كثيرا ما يتردد القول بأن زيارة الإرهابي إرييل شارون للحرم القدسي الشريف في 28 سبتمبر من العام الماضي كانت هي السبب المباشر في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، إلا أن نظرة منصفة للأوضاع في المنطقة تؤكد بوضوح أن الوضع لم يكن ليستقيم لو لم تندلع هذه الانتفاضة، فالوضع كما يعرف الجميع كان متفجرا بالفعل، ولم تكن زيارة الإرهابي للحرم سوى الشرارة التي أشعلت فتيلا كان جاهزا للاشتعال. فبعد عشر سنوات من المفاوضات والمماطلات بداية من مؤتمر مدريد 1991 واتفاق اوسلو 1993 الذين كان لهما أثرهما في كبح انتفاضة 1987 والإحباط الذي نجم عن تمزق الصف العربي بعد الغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثانية مما دفع قوى كانت تتمسك بمقولة الكفاح المسلح حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني «من النهر إلى البحر» إلى محاولة اللحاق بالركب البراجماتي وقبول منهج التسوية السياسية، عملا بسياسة الخطوة خطوة؛ بداية من غزة وأريحا أولا إلى التلويح بحلم إقامة الدولة، التي طال انتظارها، على أي بقعة من الوطن. ومع زيادة الإحباطات الناجمة عن تمنع الكيان الصهيوني وتعامله بصلف مع جميع المقترحات التنازلية التي تطوع بها الجانب العربي بداية من المبادرة التي قدمتها القيادة الفلسطينية في 1988 بقبول مبدأ قيام دولتين والتنازل عن مقولة «كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر»، وهو المبدأ الذي رفضته إسرائيل ثم إصرارها على عدم مناقشة قضية الاستيطان الأمر الذي كان ضمن أسباب فشل مؤتمر مدريد رغم مفاوضات استمرت عشرين شهرا، ثم اتفاق أوسلو الذي شهد على حد قول الدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني لمؤتمر مدريد «اعترافات غير متوازنة بواقع أن الجانب الفلسطيني اعترف بإسرائيل دولة مستقلة وذات سيادة على الأرض الفلسطينية بينما اعترف الجانب الإسرائيلي بمنظمة التحرير الفلسطينية قيادة شرعية للشعب الفلسطيني فقط دون ذكر لحقوقه الأساسية، مثل حق تقرير المصير وقيام دولة مستقلة وحقوق اللاجئين «فضلا عن أن اتفاقات أوسلو أيضا لم تتصد لمسألة الاستيطان، كما لم تتخذ القيادة الفلسطينية موقفا حازما من حق اللاجئين (منذ حرب 1967 وليس منذ 1948) في العودة الفورية. المستفيد الرئيسي وبمرور السنوات اكتشف الفلسطينيون في الأراضي المحتلة ـ حتى هؤلاء الذين استبشروا بقيام مناطق الحكم الذاتي تحت سيطرة السلطة الفلسطينية باعتبارها أول الغيث أو في أسوأ الأحوال شيء خير من لاشيء ـ أن ما حصلوا عليه لا يساوي كم التنازلات التي بذلت، وأن المستفيد الأساسي من هذه الاتفاقات هو الكيان الصهيوني الذي واصل سياسة بناء المستوطنات وإحكام السيطرة عليها وحصر الفلسطينيين وسلطتهم في مناطق متناثرة تشبه «البنتاستونات» المنعزلة التي حصر فيها الحكم العنصري في جنوب أفريقيا أهل البلاد الأصليين لتسهل السيطرة عليهم والحيلولة دون توحدهم في تجمعات كبيرة. ولعله مما زاد الطين بلة انهماك التيارات الفلسطينية المختلفة في صراعات داخلية بين مؤيدي التسوية السلمية من منظمة التحرير الفلسطينية و الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية اللتين لم تجدا بدا من الانضمام إلى المسيرة البراجماتية مع محاولة تصحيح الأوضاع من الداخل «من داخل الأراضي ومن داخل منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية نفسها» عملا بالشعار الذي رفعه الشهيد أبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية عند رجوعه في 1999 إلى الأرض المحتلة «لقد جئنا لنقاوم» وبين المعارضين تماما لأي حل سلمي أو تفاوضي ويتصدرهم التيار الإسلامي وبالتحديد منظمتي حماس وحركة الجهاد الإسلامي. ومنذ دخول السلطة الفلسطينية أراضي الحكم الذاتي بعد أوسلو بدأت التناقضات الناجمة عن تحول المنظمة الثورية إلى سلطة مقيدة باتفاقات دولية تأتي في مقدمته اتفاقات أمنية مع الكيان الصهيوني تظهر على السطح مع ملاحقة السلطة لمعارضي التسوية السلمية من التيار الاسلامي، بل وطالت الملاحقات عناصر من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب، وتقول مذكرة لحركة المقاومة الاسلامية «حماس» طالعناها على موقع المركز الفلسطيني للاعلام التابع للحركة على موقع الانترنت «منذ إقامتها بموجب اتفاقات أوسلو تواصل سلطة الحكم الذاتي إجراءاتها ضد المجتمع المدني الفلسطيني» وأوردت المذكرة حوادث اعتقال وتعذيب واغتيالات واقتحام جامعات قامت بها قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ضد معارضيها. واقع يزداد سوءاً وبعد مرور سبع سنوات على أوسلو وحلول موعد الرابع من مايو 1999 الذي كان مقررا أن يتم فيه الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية، وما نعلمه جميعا من ضغوط دولية وعربية مورست للحيلولة دون الإعلان عن قيام الدولة، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع يزداد سوادا يوما اثر الآخر، فقد استغل الكيان الصهيوني الهدنة التي منحته اياها الاتفاقات للتوسع في بناء المستوطنات وتسريع خطى تهويد القدس ومصادرة الأراضي الفلسطينية لبناء وحدات سكنية ليهود وطرد الفلسطينيين من مساكنهم، وفرض الضغوط الاقتصادية القاسية المعروفة عليهم من إغلاق متكرر للحواجز في وجه العمال الفلسطينيين الذاهبين إلى أعمالهم إلى عرقلة تصدير المحاصيل الزراعية وتدمير البنى الاساسية؛ في الوقت الذي تتصارع فيه القيادات السياسية بين فصائل منظمة التحرير وبينها وبين معارضيها وتطال اتهامات بالفساد رؤوس كبيرة داخل السلطة. ومن ثم كان الوضع مهيأ داخل الأراضي لانتفاضة شعبية يشعلها غضب شعبي تلقائي انكشف أمامه زيف التسوية مع استمرار العدو في ممارساته الجائرة وغرق قياداته بين ورطة التسوية التي وضعوا أنفسهم في مأزقها دون أن يمتلكوا حرية الفعل والحركة التي تتيح لهم استخدام أوراق ضغط؛ فظلوا دائما هم المعرضين للضغط والمضطرين إلى تقديم التنازل تلو الاخر، وبين ورطة الصراع على السلطة بعدما تخلى ثوار الأمس عن تشددهم الثوري وارتدوا مسوح العقلانية والرزانة اللائقة بالحكام. غضب عفوي ومن هنا جاء رد الفعل الشعبي التلقائي عندما تمادى العدو ـ ممثلا في زعيم المعارضة آنذاك ـ في غيه ليمس الحرم المقدس، فانفجر الغضب الشعبي دون تنظيم ودون خطة في أول الأمر، مجرد أطفال وشباب وشيوخ ليس لديهم سوى الحجر يودعونه ما أضمرته نفوسهم من سخط ويلقونه في وجه الأعداء غير مبالين بما يوجهه نحوهم هؤلاء الأعداء من رصاص حي وقنابل مسيلة للدموع، وما ينتظرهم من مصير مظلم في حجرات التعذيب إذا صادتهم أيدي الزبانية لتودعهم المعتقلات. جموع بات لديها يقين أنها ليس لديها ما تخسره سوى أغلالها فانطلقت دون تخطيط ودون سلاح. وبمرور الأيام أفرزت الهبة قياداتها الفطرية ثم التحمت بها الفصائل السياسية المقاومة تباعا، لتأخذ الانتفاضة طابعا أكثر تنظيما وتتطور أساليب المقاومة من الحجر والنبيضة والمولوتوف والإطارات المشتعلة، إلى الكلاشينكوف ومدافع الهاون التي ظهرت في أول الأمر على استحياء على أيدي ناشطين من قوات عز الدين القسام «الجناح العسكري لحماس» أو حركة الجهاد الإسلامي أو الجناح العسكري للجبهة الشعبية. وكنا نلحظ التمايز بين هذه الفصائل أثناء تشييع جنازات الشهداء فترى أغلبية المشيعين ترفع الأعلام الخضراء المزينة بالشهادتين بينما يربط الشباب عصابات على رؤوسهم تحمل اسم كتائب عز الدين القسام، أو ترى شباب الجهاد وقد ارتدوا ثيابا بيض ترمز للأكفان تغمرهم من أعلى الرأس إلى القدم مع فتحتين عند العينين وثالثة عند الفم وهم متشحين بأحزمة ترمز لأحزمة التفجير، أو ترفع الأعلام الحمراء ذات السهم المنطلق إلى خريطة فلسطين لتحريرها بأيدي شباب الجبهة الشعبية عند تشييع شهيد ينتمي إليها. وتميزت الانتفاضة الحالية أيضا بانضمام نشطاء من منظمة فتح أو من اصطلح على تسميتهم بفتح «الداخل» ولمع بينهم مروان البرغوثي مسئول الحركة بالأراضي المحتلة ، بل وأدى تطور الأحداث إلى مشاركة قوات من الشرطة الفلسطينية في التصدي للاعتداءات الإسرائيلية المسلحة التي باتت تهدد باعادة احتلال أراضي الحكم الذاتي. عرب 48 ولعل من أبرز ما أسفرت عنه الانتفاضة الحالية، ظهور دور عرب فلسطين 1948، الذين أصروا على البقاء ببلادهم منذ عام النكبة وقضت عليهم ظروف الاحتلال الذي حظي بالاعتراف الدولي حمل الهوية الإسرائيلية، والعيش صوريا كمواطنين في دولة الكيان الصهيوني، رغم ما يعانونه فعليا من ظلم وعسف نعرفهما جميعا من حيث المعاملة باعتبارهم فئة أدنى تأتي في المرتبة الثالثة بعد اليهود الاشكيناز ثم السفارديم. ورغم حملهم لهوية الدولة العبرية إلا أنهم ينظر إليهم باعتبارهم أقلية غير مرغوب في وجودها يتطلع الكيان إلى أن تشملها سياسة «الترانسفير» او الترحيل ضمن ترتيبات قيام إسرائيل الكبرى، وترشحهم أحلام مسئولين صهاينة للترحيل إلى العراق بالذات. فمع بداية الانتفاضة شرع أهالي فلسطين 1948 في تنظيم تظاهرات للاحتجاج ضد ما يلقاه اخوتهم في الأراضي المحتلة من قمع وإرهاب، غير أن مسئولي الدولة التي تزعم أنها واحة الديمقراطية واجهوا هذه المظاهرات بشراسة كان أول ضحاياها سقوط 13 شهيدا في مظاهرة واحدة في أوائل أيام الانتفاضة، ورغم أن باراك رئيس وزراء الكيان آنذاك، قدم اعتذاره لمن يسمونهم بعرب إسرائيل واعدا بالتحقيق في الحادث، إلا أن تطورات الأحداث أثبتت أن أغلب هؤلاء العرب مازالوا يتمسكون بانتمائهم العربي واتهم الكثيرون منهم بمساعدة القائمين بالعمليات الفدائية داخل الكيان بل أن بعضهم قام بالفعل ببعض هذه العمليات. ولعل المؤتمر الذي عقد في لبنان مؤخرا ودعي إليه كبار ممثلي الدروز وعلى رأسهم الزعيم اللبناني القومي وليد جنبلاط للدعوة إلى امتناع الدروز من عرب 48 عن التجنيد في الجيش الإسرائيلي مثالا جديدا على اعتزاز هؤلاء الدروز بانتمائهم العربي رغم خضوعهم للاحتلال الذي شاء حظهم أن يحملوا هويته. صحيح أن بينهم من باع انتماءه العربي أملا في تسلق منصب ما أو فتات ما يرميه له الصهاينة من أمثال صالح طريف الذي كافأه الصهاينة على ولائه لأسياده في حزب العمل بمنصب وزاري دون وزارة حقيقية، غير أن الشواهد تؤكد أن عرب 1948 مازالوا على ولائهم للأرض التي ستظل عربية رغم الاحتلال ورغم القوانين الدولية الجائرة التي فرضت عليهم حمل بطاقات هوية شيطانية مآلها إلى زوال. وربما كان أروع ما أفرزته الانتفاضة الحالية ، ذلك التسابق النبيل على نيل الشهادة عبر عمليات استشهادية عظيمة زلزلت أرجاء الكيان الصهيوني وحرمت الصهاينة النوم، وزادت من معدلات الهجرة إلى الخارج، وأجبرت العديد من المستوطنين إلى الفرار من مستوطناتهم كما زادت من حالات رفض الانضمام إلى صفوف الجيش الإسرائيلي، وجعات المستوطنين في فزع من أمرهم يخشون السير في الطرق أو ارتياد المطاعم والمتنزهات فقد باتوا لا يعرفون من أين تأتيهم الضربة القادمة، لأنهم يجدون أمامهم نماذج بشرية معجزة لا يمكنهم فهم سر إقدامها غير هيابة على الموت ومن ثم فلا يجدي معها أي وعيد أو ترهيب، فبماذا يستطيعون أن يرهبوا شخصا لا يرهبه الموت؟ ومن ثم فقد راح بعضهم في هذيانه يهدد بتلويث جسد منفذي العمليات الاستشهادية أو تدنيسها غير مدركين أن هؤلاء الشهداء يؤمنون تماما بأن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها. آثار مضنية إلا أن هذه الوجه المضيء للانتفاضة لا ينبغي أن ينسينا ما خلفته الأحداث، التي وصفها مسئولون في الكيان الصهيوني أحيانا بأنها حرب شاملة ووصفها آخرون بأنها حرب استنزاف، من آثار مضنية على الشعب الفلسطيني الأعزل الذي خاض حرب تحرير شعبية حقيقية دون سند أو مساعدة إلا من سواعد أبنائه. ولاشك أن الجميع يعلم ما تؤكده وكالات الأنباء كل يوم من أن ارتفاع عدد الشهداء الفلسطينيين خلال الشهور الاحد عشر الفائتة إلى أكثر من 600 شهيد فضلا عن آلاف المصابين ومعظمهم أصيب بعاهات تعجزه عن الحركة. كما يعلم الجميع أن عشرات الالاف من الفلسطينين باتوا بلا مورد رزق تقريبا بعد توقف عائليهم عن العمل بسبب الحصار الاقتصادي الذي تفرضه إسرائيل على العمال وسياسة التجويع وهدم البنى الأساسية. وأظهر تقرير نشره مركز المعلومات الوطني الفلسطيني عن نتائج مسح ميداني نفذه الجهاز المركزي للإحصاء وأعلنت نتائجه في التاسع من يوليو الماضي أن هناك تراجعا خطيرا في الوضع الصحي والتربوي والاجتماعي في الأراضي المحتلة منذ بداية الانتفاضة، وذلك بسبب الحصار والإجراءات الإسرائيلية التي تحول دون حصول الفلسطينيين على الخدمات الصحية 23% «من الأسر التي شملتها عينة المسح» بينما قال 18% ان السبب يعود إلى عدم تمكن الكادر الطبي من الوصول الى المراكز الصحية أو بسبب نقص أدوات ومعدات العلاج بينما قال 38% من أفراد العينة أن السبب يرجع إلى عدم توفر العلاج وعدم القدرة على دفع تكاليفه في ظل الحصار. وأظهر التقرير المصابين أن 45% من أفراد العينة كانوا من الإناث ويمثل الأطفال نسبة مماثلة من الاصابات نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية. وعلى الصعيد التربوي أفاد التقرير أن 126 الفاً و495 طالبا وطالبة من أفراد العينة العشوائية الطبقية الممثلة للمجتمع الفلسطيني البالغ عددها 3393 أسرة تعرضت مدارسهم لاعتداءات إسرائيلية سواء بالقصف أو المداهمة أو بتحويلها من قبل قوات الاحتلال إلى ثكنة عسكرية أو بإطلاق قنابل غاز. كما أظهرت نتائج التقرير أن حوالي 56 الف فلسطيني غيروا أماكن إقامتهم بسبب الحصار والاعتداءات الإسرائيلية. فضلا عما أظهره التقرير من أن حوالي 596 الف طفل من اسر العينة ظهرت عليهم نوبات البكاء خلال الشهور العشرة السابقة على التقرير وظهر على 788 الف طفل علامات الخوف من الوحدة وحوالي 839 الفاً ظهرت عليهم حالات الخوف من الظلام بينما عانى 172 الف طفل من حالات التبول اللا إرادي. ولا شك أن استمرار الانتفاضة بصورتها الشعبية إلى ما لانهاية أمر غير ممكن خاصة مع التفاوت الواضح بين القدرات المادية والعسكرية للجانبين، كما أن استمرار الهبات العفوية أمر غير سليم مع وجود فصائل وطنية فلسطينية تملك على اختلاف توجهاتها رصيدا من الخبرات التنظيمية والعسكرية، تمكنها من قيادة حرب تحرير شعبية طويلة الأجل والنفس، وربما تختلف في فعالياتها عن كل ما قرأنا أو سمعنا عنه من حروب تحرير شعبية، فليس هناك ساذج يتوقع انتصار الشعب الفلسطيني بين عشية وضحاها وبسط سيادته كاملة على دولته وعاصمتها القدس الأمر إذا يحتاج إلى نضال متواصل مازال أمامه سنوات طوال حتى يحقق أهدافه. أمراض عربية ولعل من أبرز نقاط الضعف الذاتية داخل حركة النضال الفلسطيني امتداد الأمراض العربية المألوفة من الانشقاق والتحزب والأنانية إلى صفوف الفصائل التي تخوض جميعها معركة واحدة تتطلب ضم الصفوف وتوحيد الجهود حتى يتحقق الهدف الأسمى بتحرير الأرض وبسط السيادة ثم يلتفت الجميع بعد ذلك إلى الصراع حول التوجهات الأيديولوجية أو الفكرية أو الدينية المختلفة، ورغم أن مطبوعات كافة الفصائل الفلسطينية يمينها ويسارها تؤكد جميعها على تمتين الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة إلا أن هناك العديد من الشواهد التي تؤكد للأسف عدم صدق هذه المقولات على المستوى التطبيقي الميداني. وفي مثال بسيط على ذلك ما لفت نظري عند قراءة بيان صادر عن حركة الجهاد الإسلامي بشأن العملية العسكرية التي قام بها مناضلان من الجبهة الديمقراطية وقتل فيها ضابط وجنديان اسرائيليون وأصيب سبعة، حيث أشار بيان الجهاد إلى أن العملية قام بها «اثنان من المجاهدين الفلسطينيين» هكذا دون إشارة إلى انتمائهما التنظيمي، وإطلاق وصف «مجاهدين» على بطلي العملية على نحو يوحي بأنهما من حركة الجهاد. ولما كانت فصائل التيار الإسلامي تتمتع بقدرات مالية واعلامية أوسع لأسباب عديدة ليس أقلها عمق الاحساس الديني لدى جميع الشعوب العربية والإسلامية والتي يكاد بعضها يحصر المشكلة الفلسطينية في منظور ديني يثير النخوة لانقاذ أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن ثم يكون شحذ التعاطف والرغبة في المساعدة والتمويل أيسر من تلك التيارات التي ترفع شعارات قومية أو علمانية وتضم بين رموزها عناصر غير إسلامية، ومن ثم فقد حظيت الحركتان الإسلاميتان حماس والجهاد بالذات ـ رغم تسليمنا بأنهما الأقوى تنظيما والأكثر تأثيرا كما هو واضح حتى الآن ـ بأغلب التغطية الإعلامية على نحو يكاد يصورهما وحدهما في ميدان المعركة، الأمر الذي يثير بالطبع مشاعر سلبية لدى تيارات أخرى تشعر أنها تجود بما لديها هي الأخرى ولكنها لا تحظى بنفس التغطية الإعلامية التي تحظى بها عمليات العناصر الإسلامية أو العمليات التي تقوم بها عناصر من فتح باعتبارها الفصيل الرئيسي داخل منظمة التحرير الفلسطينية والتابع للقيادة. قبضة موحدة ولا شك أن الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني والتي تفاقمت منذ بداية الانتفاضة الحالية وسط ضعف المساعدات الخارجية تدعو إلى ضرورة نبذ الخلافات الحلقية جانبا في هذه اللحظة التاريخية وضم كافة القبضات في قبضة موحدة توجه نحو العدو لإنزال ضربات موجعة به مع صون مكتسبات الانتفاضة وتوفير أفضل السبل الممكنة لمساعدة الشعب الفلسطيني على الصمود وربما لن يتأتى ذلك إلا عبر عدد من الوسائل نلخصها فيما يلي: أولا، الإسراع بتشكيل قيادة وطنية موحدة من مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية مع الاتفاق على برنامج الحد الأدنى من الرؤى المتفق عليها بينها ونبذ عناصر الاختلاف أو تأجيلها لما بعد التحرير حيث سيكون هناك متسع من الوقت لممارسة ترف الاختلاف الفكري. وثانيا؛ الاتفاق على أهداف مرحلية محددة للانتفاضة يمكن إنجازها على التوالي على نحو يساهم في رفع الروح المعنوية لدى الشعب الفلسطيني ويدفعه لتحمل مشاق حرب التحرير طويلة الأجل. وثالثا؛ رفض كافة أشكال الضغوط سواء الدولية أو الأقليمية الرامية إلى إطفاء شعلة الانتفاضة قبل بلوغ أهدافها. رابعا؛ وضع خطة فورية لدفع الدول العربية الشقيقة والدول الإسلامية بل وما يمكن كسبه من دوائر الرأي العام العالمي إلى اتخاذ المواقف الفعالة لدعم الانتفاضة الفلسطينية ماديا وإعلاميا ودبلوماسيا. خامسا؛ الضرب بيد من حديد على كافة رموز وصور الفساد داخل السلطة فالأمر جد خطير والوضع لا يتحمل التهاون مع كل من يتربح من التلاعب بمقدرات شعب يرزح تحت نيران الاحتلال والجوع. سادسا؛ الاتفاق مع الجامعة العربية على شن حملة إعلامية فعالة لحشد التأييد للقضية الفلسطينية وجمع التبرعات اللازمة لتعويض أصحاب المساكن والأراضي التي يتم هدمها لإعادة بنائها في أقرب وقت ممكن والتصدي لسياسة الترانسفير التي تواجهها اسرائيل، واحتضان أسر الشهداء وتيسير فرص تعليم أبنائهم وتشغيل زوجاتهم. سابعا؛ شن حرب اقتصادية ضد الكيان الصهيوني عبر تنظيم الإضرابات الموسعة للعمال الفلسطينيين العاملين في المؤسسات والمنشآت الاقتصادية للكيان ومقاطعة منتجاته والاعتماد بالكامل على الانتاج الفلسطيني وربما يتطلب هذا الاقتراح حث جميع القوى الشقيقة والصديقة على جمع التبرعات اللازمة لتوفير التمويل اللازم لاقامة منشآت اقتصادية فلسطينية تستوعب العمال الفلسطينيين وتفي باحتياجات استهلاك المواطنين الفلسطينيين. ثامنا؛ تنظيم عمليات حرب عصابات ضد المستوطنات وعمليات خطف وقتل جنود الجيش الصهيوني بدقة وبحسابات منظمة تبتعد عن العشوائية لضمان تحقيق أكبر الخسائر للعدو من كل عملية. تاسعا؛ تعميق الاتصالات مع عرب 1948 وحشد جهودهم لمساندة نضالات اخوتهم في الاراضي المحتلة سواء في الإضرابات أو جمع التبرعات أو تقديم كافة أشكال العون بما في ذلك المشاركة في العمليات الفدائية ضد المستوطنين. عاشرا؛ وضع خطة محكمة التنسيق لتدريب المدنيين الفلسطينيين على عمليات الدفاع المدني والإسعاف وإطفاء الحرائق وإخلاء الجرحى لتقليل عدد الخسائر على الجانب الفلسطيني إلى أدنى مستوى ممكن. حادي عشر؛الوقوف ضد جميع محاولات فرض حل يصادر حق الأجيال القادمة في العيش ضمن حدود دولته الفلسطينية كاملة السيادة مع ملاحظة أن مرور الوقت ليس ضد مصلحة القضية ولكن الذي يضرها هو الهرولة لقبول مكاسب تافهة تضيع من أجلها حقوق مؤكدة. بقلم: إكرام يوسف