالرأي العام والذوق العام والمزاج السياسي، بل يعني ان التحديات امام القوى الديمقراطية قد ازدادت وان حجم مسئوليتها الديمقراطية قد ازداد، فالمعركة من أجل تحرير حرية التعبير من سيطرة رأس المال ومن اخضاعها لقوانين العرض والطلب في الاعلام التجاري، ومن أجل تحديد رقابة الدولة عليها هي معركة شعبية وديمقراطية في نهاية المطاف، ولا يمكن تحقيق انجازات في هذه المعركة دون مخاطبة أوسع الفئات الجماهيرية بخطاب سياسي وثقافي بديل. كما ان التيار القومي لا يكون قوميا فعلا إلا إذا رأى عملية بناء الأمة من خلال المؤسسات التي تعبر عن ارادتها عبر الديمقراطية وسيادة القانون، ولا تكتمل سيادة الأمة الا بتوفر عنصريها، الدولة ذات السيادة من ناحية والمواطن الحر القادر على ممارسة حقوقه من ناحية أخرى، وحدة الأمة الحية هي وحدة تعددية قادرة ان تحافظ على ذاتها كاطار يجمع بين التيارات السياسية والفكرية المتعددة وبين الطوائف والعقائد الدينية المختلفة في أمة واحدة، لا معنى لمفهوم الأمة اذا كانت مجرد تعبير عن تيار واحد مفروض من أعلى بواسطة الدولة والسلطة، هذه الوحدة هي وحدة مجردة، أما وحدة الأمة الحية فهي تلك الناشئة عن التعددية والتنوع، والمتطورة باستمرار بفعل جدلية التعددية والتنوع داخلها. لقد تطورت في المجتمعات الصناعية المتقدمة في العقدين الأخيرين مواقف جامعية ودراسات وأبحاث نقدية توفر على القوى الديمقراطية عملية نقد النظام الديمقراطي الليبرالي القائم، وذلك بدءاً بتخشيص نشوء الانسان ذي البعد الواحد والثقافة الجماهيرية الاستهلاكية مروراً بنشوء الطغم المالية ذات النفوذ الواسع في السياسة والاعلام، واختلاط الشهرة السياسية بالنجومية الاعلامية، ونشوء المشهد الاعلامي السياسي الزائف، ويضاف الى هذه نقد زيف نظرية الحقوق بسبب قصورها عن الاحاطة بقضايا العدالة والانصاف المستعصية على اللغة الحقوقية، واما لان غالبية الفئات الاجتماعية تعجز عن صياغة قضايا بلغة حقوقية شكلانية حتى في الدول الديمقراطية، أو بسبب بقاء الحقوق الديمقراطية نظرية تعجز فئات عن صياغة قضاياها بلغة حقوقية شكلانية حتى في الدول الديمقراطية أو بسبب بقاء الحقوق الديمقراطية نظرية تعجز فئات واسعة من الشعب عن ممارستها، خاصة في المجتمعات غير المتقدمة صناعياً، بسبب الجهل أو الفاقة، أو عدم القدرة على التنظيم، او احتلال الحاجات المادية مكاناً أعلى من الحقوق الديمقراطية على سلم الأولويات بالنسبة لها. غبار انساني لا تصلح هذه النظريات النقدية للديمقراطية لتكون بوصلة للعمل السياسي حتى في الغرب ذاته، حيث توطد نظام الحكم الديمقراطي الليبرالي الذي جاءت لتنتقده، فكم بالحري عندما يتعلق الامر بدول لم يقم فيها هذا النظام بعد؟ والحقيقة ان هذه النظريات تكشف للقوى القومية الديمقراطية جبهات وساحات جديدة للعمل السياسي كلما ازداد تعقيد وتركيب المجتمع الرأسمالي المتطور، ولا شك ان بعض هذه التعقيدات يطال حتى دول العالم الثالث عبر عملية العولمة وتعميم أنماط الاستهلاك، بما في ذلك الاستهلاك الاعلامي. ورغم الحاجة الى الاستفادة من نظريات نقد الديمقراطية هذه على القوى الديمقراطية ان ترى الفرق بين المعركة من أجل توسيع هامش حرية الصحافة واستقلاليتها في مواجهة شركات الدعاية من ناحية، والدولة من ناحية أخرى في الدول الديمقراطية وبين المعركة من أجل وجود صحافة مستقلة أصلاً عن الدولة في الدول غير الديمقراطية، كما ان هنالك فرقا بين انتفاء نظرية الحقوق باعتبارها قاصرة وشكلية وغير قابلة للاستخدام من قبل المواطن ذي البعد الواحد في الدول الديمقراطية، وبين عدم وجود حقوق مواطن اصلاً، علينا في الصراع من أجل الديمقراطية ان نرى الفرق بين غياب سيادة القانون والمساواة أمام القانون وبين الاحتجاج القائم في الغرب على القوننة الشكلية لتوق الناس لمجتمع أفضل، كما علينا ان نلتفت الى الفرق بين هم تحول البروليتاريا من طبقة ثورية الى طبقة استهلاكية تصمم حاجاتها الثقافة السائدة ويستوعبها النظام الديمقراطي الليبرالي السائد دون أن يسمح لها بالتأثير فيه في الدولة الديمقراطية الليبرالية وبين هم توسع أحزمة الفقر حول المدن الكبرى في العالم الثالث وتحول الفلاحين ليس الى طبقة عاملة استهلاكية بل الى «غبار انساني» في أحياء فقر حول مدن العالم الثالث يتحول بالتدريج الى جيش احتياط ضد الحداثة. هنالك فرق بين مسعى تقوية الهيئات التمثيلية والبرلمانات بنقد المشهدية والديماجوجية الاعلامية المسيطرة الى حد كبير على نمط للانقلاب العسكري القادم، أو للانحلال الاجتماعي والحرب الأهلية، أو لكليهما. يتم تذليل العوائق البنيوية أمام تطور الديمقراطية ونشوئها من خلال النضال الديمقراطي أما في قضايا محددة وتفاعله مع اصلاح أجهزة الدولة وتحديثها، اذا كان بالامكان اقناع النخب الحاكمة بذلك، أو إذا اضطرت لذلك اضطرارا، كما يتم من خلال توسيع حقوق المواطن صاحب العلاقة المباشرة مع الحيز العام المنظم بالحقوق والواجبات دون العودة لمرجعية الانتماء الجهوي أو الطائفي أو غيرها من معيقات عملية بناء الأمة وتطوير العلاقة بين المواطن والمجتمع والدولة، كما تتم مكافحة معيقات الديمقراطية بالمطالب الاجتماعية الرامية الى تقليص الهوة بين الاغنياء والفقراء، وبنشر الثقافة العقلانية ومحاربة الجهل وانماط التفكير الخرافي والاسطوري، إذ لا يمكن الجمع بين النضال من أجل الديمقراطية وتملق هذه الثقافات في الوقت ذاته. ولا يمكن خوض المعركة السياسية لدمقرطة أنظمة الحكم في الوطن العربي دون نشوء قوى سياسية ديمقراطية تمثل قطاعات اجتماعية لها مصلحة بالديمقراطية ومنظمة في أحزاب تطمح في دوافعها وبرامجها لتمثيل المصلحة الوطنية عامة، ولا شك ان المعركة من أجل الديمقراطية تخاض ايضا على الساحة الثقافية والمجتمعية، ولكن لكي يكون هذا النشاط ذا فاعلية سياسية للتأثير لابد من أن يندرج ضمن برنامج سياسي ديمقراطي يهدف الى اقامة نظام حكم ديمقراطي. لقد أصبح من غير الممكن خوض الصراع القومي على وحدة الأمة العربية وعلى تحديث المجتمعات العربية وعلى قضية العدالة الاجتماعية، كما أصبح من المستحيل خوض الصراع ضد هيمنة المصالح الأمريكية الاستراتيجية والاقتصادية بشكل خاص والغربية بشكل عام دون التعبير عن ارادة الأمة من خلال الديمقراطية، والديمقراطية غير ممكنة الا في اطار الدولة وهذا يعني التعامل مع وجود الدولة القطرية كما هي قائمة، ولا يمكن تأجيل معركة الديمقراطية الى ان تحل القضية القومية العربية، ان أكبر وأصدق تعبير عن ارادة الأمة هو الديمقراطية، ولو ضمن الحدود القطرية القائمة، ووجود نظام ديمقراطي خاضع لمساءلة ومحاسبة الرأي العام العربي هو الكفيل بتحويل الحدود بين الدول العربية من حدود معادية للمواطن العربي الى نقاط اتصال بين الدول العربية. تعود معاناة المواطن العربي الأساسية في المرحلة الراهنة الى تعسف السلطة وفسادها ونهبها للمجتمع وإلى غياب سيادة القانون والمساواة أمامه والى انعدام نظام المؤسسات والى عدم وجود أنظمة تأمينات وضمانات اجتماعية ناجعة، كما تعود الى حالة الافقار الواسعة ونشوء الطبقات الطفيلية المعتاشة على انعدام الديمقراطية وسيادة القانون وعلى فساد جهاز الدولة البيروقراطي غير الخاضع للمساءلة. وفي مثل هذه الظروف لا يمكن أن يقتصر العمل القومي على ترديد البرامج والشعارات المتمسكة بوحدة الأمة، كما لا يمكن أن يقتصر على الاصرار على استمرار الصراع مع اسرائيل مختزلاً في مسألة التطبيع، وان يتجنب الخوض في القضايا التي تمس معاناة المواطن العربي، وحدة الأمة والصراع مع الصهيونية هي قضايا قومية اذا ما ارتبطت بقضايا المواطن العربي، ولا يمكن للعمل القومي العربي في هذه المرحلة التاريخية ان يكون قومياً وألا يكون ديمقراطيا، القومية المنعزلة عن قضايا المواطنة الديمقراطية في ظروف الوطن العربي الحالية هي عبارة عن حنين في أفضل الحالات، وإذا لم يكن النضال القومي سياسياً فعلاً فلن يكون له بالتأكيد مفعول سياسي. هم المواطن لقد نجح التيار القومي في الخمسينيات في تحويل تجزئة الأمة وتبعيتها وسيطرة الغرب على ثرواتها إلى هم من هموم المواطن العادي، وما زالت هذه القضايا حية في أذهان المواطنين وضمائرهم، ولكن أنظمة عربية عديدة حكمت باسم هذه القضايا ولم تكن قادرة على حلها ولا على سد حاجات المواطن العادي اليومية، لقد نجح التيار القومي في تحويل القضية القومية الى هم المواطن العادي ولكنه لم ينجح في تحويل هم المواطن الى قضية التيار القومي، وإذا لم ينجح التيار في تحويل هموم المواطن العربي الى همه هو كتيار قومي فسوف تكون القومية العربية شعاراً سياسياً مجرداً خالياً الا من المضمون الثقافي. وعند بحث اشكالية التحول الديمقراطي في الوطن العربي تبرز قضايا مثل الدين والدولة، وضرورة تعايش الديمقراطية مع التدين الشعبي، وضيق الطبقة الوسطى، وضعف المجتمع المدني وقوة الدولة الريعية التي تعيش على العائدات الأجنبية أكثر مما تعتاش من الضرائب، ودور الجيش والمؤسسات الأمنية، وعدم قبول النخب بمبدأ تداول السلطة واستعداد اوساط فيها لقبول اصلاحات ديمقراطية لا تصل درجة تداول السلطة بشكل دوري وديمقراطي، ولابد للتيار القومي الديمقراطي من التعامل مع هذه القضايا لبلورة استراتيجية عمل ديمقراطي ملائمة، ولكن عليه قبل ذلك أن يحدد موقفه المبدئي من الديمقراطية حتى لو كان تحقيقها مرة واحدة صعبا، خاصة عند أخذ القضايا المذكورة أعلاه بعين الاعتبار. أي انه من أجل تحديد استراتيجية تحول ديمقراطي، ولو تدريجية، لابد للتيار القومي أن يتأكد انه ديمقراطي وان تحقيق الديمقراطية هو هدف استراتيجي، ولابد من أجل ذلك ان تحسم بعض القضايا العالقة في الفكر القومي، وأولها مفهوم الأمة وعلاقته بالديمقراطية ومفهوم المواطنة. نقول ذلك لأن الفكر القومي ما زال يتخبط في التعامل مع مفهوم الأمة بين محاولة علمنة الفهم الديني للأمة كجماعة عقيدية وبين الأقوامية العرقية التي تعيد مفهوم الأمة الى الأصل المشترك، ولكي يصبح بالامكان استيعاب الفكر القومي للديمقراطية سيكون عليه ان يتبنى المفهوم السياسي الحديث للأمة باعتبارها رابطة قومية تسعى الى التعبير عن ذاتها في مجتمع سياسي منظم في دولة، الرابطة القومية هي جامع اللغة والثقافة والتاريخ المتخيل كتاريخ مشترك، وهي لا تعني بتاتا الأصل المشترك، كما لا يعني التاريخ المشترك المتخيل وجود رابطة قومية عابرة للتاريخ كما تراها الحركة الصهيونية مثلا عند تعاملها مع اليهود كجماعة قومية قائمة منذ فجر التاريخ. ولكن ما العمل اذا لم تتحقق الادارة السياسية في دولة ذات سيادة؟ تبقى الرابطة القومية قائمة ويبقى الطموح السياسي قائماً، ولكن يجب ان تنفصل الرابطة القومية عن المواطنة، فالمواطنة في دولة ذات سيادة هي التي تنظم العلاقة بين الفرد وهذه الدولة من منطلق المساواة أمام القانون، المواطن المتساوي الحقوق ليس عضوا في الرابطة القومية بالضرورة، ولو كانت هذه الرابطة تجمع بين غالبية مواطني الدولة وتجمعهم مع غالبية المواطنين في الأقطار المجاورة، كما في حالة الدول العربية القائمة، المواطن هو عضو في رابطة الدولة، ومساواته في الحقوق نابعة من هذه العضوية، والتزام الدولة الديمقراطية هو بالتالي أولاً وقبل كل شيء نحو مواطنيها وليس نحو ايديولوجيا قومية تشكل هدفا أعلى من مصالح المواطنين، في مثل هذه الحالة تحول الأيديولوجيا القومية الأمة الى مجرد أمة ايديولوجية، الدولة الديمقراطية هي دولة لجميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم، انها دولة المواطنين. ولكن هل المواطن الفرد هو الذات الحقوقية الوحيدة التي تعترف بها الدولة الديمقراطية؟ هذا غير صحيح، فالدولة ذاتها تحمل الهوية وهناك فرق بين عملها والخطاب الذي تنتجه، وتثبيت مبادئ ديمقراطية، دستورية تحكم تشريعاتها، وبين العمل السياسي في غياب برلمان منتخب وذي صلاحيات فعلية، كما ان هنالك فرقاً بين اعتبار القضاة والقضاء جزءاً من النخبة الحاكمة في الدولة الديمقراطية المتمسكة بشكل القانون وليس بجوهره بحيث يساوي بين بشر غير متساوين وحالات غير متساوية، وبين عدم استقلالية القضاء أصلاً، وعدم احترام قراراته من قبل السلطة التنفيذية في الدولة غير الديمقراطية، وهنالك فرق بين الفضائح المالية والفساد المالي المستشرى في الأجهزة البيروقراطية والتي تشكل مادة دسمة للاعلام وللجان التحقيق في الدولة الديمقراطية وبين عدم جواز فضح الفساد المالي في دول ديكتاتورية قائمة على الفساد والرشوة كنظام لتوزيع الثروة وكسب الولاءات من القمة الى القاعدة، هنالك فرق بين صرف نظم الاعلام السياسي عن القضايا المركزية والاهتمام بحياة السياسيين الشخصية وفضائحهم واطباعهم وبين عدم وجود اعلام حر على الاطلاق باستطاعته أن يقوم بمساءلة ومحاسبة جدية. لقد تطورت في المجتمعات ما بعد الصناعية في الغرب نظريات اجتماعية نقدية مستمدة من ضياع المعنى في المجتمع الاستهلاكي وتساوي قيمة الحقول المعرفية المختلفة في المشهد الاعلامي، وطغيان دور البنية الاجتماعية المتطورة والقادرة على الغاء دور الذات وامتصاصها فيه، وتحديد قدرة الذات على التغيير، وضياع الوكلاء الاجتماعيين في الدور الذي يؤدونه، وتحول الوظائف الاجتماعية الى أدوار لافرق بينها وبين الأدوار التي يؤديها الممثلون في المشهد الاعلامي لتطمس الحدود بين «الواقع الوهمي» و«الواقع الحقيقي». لاشك ان نقد الديمقراطية ونقد السياسة في المجتمعات الغربية المتطورة لا يلغي الفرق بين وجود أو عدم وجود ديمقراطية ليبرالية، كما لا يلغي الفرق بين وجود أو غياب أنظمة قانونية تناقش وتقر في سلطة تشريعية ويتم تنفيذها بشكل متساو بواسطة قضاء مستقل، قد يساعد هذا النقد القوي الديمقراطية في العالم الرأسمالي المتطور في البحث عن وسائل جديدة للتأثير المباشر على العملية السياسية وعلى عملية صنع القرار، وقد باتت هذه الوسائل تتجاوز موضوع التنظيم الحزبي أو القوائم الانتخابية، ولكن القوى الديمقراطية لا تستطيع التخلي عن هذه الأدوات. ونحن في المجتمعات العربية وفي مجتمعات العالم الثالث بشكل عام نقف أمام تحدي بناء الديمقراطية السياسية والاجتماعية والذي يتطلب بناء المؤسسات ودولة القانون والمجتمع الحديث القادر على تكييف ذاته معها، وهذا التحدي ليس نظرياً ولا ثقافياً في أساسه بل هو تحد سياسي في مواجهة أنظمة ومؤسسات وتقاليد في الحكم وادارة المجتمع، لايمكن تجنب رؤية ان المعركة من أجل الديمقراطية معركة سياسية، لأن قضية الديمقراطية هي أولاً وقبل كل شيء قضية نظام الحكم السائد في الدولة، ولا تنفصل مسألة الديمقراطية عن مسألة الدولة وعن مسألة نظام الحكم في الدولة، ولا يمكن تحويلها الى قضية اجتماعية محضة أو إلى قضية الثقافة السائدة في بلد من البلدان دون هروب من جبهة المواجهة الأساسية ألا وهي الجبهة السياسية. وعند تناول مسألة الديمقراطية في البلدان غير الديمقراطية لابد من التمييز بين نظرية الديمقراطية وبين نظرية نشوء الديمقراطية، اذ قد يغري بعض المثقفين، خاصة أولئك الذين انتقلوا من العقائد الخلاصية المعادية للديمقراطية الى تبني الديمقراطية الليبرالية كأنها نظرية خلاصية هي الأخرى، لترديد أسس الديمقراطية كأنها عملية تبشير بأوتوبيا خلاصية مرة أخرى، والحقيقة اننا بذلك لا نساهم مساهمة فعالة في نشوء الديمقراطية. د. عزمي بشارة: