بدأ مجلس النواب عودة تدريجية إلى «دوامة التشريعي» مع اقتراب انتهاء اجازته الصيفية السنوية، حيث تنتظره مهمات ملحة وعاجلة، في مقدمتها مناقشة ودراسة مشروع الموازنة العامة للعام الجديد، تمهيداً لاقراره واصداره بقانون، اضافة إلى البحث في بعض المراجعات والطعون التي تقدم بها بعض النواب خلال الأيام الأخيرة، ومنها طلب تقدم به 28 نائباً بينهم 4 وزراء لابطال قانون أصول المحاكمات الجزائية بحجة: «مخالفته الدستور وشرعة حقوق الإنسان»، اضافة إلى مراجعة طعن من عشرة نواب في قانون تعيين موظفين من خارج الملاك. الموازنة.. نقاش حاد وحار لكن مشروع الموازنة العامة سيكون لولب الدورة المقبلة للمجلس، حيث من المتوقع أن يتعرض لمناقشات حادة وحارة تعكس حالة استمرار المواجهة بين المعارضة والحكومة من جهة، والانقسامات الحاصلة فيما بين بعض الوزراء أنفسهم بعد التوقيفات والتحقيقات الأخيرة من جهة ثانية. لذلك، وضع رئيس الحكومة رفيق الحريري يده بنفسه على استكمال اعداد ذلك المشروع وانجازه سواء من خلال خلوات عقدها مع نفسه في مقره الصيفي، راجع خلالها حساباته وأعاد تقويم واقع الحال، أو مع وزير المال فؤاد السنيورة، وعدد من الوزراء والخبراء الاقتصاديين والماليين المختصين. ولوحظ ان الحريري أطلق خلال الأيام الأخيرة حملة وقائية مسبقة تحت مظلة اشاعة أوسع قدر ممكن من التطمين والاستقرار والتهدئة والتأكيد على التفاهم التام مع رئيس الجمهورية اميل لحود، فيقول مثلاً: «ان مرحلة التوتر السياسي طويت، وصارت خلفنا، وان هناك تعاوناً ستظهره الأسابيع المقبلة. والموازنة احدى المحطات الأساسية فيه.. وهي موازنة جديدة ومريحة، مضيفا ان عمليات الخصخصة سوف: «تتسارع في اتجاه مجموعة من القطاعات وأهمها الهاتف والكهرباء». ويتابع: «ما حصل كان درساً أخذنا جميعنا العبرة منه، كانت هناك خسارة كبيرة للجميع، وبالتالي فإن الجميع يتطلعون إلى مزيد من التعاون لما فيه مصلحة البلاد.. وأطلب من المواطنين أن يعتبروا ان تلك المرحلة قد مرّت وعبرت، وسوف يستمر لبنان، كما هو معروف، بنظامه وتوجهاته، وكل الأطراف سوف تتعاون فيما بينها». لا أرقام سلبية ويثمّن الحريري أهمية الفشل الذي أصاب الذين حاولوا الاصطياد في المياه العكرة، فاشاعوا أجواء من البلبلة والتشكيك حول الأوضاع الاقتصادية إلى درجة ان جهات تحدثت عبر بعض وكالات الأنباء الأجنبية عن خروج 350 مليون دولار من لبنان إلى الخارج، لكن مصرف لبنان (البنك المركزي) رد على ذلك، واعتبر ان الأمر غير صحيح، كذلك هي معلومات «جمعية المصارف». وبعكس ذلك، يؤكد رئيس مجلس الوزراء ان: «ودائع المصارف ازدادت في الأشهر الستة الأخيرة. وسوف تعلن رسمياً، وفي وقت قريب جدا، أرقام الأشهر الثمانية الأخيرة في شتى المجالات، وكلها ايجابية، لا يوجد أي رقم سلبي، وكل ما يحصل عكس ذلك هو مصالح سياسية مغلفة بكلام اقتصادي سلبي، إذ كيف يمكن أن يحصل ذلك، فيما زادت حركة السياحة بشكل واضح ومتقدم جدا خلال الأشهر الأخيرة، وسجلت زيادات أيضا في الواردات والصادرات والاستثمارات الصناعية، لم يبق أي مؤشر اقتصادي على حاله، كل المؤشرات تطورت نحو الأفضل و«تحلحل» الطوق الذي بدأ يشد الخناق على وضعنا الاقتصادي منذ العام 1998، حتى ان حالة من الجمود سجلت في السنة التالية، ثم استمرت في العامين التاليين صفرا، وحتى ما دون، لكن في العام الجاري 2001، فإن النمو واضح، وسوف يظهر بشكل مفصل في أواخره، أي خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة». ويسأل أحد زائري الحريري من السياسيين المعارضين: لكن ذلك لم يظهر من خلال العجز المالي الحاصل في الموازنة العامة؟ فيبادره رئيس مجلس الوزراء مبدياً استغرابه لهذا الكلام: «لأن من يقوله لا يعرف بلغة الأرقام والموازنات». ويسأل نفسه: كيف؟ فيجيب «مثلا ان العجز الذي أظهرته موازنة 2001 هو 51%، لكنه مازال يتراوح حتى الآن، أي في غضون نحو سبعة أشهر، حول نسبة 43%. ونأمل ألا يصل حتى إلى 51% مع نهاية العام، وهذه واحدة، لكن ثمة نقطة أخرى يجب أن نحسن قراءتها لنتأكد من أن الحكومة تسير في مشروع الموازنة الجيدة نحو خفض العجز والمصارف من ناحية، وزيادة الايرادات من ناحية أخرى، اضافة إلى أن الحكومة تسعى إلى تحقيق أمرين أساسيين أولهما خفض الديون من خلال الخصخصة، والثاني هو الحصول على قروض فوائد أقل مما نحصل عليه الآن، وبالتالي خفض الديون كذلك العجز». الحص: 3 ملاحظات لكن رئيس الحكومة السابق الدكتور سليم الحص يردّ على الحريري، على الأقل انطلاقا من كلام الأخير المنتقد للسياسة المالية لحكومة الحص، أو ما يسميها عادة «بالمرحلة المالية السيئة ما بعد العام 1998». يوضح الحص في معرض رده المباشر: «فعلا وضعت حكومتنا السابقة خطة لخمس سنوات ضمنتها برنامج عمل للتصحيح المالي، وأرفقته بمشروع موازنة عام 1999، فهل أسأنا في هذا البرنامج إلى نظامنا الحر؟ لماذا لا تضع الحكومة الحالية مثل هذا البرنامج بناء على تصوراتها وتقديراتها؟ فلتقلع الحكومة عن مكابرتها وتضع مثل هذه الخطة، فترينا من خلالها الضوء في نهاية النفق بعد فترة معينة من الزمن مهما طالت أو قصرت. إذا كان ذلك يقنع المواطن بسلامة المصير، وتستطيع الحكومة أن تطالب المواطن بالصبر والتضحية والتفهم، إلى أن يتحقق الانفراج المرسوم». نسأله: لكن الرئيس الحريري يتحدث عن مؤشرات اقتصادية ايجابية بلغة الأرقام. فهل من تشكيك فيها رغم انه يؤكد سلامتها تماما؟ يقول الحص مجيباً بابداء ثلاث ملاحظات أساسية على ذلك وحوله، فيقول: أولاً: ان المؤشرات التي تستحضر لهذه الغاية تبقى غير مقنعة للمواطن مادام لم يتأثر بها في معيشته. وثمة مؤشر أساسي تغيبه الحكومة، وهو مركب ويظهر من جهة واقع البطالة، خاصة في صفوف الشباب، ومن جهة أخرى حركة الهجرة من البلاد. ثانياً: لا جدوى من الحديث عن اتجاهات في بعض المؤشرات مادام الاتجاه العام في الاقتصاد الوطني يجنح نحو التراجع، اذا ما قيس بالمؤشر الأكبر، وهو عبء الدين العام، أي نسبته إلى الناتج المحلي، فما نفع كل المؤشرات اذا ما استمرت هذه النسبة في الارتفاع؟ ثالثاً: من حق المواطن ألا يقتنع بمزاعم الحكومة حول الاتجاهات الاقتصادية العامة، ما لم تضع أمامه خطة أرضية تظهر التطورات المرتقبة مستقبلاً على صعيد عبء الدين العام سنة فسنة وصولاً في يوم من الأيام، بعد ثلاث أو خمس أو ربما سبع سنوات إلى مرحلة يبدأ عندها عبء الدين العام، أي نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي بالانخفاض المنتظم. ويختتم الحص قائلا: «لكن الحكومة الحالية لا تملك مثل تلك الخطة، بل هي تزعم بلسان رئيسها وبعض الوزراء، ان الخطط ممنوعة في نظام اقتصادي (حر) كالذي يعتمده لبنان». السنيورة يردّ وبما ان ملاحظات الرئيس الحص تشمل، في من تشملهم، وبالدرجة الأولى الوزير السنيورة، كونه وزيراً للمال ومن أكثر المقربين للحريري وسياساته المالية وغيرها، فإنه يتهم الحكومة السابقة بأن سياستها المالية: «أدت إلى حال ركود خانقة، وزيادة في نسب العجز». ثم يقول السنيورة: «أريد أن أذكّر الرئيس الحص وغيره بأهداف حكومتنا وأساسياتها: ـ استعادة الاقتصاد الوطني النمو الذي تراجعت فيه نسبه خلال السنتين الماضيتين، إلى أن أصبحت سلبية وذلك بشهادة المؤسسات المتخصصة في لبنان والخارج. ـ فيما خص خفض العجز في موازنة سنة 2001، فإن الأرقام المالية العائدة في الفترة الممتدة حتى نهاية يوليو الماضي والتي نشرتها وزارة المال أخيراً، تبين بوضوح ان نسب العجز ومبالغه انخفضت بشكل ملموس عما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الماضي، خلال حكومة الرئيس الحص. ـ يعرف الرئيس الحص أكثر من غيره ان في الامكان، ومن الناحية النظرية الخروج بموازنة متوازنة، أي تتساوى فيها الواردات مع النفقات المرتقبة، فلا يكون فيها عجز على الاطلاق. المراجعات والطعون يشكل رد الحص على الحريري، ورد السنيورة عليه، جزءا في السجلات الدائرة حول السياسة المالية العامة في لبنان في المرحلتين الحالية والمقبلة، وبالتالي طبيعة الحرارة والحدة اللتين تنتظرها النقاشات الساخنة المرتقبة في مجلس النواب قريبا، ليس حول مشروع الموازنة الجديدة فحسب، بل أيضا حول بعض المراجعات والطعون التي قدمت إلى المجلس، وأبرزها اثنان، فبعد الطعن الذي قدمه 28 نائبا إلى المجلس الدستوري ويتعلق بابطال قانون المحاكمات الجزائية تقدم عشرة نواب بطعن لابطال القانون المتضمن أحكاما خاصة للتعيين في الفئتين الأولى والثانية في الملاك العام. نواب الطعن الأول الـ28 هم: بطرس حرب (الذي أعد صياغته)، انطوان اندراوس، نبيل البستاني، منصور البون، بيار الجميل، محمد الحجار، باسم السبع، فؤاد السعد، غازي العريضي، فارس بويز، علاء الدين ثرو، وليد جنبلاط، بيار حلو، مروان حماده، صلاح حنين، فارس سعيد، أيمن شقير، أكرم شهيب، نهة طعمه، ايلي عون، انطوان غانم، أحمد فتفت، عبدالله فرحات، جورج قصارجي، البر مخيبر، نائلة معوض، فريد مكاري، وجورج نعمه.أ ما النواب العشرة فهم: حسني الحسيني، عمر كراجي، نايلة معوض، محسن دلول، نقولا فتوش، مصطفى سعد، جورج قصارجي، منصور البون، فيصل الداود، وفارس سعيد. بيروت ـ وليد زهر الدين: