هل أصيبت السلطات الإسرائيلية بالحول؟ اذا كانت تدعي ان ضرباتها الشديدة ضد الأهداف الفلسطينية تأتي رداً على المبادرات الفلسطينية ضد إسرائيل، فلماذا لا توجه تلك الضربات إلى الجهات المقصودة، أو الجهات التي أحدثت ألماً لإسرائيل؟ فقبل اسبوعين تقريباً، قتل أربعة جنود إسرائيليين على ايدي مناضلين من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ولكن إسرائيل تضرب الزعيم أبو علي مصطفى، أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. فهل هذا حول سياسي، ام ان ادعاءات الناطق باسم الحكومة الإسرائيلية بأن قتل الأمين العام كان رداً على ثمانية تفجيرات خطط لها ودبرها المرحوم ابو علي مصطفى؟ وهل هذا يعني ان انتقام السلطات الإسرائيلية يأتي متأخراً، وان ضربة قوية يجري التخطيط لها ضد عناصر الجبهة الديمقراطية. في الواقع ان ضرب الأمين العام «أبو علي مصطفى»، أكثر من غاية إسرائيلية. الأولى هي اشعال نار المقاومة على كل الجبهات الفلسطينية، وبخاصة تلك التي رفضت اتفاقات السلام التي وقعت مع إسرائيل من كل الجهات العربية التي فعلت ذلك. فقد بات واضحاً، ان المنظمات الإسلامية التي استفردت بالعمليات الاستشهادية كادت تكسب كل السمعة الحسنة في الوطن العربي. ولكن تحريك جبهتين يساريتين ضد إسرائيل، وتفعيل قواهما ضدها سوف يلزم القيادة الفلسطينية ان تتآلف وتتفاهم بشكل اقوى مع كل التوجهات والجبهات على الساحة الفلسطينية. ولربما تأمل إسرائيل ان يؤدي ذلك إلى سحب الفتيل الديني، الذي كاد يصبغ بشكل كامل لون الانتفاضة والمقاومة. وبفعل ذلك، فإن «شارون» يأمل ان تقوم المنظمات اليسارية بالقيام بأعمال ضد أهداف إسرائيلية، أو أمريكية، خارج فلسطين كلها، من البحر إلى النهر. وهكذا، تؤكد، بواسطة اعلامها وحملتها التشويهية ضد الفلسطينيين، ان ما يجرى من مقاومة على ارض فلسطين ليس الا عملاً ارهابياً حسب زعمها، وليس حرب تحرير ضد محتل ظالم. وهنالك هدف آخر، وهو صعب التحقيق وينطوي على السعي لتقسيم جهات النضال الفلسطيني إلى ثلاثة أقسام: الأول هو ديني اسلامي، والثاني يساري عربي، والثالث هو العمل الرسمي المتمثل في منظمة فتح، وقوات الأمن الفلسطينية، ولكن إسرائيل تحمل الرئاسة الفلسطينية والسلطة تبعات كل ما يجري ضدها. وهي بذلك تسعى إلى اضعاف قبضة السلطة على مجريات الأمور، ومن ثم اتهامها بأنها شريك أمني غير موثوق. وهذا التهديم المستمر في مصداقية الرئيس الفلسطيني، والسلطة التي يرأسها، صار هدفاً إسرائيلياً واضحاً. ومقتل «أبو علي مصطفى»، فيه اشارة بعيدة إلى احتمال الاعتداء على القياديين السياسيين في السلطة الوطنية الفلسطينية. والواقع ان المغامرة الإسرائيلية نحو اضعاف القيادة ، وخلق التشتت والمنافسة الضارة داخل التجمعات الفلسطينية المختلفة يجب ان يتم التصدي له بالتماسك الفلسطيني بين مختلف الفئات من ناحية، وبين القيادة والناس بشتى مؤسساتهم وتجمعاتهم من ناحية اخرى. أما الهدف الثالث لشارون، فهو التصعيد في استخدام الأسلحة والأهداف والوسائل، وفق خطة يتم فرضها كأمر واقع بحكم ردود الفعل الفلسطينية، والتي توضع على أساس انها أفعال ترد إسرائيل عليها. وبالتصعيد، تتمكن الحكومة الإسرائيلية ان تستخدم تفوقها العسكري المقيد بفعل الانتفاضة. وهو أمر لاشك يزعج العسكريين الذين يرون فداحة الخسارة التي تتكبدها إسرائيل، ويعتقدون ان لديهم الوسائل العسكرية والسلاحية للخروج من هذا المأزق. شارون رجل خطير على نفسه، وعلى الكيان الذي انتخبه، وعلى الفلسطينيين، وعلى الجوار. ولكن احتمالات الانفراج غير واردة حتى نهاية العام المقبل «2002». وفي أثناء ذلك، ربما يكون الزمان غير الزمان، والرجال غير الرجال. ولربما تسفر انتخابات الأحزاب الإسرائيلية، والانتخابات العامة عن قيادات أقل جنونا من شارون، وأكثر روية واستقراراً من باراك، ولكن على الفلسطينيين ان يصبروا، ويصمدوا.. اقول هذا واستغفر الله لي وللأمة العربية التي رضيت من النضال بالمراقبة. لم يكن مؤتمر وزراء الخارجية العرب شيئاً يذكر ولا كانت قراراته بذات بال، ولن تكون جولات وزراء الإعلام الا تكلفة، ولن تحدث عند جمهور العرب والمسلمين الا مزيداً من التجاهل. ولا ادري ماذا اقول للصديق عمرو موسى، وكان الله في عونه. ان الحقيقة الوحيدة التي يجري التعامل معها من كل فئات العالم القوية، ومحطاته الإعلامية، ليس الا دفاع المناضلين في زمن العولمة، الذي لا يفوته عمل ذو خطر. فكيف يكون طفل أو شاب فلسطيني في ساعة تفضل العمر اكثر وقعاً وأثراً اجتماع كذا وعشرين وزير خارجية؟ ان الأيام تحمل في طياتها أحلاماً ومفاجآت. ومن يعش ير العجب.