بعد أيام قلائل تكمل الانتفاضة الفلسطينية الشعبية عامها الأول ليقف الشعب الأعزل ـ إلا من إيمانه بحقه في الحياة الكريمة على أرضه ـ بكل ما في الدنيا من شموخ ليؤكد لمغتصبي الحقوق كم هي تافهة كل أسلحتهم الحديثة في مقابل أحجار الأرض التي صارت تلعن محتليها وتسومهم المهانة؛ ويفضح رياء ما أسموه بالشرعية الدولية وكذب «راعية الحريات» ومن داروا في فلكها؛ويعلم دعاة التخاذل والمتمسحين بدعاوى التعقل، وثقافة السلام الخانع، معنى الكرامة التي تفضل الموت على حياة ذليلة، فلم يعد أمام هؤلاء جميعا منطق يتذرعون به أمام فصاحة الطفل الذي أدرك بفطرته السليمة أن الدنيا لا تؤخذ إلا غلابا فخرج لا يحمل سوى حجرا أصاب به كبد الحقيقة فظهرت شمسها ساطعة تكشف عورات أقوام أعجز من أن يطفئوا نورها بأفواههم. الانتفاضة التي خرجت من رحم الشعب تلقائية، لا يجرؤ فصيل أو تيار سياسي أو قيادة بعينها على أن تدعي لنفسها فضل إشعال فتيلها، وإنما سبقت انتفاضة الشعب كل المنظرين والمخططين فلم يجدوا أمامهم بدا سوى اللحاق بصفوفها والانخراط ضمن التيار الشعبي الذي صار هو الطليعة. والانتفاضة الحالية ليست في نهاية الأمر سوى حلقة من سلسلة حلقات مسيرة الشعب البطل نحو تحرير كامل ترابه وبسط سيادته ـ وحده دون سواه ـ عليها. فمنذ الانتفاضات الفلسطينية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي ضد الانتداب البريطاني وعصابات اليهود المهاجرة، لم يكف أهل فلسطين عن الانتفاض طلبا للحرية دافعين في سبيلها ما تستحقه من ضريبة الدم. ومثلما هي طبيعة الأمور، تأتي الانتفاضة الأخيرة محملة بذخيرة طويلة من الخبرات والتجارب التي صهرتها السنون، ومن ثم تمكن أبطالها من تطوير أسلحتهم وأساليبهم وشكل ضرباتهم التي صارت موجعة رغم بساطتها من الحجر إلى النبيضة إلى زجاجات المولوتوف إلى الإطارات المحترقة إلى مدافع الهاون إلى القنابل البشرية التي ضربت أروع مثل الفداء ليقف أمامها عقل العالم أجمع عاجزا عن فهم كنه الروح التي تدفع أصحابها إلى بذل الروح رخيصة في سبيل تحقيق الهدف الأسمى. وإذا كانت انتفاضة 1987 التي استمرت ثلاث سنوات قد تعمدت بدماء الشهداء وفي طليعتهم مهندسها «ابو جهاد» فقد تعمدت الانتفاضة الحالية بدماء رموز خلدها ما يشهده العالم من تطور إعلامي، فاتخذت من صور استشهاد محمد الدرة، وايمان حجو، وضياء، ومحمود مرمش، وعز الدين المصري و... و أسماء كثيرة لن يكون آخرها أبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ أيقونات تبارك خطى القادمين على طريق الشهادة حتى يتحقق النصر. ومع الانتفاضة الحالية سقطت عن أذهان كثيرة أوهام المراهنة على إمكانية أن يقبل الصهاينة ـ طوعا ـ تقديم تنازلات لخدمة تحقيق السلام في المنطقة، أو أن تقوم القوى الكبرى بوساطة نزيهة وعادلة تسهم في تحقيق هذا السلام؛ هذه الأوهام التي قادت إلى اتفاقات مدريد ثم أوسلو والتي كانت نتيجتها الفعلية هي كبح انتفاضة 1987 وشهدت الانتفاضة الحالية الإدانة علنا في جميع وسائل الإعلام العربية تقريبا، بل وعلى لسان الرسميين العرب جميعا للمرة الأولى، للانحياز الأمريكي السافر للكيان الصهيوني، وتخلى الكثيرون ممكن كانوا يراهنون على الوساطة الأمريكية عن آرائهم السابقة. كما بلع الكثيرون من دعاة التطبيع ـ ومن سموا أنفسهم بجماعات السلام ـ ألسنتهم ولم يعد أحدهم يجرؤ على الظهور بما كان يظهر به من قبل من تعال وعجرفة وادعاء للعقلانية واتهام للآخرين بالتخلف والجمود والصبيانية. ومثلما كان للانتفاضة تداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والنفسية داخل الأراضي المحتلة، كان لها أيضا تداعياتها القاسية داخل الكيان الصهيوني، كما كان لها بالتأكيد آثارها في الشارع العربي التي ربما لا يسهل التنبؤ بحجم تداعياتها في المستقبل الذي لن يكون بعيدا بأي حال، وكان لها أيضا صداها في الرأي العام العالمي ولدى وسائل الاعلام العالمية. إكرام يوسف: