أقسى ما في سوريا الشابة ان فيها من يعيد اعتقال رياض الترك او يحتجزه في الوقت نفسه الذي تشرع فيه باغلاق سجن تدمر السيء الصيت ـ الذي يكرهه حتى مديره وسجانوه ـ وتعد العدة لاطلاق سراح من تبقى من المعتقلين السياسيين، بعد ان اشهرت اغلاق سجن المزة الذي امر به الرئيس الراحل حافظ الأسد قبيل شهور من لقائه الحق، وقدّمت في ذلك كله تعبيراً رمزياً دالاً عن الشروع العملي بنهاية ذلك الوقت المؤسف الذي يودع المعارضين السجون! هل كانت اعادة اعتقال الترك أو احتجازه ضرورة لاستقرار النظام القوي المستقر دون أي شك، أم اجراء اضطرارياً لتأكيد هيبته التي لا ينقصها التعزيز، ام نزوة لـ «تأديبه» في وقت تجمع فيه سوريا على تخطي لغة القمع والتأديب باتجاه التدرب الصعب لكن الممكن والضروري وطنياً على التعايش ما بين الرأي والرأي الاخر؟ وما الذي سيضيفه هذا الاعتقال او هذا الاحتجاز لمن امضى سبعة عشر عاماً في المعتقل دون محاكمة سوى زيادة التوتر والاحتقان الذي تحتاج سوريا برمتها للتحرر من ميراثه المر في محنة الثمانينيات والتوافق على الخروج نهائياً منه؟ ليس لدى الترك لا دبابات ولا تنظيمات «خطيرة» متشعبة في الجيش والنقابات والطلاب، ولاعلاقات اقليمية تهدد الأمن القومي للبلد، لكن لديه مجرد رأيه الذي مهما كانت لغته حادة ومستفزة في بعض اللحظات، فإنه يبقى رأياً يروم الصالح العام بدمقرطة العلاقة بين السلطة والمجتمع وعصرنتها وفق مباديء دولة الحق والقانون، في بلد نادر مثل أمنا سوريا شكل تاريخياً ملجأً للمضطهدين بسبب آرائهم ومعتقداتهم «الحادة»، وليس لأي سبب آخر. ومن المؤسف ان يضيق البلد الذي قام اجتماعه التاريخي على التسامح مع آراء اخرى تبدو لوهلة اولى متناقضة تناقضاً لا يقبل التعايش مع هذا المبدأ، الذي ليس سوى المبدأ الذي كرسه خطاب القسم تحت عنوان الرأي والرأي الآخر كعنوان مرجعي أساسي للانتقال من التسلطية إلى الديمقراطية. فهل ذنب السوريين الذين هم مستعدون لحمل كل خطوة اصلاحية تصب في الصالح العام انهم وثقوا بهذا المبدأ؟ لقد انجزت سوريا في العام الأول من ولاية الرئيس الشاب ما يمكن تسميته بانفراج حقيقي كمناخ وليس كمؤسسات، كان هو المناخ الذي اتاح للترك نفسه ان يلقي لأول مرة محاضرة علنية حاشدة منذ اعتقاله الأول في زمن الوحدة قبل خمسين عاماً ونيف على الاقل، لايمكن القاء مثلها علنياً لا في تونس ولا في القاهرة ولا في عمان.. بينما كانت هناك آراء متشائمة كثيرة بامكانية حدوث المحاضرة، ولم يكن ذلك مكسباً للترك أو لحزبه بقدر ما كان مكسباً لسوريا كلها التي وعد خطاب الاصلاح بوضعها في اطار يحترم الرأي والرأي الآخر. كما ان هذا المناخ الثمين في بلد تميزت فيه الثقافة السياسية لنخبة على مدى نصف قرن بالانقلابية الراديكالية، وبانعدام الثقة فيما بينها، هو الذي اتاح للحزب الذي يقوده رياض الترك ان يعقد اول مؤتمر تداولي منتخب له منذ آخر مؤتمر تداولي له في عام 1979، دون ادنى مضايقة امنية، وهو نفسه المناخ الذي شجع اتجاهاً واسعاً في الحزب للتفكير سياسياً بشكل جديد على أساس التوافقات وليس الراديكاليات، والضغط للخروج إلى العلنية، وطرح مراجعة جذرية لتجربة الحزب تبين اين اخطأ وأصاب، في مرحلة ماضية تبادل فيها الجميع الخطأ والصواب، وكان لكل منهم حصة فيهما. ولم يكن هذا المناخ منحة غير انه لم يكن ممكناً أبداً بمعزل عن شيوع ثقافة الاصلاح التي باتت مهيمنة، وان لم تتشكل آلياتها المؤسسية بعد، من دون ان ينفي ذلك احتمالات الانتكاس التي تتغذى فيما بينها بشكل متبادل القوى النافذة المترددة في الاصلاح او حتى المعيقة أو المتضررة منه في السلطة، من بعض التطرفات او ما يتم تأويله كذلك في بعض أوساط الرأي المعارض، والتي هي طبيعية أو حتى اعتياديه في المراحل الانتقالية الحساسة. ولعل اعادة احتجاز رياض الترك ـ التي نأمل ان تكون عابرة والمهم الا تتكرر مع اي من أصحاب الرأي المعارض ـ تدعو للتشاؤم في هذا السياق. ان انتقاد رياض الترك شيء وتبرير اعادة اعتقاله أو احتجازه شيء آخر، اذ ربما تكون بعض الانتقادات الداخلية والكثيرة في حزبه لآرائه المكتوبة والمرتجلة في محاضرة أو صورة فضائية متلفزة اقسى بكثير من انتقادات السلطة لها، وهذا طبيعي في حزب تعود منذ تشكلاته الأولى على التعايش في اطار الاختلاف. فلقد كانت للترك قبل اعتقاله الأول في نهاية الثمانينيات واعتقاله الثاني الراهن آراء راديكالية تصعيدية لم يوافق عليها حزبه، مما اضطره نفسه ابان انتقال السطة في سوريا، إلى إعلام قيادة التجمع الوطني الديمقراطي المعارض بأن هذه الآراء والكتابات تعبر عن رأيه الشخصي وليس عن رأي الحزب. وهذا ليس سراً إلا لمن يستثيره نقد القادة من مرضى عبادة السرية التي بدأت اضطراراً ثم تحولت إلى عادة ثم لدى البعض إلى عبادة، نقول ذلك لان القيادة الميدانية التي امنت استمرار الحزب في شكل ركائز ابان المحنة بينما تعرضت احزاب مماثلة واجهت أقل من محنته إلى الانقراض هي التي تضغط اليوم باتجاه العلنية بعد ان اختبرت بشكل ملموس مزايا العمل نصف العلني. وخلافاً لما كانت توحي به احياناً لغة الترك من تعابير استفزازية لم تكن في تقديرنا ضرورية لا سياسياً ولا لغوياً، فإن هذا المكافح في المؤتمر التداولي الاخير لحزبه لم يطرح تغيير الدستور كأولوية بل طرح الافراج عمن تبقى من المعتقلين السياسيين «وهو الأمر الذي توجد مؤشرات عملية عديدة على قرب حصوله» والغاء حالة الاحكام العرفية «وقد تم قطع شوط كبير في تجميدها وجعلها غير ملموسة»، وهما مبدآن أساسيان لا يمكن التفكير بأي اصلاح دون انجازهما. ومن المؤسف ان الترك قد احتجز او اعيد اعتقاله دون تبيان الأسباب وبطريقة تستخدم حالة الطواريء ضد أصحاب الرأي المعارض، فالقضاء السوري وضمان محاكمة عادلة وشفافة، وليس الأجهزة يستطيعان ان يعالجا ذلك بشكل منصف ان كان ثمة ما يدعو اليه، الوقت لم يتأخر رغم اننا قد خسرنا جزءاً مهماً منه كما ان الزمن لم يفت بعد للمضي الواثق ببناء دولة الحق والقانون، بشكل تكون فيه سوريا في هذا الظرف الوطني الصعب المليء بالفرص والمخاطر، لكل ابنائها كما يكون كل ابنائها لها. ولذلك فإنها تحتاج لرياض الترك طليقاً وحراً.