اعترف الرجل الثالث في حزب الأمة السوداني بزعامة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، بوجود تيار داخل الحزب يضغط في اتجاه المشاركة في حكومة الرئيس عمر البشير الذي انقض على حكومة المهدي الائتلافية عام 1989، بانقلاب عسكري. وتشكك بكري أحمد عديل النائب الثاني لرئيس الحزب في امكانية تخلي التيار الداعي للمصالحة مع الحكومة داخل الحزب عن أفكاره، وقال في حوار أجرته معه «البيان» ان هزيمة ذلك التيار من قبل لا تعني التخلي عن تلك الأفكار وأوضح ان تلك المحاولات طبيعية ولكنه أكد ان أجهزة الحزب مازالت تتمسك بقرارها الرافض للمشاركة. مبدأ ديمقراطي ـ يتردد ان بعض قيادات الحزب تحاول أن تعيد الكرة من جديد بدفع الحزب الى طريق التسوية المنفردة مع الحكومة الحالية، ما هو رأيكم؟ ـ في الثامن عشر من فبراير الماضي اتخذ حزب الأمة المعارض قرارا برفض المشاركة الثنائية مع الحكومة الحالية. وكان ذلك القرار مبنيا على أسباب ذكرناها في البيان الصادر عقب الاجتماع، وأذكر اننا قلنا في ذلك البيان ان مبدأ المشاركة في حد ذاته مبدأ ديمقراطي يعمل به متى ما دعت الحاجة لذلك، ولكننا في حالتنا مع هذه الحكومة قلنا ان شروطا معينة واجراءات لابد من توفرها قبل أن نقرر في أمر المشاركة، وعلى الرغم من أن ذلك القرار صدر بالاجماع، إلا أن بعض قيادات الحزب ظلت تلوح بضرورة مراجعة ذلك القرار بقصد المشاركة في السلطة مع الحكومة الحالية. وأعتقد ان هذه المحاولات شيء طبيعي لأن الهزيمة عن طريق استخدام الديمقراطية لا تعني التخلي تماما عن هذه القناعة التي تمتلك بعض أعضاء الحزب والمتعلقة بموضوع المشاركة في السلطة، ومؤسسات الحزب، هي صاحبة القرار في مثل هذا الموضوع ولا أستطيع أن أنفي الاشاعة التي تقول ان البعض يسعى لارجاع عقارب الساعة إلى الوراء والعودة مرة أخرى إلى مناقشة موضوع المشاركة. لكن من المؤكد ان أجهزة الحزب الآن مازالت تتمسك بقرار الثامن عشر من فبراير الماضي. وأؤكد ان جماهير الحزب ـ جل جماهير الشعب السوداني قاطبة ـ لا تريد ولا تتمنى أن ترى حزب الأمة المعارض بسجله الناصع وقد انغمس في مشاركة هذه الحكومة، وهي بهذه الحالة التي عليها الآن. المصالح العليا * هل تنامت هذه المجموعة الداعية للتسوية مع الحكومة الحالية وأصبحت تشكل تياراً مؤثراً داخل الحزب وبالتالي تستطيع أن تغير القرار لصالحها؟ ـ ان الذين يدعون لإعادة النظر في قرار الثامن عشر من فبراير المنصرم قلة وحجمها صغير وتأثيرها داخل مؤسسات الحزب أصغر، ولذلك لا يخشى على أجهزة الحزب من تأثيرها. وعلى كل حال فإن حزب الأمة المعارض حزب ديمقراطي كما ذكرنا مراراً وتكراراً ودائما يضع مصلحة البلاد العليا نصب عينيه ومن المؤكد ان مشاركته في السلطة الحالية ليست في مصلحة البلاد العليا. وان مصلحة حزب الأمة كحزب يحظى باحترام الشعب السوداني قاطبة تحتم عليه أن يبتعد عن هذه الحكومة تماماً في هذه المرحلة من تاريخ الوطن. استئصال الظاهرة ـ ولكن هذه المجموعة سعت إلى دفع رئيس الحزب لاجراء تعديلات في الأجهزة المؤثرة عن طريق انتهاج أسلوب التعيين وقد بدا ذلك واضحاً من خلال المذكرة التي تقدموا بها إلى المهدي؟ ـ المذكرة التي تقدم بها بعض الأخوة إلى زعيم الحزب تمت معالجة أمرها بواسطته شخصياً وأبلغ المهدي المكتب القيادي للحزب بأن المعالجات التي اتخذها بشأن المذكرة قد استأصلت هذه الظاهرة إلى الأبد. ولكن نحن في حقيقة الأمر لا نعرف محتوى تلك المذكرة ولا الأشخاص الذين قدموها، ان الذي يهمنا في هذا الأمر ان الصادق المهدي زعيم الحزب أكد لنا انه عالج الأمر بصورة تضمن عدم تكراره، وقد اقتنعنا بذلك. مجالس استشارية ـ ما هو موقفكم تجاه التمسك بسياسة التعيين داخل الحزب، خاصة وان البعض يرى ان الدوافع الأساسية من وراء انتهاجها قد انتفت؟ ـ لست من أنصار سياسة التعيين بصفة عامة، كما لا أرى مبررا للتمسك بها. إذا كان القصد من التعيين في أجهزة الحزب ضم الكفاءات التي لا تسمح لنفسها بخوض معارك الانتخابات فهذه الشخصيات يمكن استيعابها في المجالس الاستشارية حتى يمكن الاستفادة من خبرتها، ولكن المرحلة الانتقالية أوجدت ظروفاً ضغطت على أهل القرار لتعيين بعض الشخصيات في بعض المجالس القيادية. وأعتقد ان هذه الظروف ستنتفي بعد قيام المؤتمر العام للحزب وبالتالي تصبح سياسة التعيين غير مقبولة خاصة بعد أن يفتح المؤتمر العام أبوابه لكل من يريد أن يرشح نفسه لأي موقع في الحزب. أجهزة انتقالية * ولكن هناك اتهامات بأنكم تقفون ضد عقد المؤتمر العام للحزب خلال المرحلة الراهنة تحت مسميات مختلفة خاصة وان عقد المؤتمر قد يقلل من قوة التيار الرافض للمعالجة المنفردة مع الحكومة الحالية، فما هو رأيك؟ ـ هذا اتهام غير صحيح وليس في محله، بل ليس في مقدورنا تنظيميا أن نمنع قيام مؤتمر الحزب، وعلى العكس نحن حريصون على قيامه لضمان تحقيق الاستقرار في العديد من أجهزة الحزب، خاصة وان وضع هذه الأجهزة انتقالي ولذلك ليست هي موقع رضاء بصفة عامة، نحن حريصون حقا على انعقاد المؤتمر العام وان بدا بعض البطء في اجراءات الاعداد له، فإن مرد ذلك إلى بعض الظروف القاهرة التي تواجه الحزب، وأعتقد ان مساعي ترويض تلك الظروف تسير الآن على قدم وساق حتى يمكن قيام المؤتمر قبل نهاية العام الجاري. مواجهة الجماهير * هل حقاً تسعون إلى عقد المؤتمر قبل نهاية العام الجاري ومستعدون لتحمل أي تبعات تنتج عن ذلك؟ ـ أعتقد ان المصلحة العامة تتطلب قيام المؤتمر العام لانهاء الحالة الانتقالية التي تعيشها أجهزة الحزب الآن. ونحن كأعضاء في حزب الأمة المعارض لا نخشى من مواجهة جماهيرنا ونتقبل أي قرار يصدر عنها ومستعدون لقبول أي تكليف وأي قرار طالما انه صادر من مؤسسة جاءت عن طريق ديمقراطي سليم. الانتخاب الحر * هل تعتقد بأن وضع أجهزة الحزب الحالي يمكن أن يخلق أي اشكالات أو يسبب أي معوقات تقف ضد تطور الحزب؟ ـ ان هذا الوضع الانتقالي لا يحظى برضاء جميع الناس لأن هذه المؤسسات لم تأت عن طريق الانتخاب أو الاختيار الديمقراطي، وانما تم تشكيله على عجل في ظروف كان لابد من التعامل معها بالصورة التي تمت. ومن هنا جاء بعض النقد لما تم، فالتشكيل الديمقراطي المتوقع بعد المؤتمر ربما لا يجد النقد الذي تجده الأجهزة الحالية. ـ هل تعتقد ان الصادق المهدي زعيم الحزب سيجد أي منافس من أي من قيادات حزب الأمة حول منصب الرئاسة في مؤتمر الحزب المقبل؟ ـ في مؤتمر الحزب العام الذي عقد في عام 1986م تم ترشيح الصادق المهدي لرئاسة الحزب ولم يترشح ضده أي شخص آخر، وقد فاز حينها المهدي بالتزكية، واعتقد ان قبولنا للصادق المهدي كرئيس لحزب الأمة المعارض ينطلق من الميزات الشخصية التي يتمتع بها الرجل والتي تجعله أهلاً للرئاسة، واستطيع أن أقول بأن اختيارنا للمهدي كزعيم ينبع من كفاحه ومقدراته الهائلة ونشاطه الجم وأفقه الواسع، ولا اعتقد ان المؤتمر العام المقبل سيختار شخصاً غير المهدي رئيساً للحزب، وذلك لنفس الاعتبارات التي تم بموجبها اختياره في مؤتمر عام 1986م. وعلى كل حال فان دستور حزب الأمة يسمح لكل شخص بأن يرشح نفسه إذا ما استأنس فيه الكفاءة دون أي حرج أو اعتراض من جهة. نهج ديمقراطي ـ يتردد بأن الحكومة تعمل بصورة جادة على شق جميع القوى السياسية المعارضة بما فيها حزب الأمة ماهو ردكم على ذلك؟ ـ ليست هنالك فرصة على الاطلاق لا للحكومة أو لغيرها لشق الحزب، نحن متماسكون قيادة وقاعدة ونعمل على حسم جميع قضايانا عن طريق النهج الديمقراطي، لذلك مهما فعلت الحكومة كما أسلفت فلن يستطيعون المساس لوحدة حزب الأمة. أطراف الصراع ـ ما هو مفهومكم للطريق الثالث الذي طرحه الحزب، وأين ستكونون إبان المفاوضات هل ستقفون بجانب الحكومة أم التجمع؟ ـ نحن في حزب الأمة المعارض قدمنا تصوراً متكاملاً لما ينبغي أن تسير عليه الأمور عقب مذكرة دولتي المبادرة المشتركة الأخيرة، ومنذ البداية محور حديثنا في الحزب هو أن نسعى لاقناع الأطراف الثلاثة الحكومة والتجمع الوطني الديمقراطي المعارض بزعامة الميرغني ودولتي المبادرة بضرورة ايقاف الحرب واتخاذ الخطوات اللازمة لقيام نظام ديمقراطي يضع السلطة في يد الشعب السوداني ليفوض من يشاء لحكمه بعد اجراء انتخابات ديمقراطية سليمة، ونلاحظ ان هذا الخط الذي سرنا فيه يختلف في بعض معالمه عن خط التجمع الوطني الديمقراطي المفروض وهو يضم الحركة الشعبية لتحرير السودان الساعية الى حق تقرير المصير والرافض لايقاف الحرب في الوقت الحاضر، ويختلف أيضاً عن طريق الحكومة التي تسعى لتثبيت ما تصفه بأنه ثوابت لايمكن التزحزح عنها لأن ما تسميه بـ «التوجه الحضاري» والشريعة الاسلامية كنهج للحكم ـ نلاحظ ان طريقنا الذي أسميناه الثالث يختلف عن التجمع والوطني الديمقراطي المعارض والحكومة لأننا جمعنا بين التوجه الديمقراطي القائم على أساس السلام والتوزيع العادل للثروة والسلطة وبين توجهات الآخرين التي تدعو الى تقرير المصير وابعاد الدين عن الدولة. ـ ولكنك لم تجب على سؤالي بعد الى جانب اي صف سيقف حزب الأمة المعارض؟ ـ ليس بالضرورة ان تقف الى جانب محدد نحن نقف الى جانب طرحنا ونسعى لاقناع الآخرين الذين سيشاركون في المؤتمر الجامع بوجهة نظرنا وقبولها كأساس للحوار. أعراض خطيرة ـ هل تعتقد بأن مسيرة الحل السياسي للأزمة السودانية تسير بصورة جيدة وفق المبادرة المصرية الليبية المشتركة؟ ـ هذه المبادرة تعاني من بعض الأعراض لا أقول بأنها قاتلة ولكن قد تكون خطيرة، واعتقد أن دولتي المبادرة في مقدورهما معالجة أي مسائل خلافية تعترض مسار المبادرة المشتركة. ـ في أعقاب التصريحات الحادة من هنا وهناك ما هي العوامل التي يمكن أن تنشط هذه المبادرة وتدفع بها الى الأمام؟ ـ من الضرورة ان تلتزم الحكومة بالمواثيق التي وقعتها من قبل مثل اتفاقية الخرطوم للسلام التي تعترف فيها السلطة الحاكمة بحق تقرير المصير، ومن الضروري ايضا ان تقبل الأطراف الأخرى المشاركة في المؤتمرات المقترحة وأن تبحث قضية علاقة الدين بالدولة في المؤتمر الجامع الذي ستشارك فيه كل الأطراف السياسية في السودان، كما ان على جون قرنق ان يقبل في الوقت الحالي وألا يصر على ضرورة النص في مشروع المبادرة على فصل الدين عن الدولة وحق تقرير المصير وأن يكتفي بقبول الأطراف المعنية بحق تقرير المصير طالما انها وقعت على وثائق تقبل ذلك وتعترف به، أما فيما يتعلق بحزب الأمة المعارض فنحن قبلنا حق تقرير المصير ووافقنا ايضا على تأجيل فصل الدين عن الدولة وان يتم ذلك في المؤتمر الجامع بأن يوضع للبحث من قبل كل الأطراف هناك.