قابلت جوليوس روزنبرج حوالي خمسين مرة، في مانهاتن وفي بروكلين وفي برونكس، وفي البداية وخلال شهرين كنا نتقابل أسبوعياً في المساء بعد انتهاء ساعات عمله، لم يكن يكتفي ، بأن ينقل إلينا وثائق لا تقدر بثمن «استعارها» صديقاه بار وبير. فقد كان يحضر إلينا أيضاً رسوماً فنية ووسائل الاستخدام ومعلومات أخرى عن المعدات التي تحضر في مكتب الدراسات الذي يعمل فيه. وكنت في العادة استلم منه المادة بطريقة الكسح حيث كان أحدنا يمر بجانب الآخر وغالباً في عتمة صالة السينما. وكان جوليوس يصل اولاً ويجلس في الصف ما قبل الأخير. لأن أزواج العشاق قد يجلسون في الصف الأخير. وكنت أنظر إليه وهو يدخل وأراقب الطريق خلفه ثم اجلس بدوري، كنت أجلس في الصف نفسه، كنت أمر من أمامه واجبره على الوقوف وفي تلك اللحظة كنت أواجهه كما تقتضي آداب اللياقة وهنا كان يعطيني الغنيمة بمهارة ورشاقة. وفي أحيان أخرى كنا نستغل التزاحم أمام حافلة في ساعات الذروة أو الازدحام الشديد في مباراة الملاكمة في ماديسون سكوير جاردن أيام الجمعة. وبعدها كنت أسارع إلى «الريزيدنتورا» لتصوير غنيمتي التي كنت أعيدها إليه في صباح اليوم التالي. بالطبع، كان هذا النظام يضاعف المخاطر، ووجهت جوليوس إلى التصوير فور تمكني من ذلك، أعطيته آلة تصوير بسيطة من نوع «ليسا» مزودة بعدسة خاصة قدمها المركز، كانت العدسة قابلة للنقل وتسمح بتصوير الوثائق بوضوح حتى ولو كان المصور هاوياً وارتكب خطأً في تقدير المسافات، كانت آلة التصوير تثبت على قاعدة على ارتفاع 30 أو 40 سنتيمتراً فوق طاولة مضاءه بلمبة أو لمبتين جانبيتين. وتكون عدسة آلة التصوير إلى أسفل. وهكذا كنا نحن أيضاً نعمل في «الريزيدنتورا» لتصوير تقاريرنا قبل أن نرسلها بالحقيبة. تحية أيها الرفيق! لتجنب إثارة الشكوك أثناء شراء الأفلام كنت أتكفل بذلك بنفسي فكنت اشتري بكرات كاملة قطرها حوالي 30 سنتيمتراً. وعندما أصل إلى مختبري أقطعها إلى لفائف كل منها تحتوي على 36 صورة كما كانت لدي لوحة صغيرة خاصة لقص طرف الربط الملوي إلى الداخل. اعتاد جوليوس بسرعة على هذا النظام. وأصبحت بعد ذلك لقاءاتنا للاستلام بطريقة الكسح تتم كل ستة أسابيع. كنت أعطيه حوالي عشرين فيلما ليتمكن من التصوير بواسطتها. وكان هو بالمقابل يسلمني مثل هذا العدد من الأفلام التي صور بها ولكن من دون تظهير. لم يكن روزنبرج راضياً عن تباعد لقاءاتنا. كان يرى أننا لا نلتقي إلا نادراً. ولو كان الأمر بيده لاحضر إلي الوثائق يومياً. كان يقول لي: «اسمع الكساندر. لقد أنجزتم الكثير من الأمور العظيمة في بلادكم والآن اصبح كل شيء مدمراً. يجب إعادة بناء كل ذلك! إنني أريد أن أساعدكم ولكن ساعدوني لكي أساعدكم». وخلافاً لعملائي الآخرين الذين كانوا يدعونني باسم «آل» على الطريقة الأمريكية كان جوليوس يناديني دائما الكساندر. كان ذلك نوعاً من الاحترام على الرغم من علاقتنا الحميمة. كنت أشرح له دائماً أن مساعدته ضمن هذه الظروف ستتوقف قريباً لأن «الأف بي آي» لم يكن جالسا بلا عمل. وكان جوليوس يهز كتفيه ففي داخله كان على اقتناع بأنه لا يفعل شيئاً سيئاً! كان روزنبرج في العادة انضباطياً ولكنه أحياناً كان يبدي عصياناً يليق بولد صغير. وما زلت أذكره وهو قادم لملاقاتي على نفس الرصيف. وكان ذلك اللقاء الثاني أو الثالث. بدا فرحاً وهو يدخن سيجاراً من النوع الفاخر الذي لم يكن باستطاعته أن يشتريه إلا نادراً. عندما لمحني على بعد حوالي عشرة أمتار لوح بيده وصاح: «تحية أيها الرفيق». أصابني الذهول. ألم يشرح له سميونوف أبجدية العمل السري؟ وبعد لحظات وفي الكافتيريا شرحت له وأنا أحاول اختيار الكلمات المناسبة كي لا أجرحه كيف تصرف بطريقة خطيرة. ففرض احترام التعليمات الأمنية من المهمات الأساسية لكل قائد للعملاء. وبالطبع يجب العمل بهدوء بحيث لا يشعر مصدر المعلومات بالذعر لدرجة تجعله يقطع أية علاقة. كنت أحاول إذن وبالتدريج أن أردع جوليوس عن الاشتراك في منشورات يسارية وحضور لقاءات المساندة للجيش الأحمر أو التردد علناً على أصدقائه الشيوعيين. لقاءات تعليمية هذه اللقاءات التي لم نكن نحمل خلالها في جيوبنا أشياء تورطنا (اللغة البيروقراطية تصفها بلقاءات تعليمية) كانت تتم خلال المدة الفاصلة بين اتصالاتنا الخاطفة كل ستة أسابيع. كنا نلتقي لتناول العشاء. وسمح لنا ذلك بالتعرف على بعض بصورة افضل كما سمح بازدياد المودة بيننا. ومن الطبيعي وبعد مرور خمسين سنة أن لا أتذكر جميع لقاءاتنا. وعلى الرغم من ذلك وبما انه توفر لي الحظ لمعرفة هذا الرجل المتميز جيداً وفي أن أكون أحد آخر الشهود على عمله أتمسك بأن أنقل هنا كل ما احتفظت به ذاكرتي عن أحاديثنا. كان من النادر أن نذهب إلى مطاعم حقيقية، حتى ولو كانت متواضعة فلقد كانت التعليمات الصادرة إلى المقر تقضي بتخفيض المصاريف الجارية. ومن هنا كان باستليناك يذهب إلى حد تسديد نصف الفاتورة فقط، أي فقط حصة مصدر المعلومات. ومن ناحية أخرى كانت المنشآت من هذا النوع مليئة دائماً بمخبري الشرطة، وفي الفرص النادرة التي كنا نقرر فيها الحصول على وجبة حقيقية كنا نختار مطبخ أوروبا الشرقية: المطبخ الروماني أو المجري أو النمساوي. وفي معظم الأحيان كنا نلتقي في كافتيريا أو مطاعم الخدمة الذاتية أو البارات التي تقدم وجبات خفيفة. وهنا في ضوضاء الزبائن العاديين من النيويوركيين كان باستطاعتنا التحدث من دون أن نهتم كثيراً بمراقبة من حولنا. شاركت الكثير من الأمور في ترسيخ علاقاتنا، فمع ازدياد تعارفنا كنا نكتشف نقاطاً مشتركة بيننا. كنت أكبر من جوليوس بخمسة أعوام، وعشنا في ظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة كلياً. ولكن كانت حياتي بمثابة صدى لحياته. بدأنا كلانا بالعمل ونحن ما زلنا فتيانا لان أجور والدينا لم تكن كافية لسد احتياجات العائلة، وبالإضافة إلى ذلك كان كلانا يحب الأمور التقنية وكنا مهندسي لاسلكي. كان جوليوس يحب كثيراً أن أحدثه عن بيتي، حيث كنت أنام على الحطب الذي أعددناه لفصل الشتاء، وعن طفولتي كولد يحب الشجار ويهوى المسرح وعن مستودع عربات القطار حيث عرفت لحظات سعادة أمام الملزمة، وأنا أحمل المبرد بيدي وعن سباقات الجري بدرجة حرارة تصل إلى 20 تحت الصفر، ونحن نرتدي السراويل القصيرة فقط، وعن الطالب الذي كنته لمدة خمس سنوات مع ملابسي الفقيرة والجوع الذي عانيته. من خلال تجربتي الشخصية كان يحاول أن يفهم حياة الكثير من البسطاء، الذين كانوا يبنون مجتمعاً يمثل في نظره وفي نظري مستقبل البشرية بكاملها. كان يهتم بكل شيء متعلق بالاتحاد السوفييتي، حضانات الأطفال والمدارس والمستوصفات والمحلات التجارية وممارسة الرياضة والنشاطات السياسية، والنقابية. حدثته عن المصانع الضخمة والمحطات الكهربائية التي أقيمت خلال عدة سنوات وعن الكولخوزات والكليات العمالية والشبيبة الشيوعية. كان جوليوس قد قارب الثلاثين من عمره وكان رب عائلة، ولكنه لم يكن قد فقد شيئاً من المثالية المتحمسة الخاصة بسن المراهقة، المثالية التي تلغى منها الأنانية والمصلحة، وهذا الحذر المفرط الذي لا توحي به الحكمة وإنما الجبن، وكان طبعه المتفائل الذي يفيض طاقة إلى تشبثه بالنظرية الشيوعية التي كانت تبهر الأشخاص من جبلته نفسها. كانت آراؤه الاشتراكية جديدة واضحة وكانت تتحول إلى آراء واقعية من خلال ما أرويه له وكنت أستفيد أيضاً من التحدث عن بلادي فلقد كانت تلك طريقة للعودة إلى روسيا. كان قد قرأ للكلاسيكيين الكبار أمثال ماركس واينجلز ولينين... ولكن أثناء نقاشاتنا السياسية كانت عباراته تفضح غالباً هذه السذاجة الثورية الطفولية قليلاً والتي كانت جزءاً من طبيعته. وكان الثراء من ضمن الأشياء التي يكرهها. كان يقول لي: «لا أدري إن كنت سأعيش وسيتقدم بي العمر لرؤية مبولة عامة من ذهب، لقد كتب لينين أنه سيكون منها الكثير ذات يوم». أرجو ذلك. وقال لي في إحدى المرات: «لا أفهم الأثرياء هل تفهمهم أنت؟ لقد كدسوا الكثير من الثروات. لماذا لا يريدون أن يعطوا القليل للذين لا يملكون شيئاً؟». كنت أعلم أن جوليوس تأثر كثيراً بالانهيار الكبير. وكان العديد من الأمريكيين يخشون حدوث انهيار آخر وبطالة. وكانوا يتساءلون ان لم يكن كل شيء سيتكرر من جديد بعد انتهاء الحرب ولهذا السبب أيضا كان وطن الاشتراكية الذي ألغيت فيه البطالة يشكل الأمل بالنسبة لهم. لهذا السبب حتماً كان جوليوس يتردد على التظاهرات المساندة للاتحاد السوفييتي حتى قبل أن يقابل شخصاً سوفييتياً. أذكر أنه دهش في أحد هذه اللقاءات بعد تدخل الكاتب السوفييتي إيليا ايرنبورج الذي كان يدعو إلى فتح جبهة ثانية في أوروبا في أقرب فرصة ممكنة. قال لي: «أتدرك ذلك؟ أنهى ايرنبورج خطابه فوقف الجميع يصفقون له! هل تتصور تصفيق عشرين ألف شخص؟». ولكن حماسه لم يقض على رشاد عقله فقد أضاف في تهكم: «بالطبع لا يمكن لخطابه المعادي للفاشية أن يمس بقلوب الرأسماليين إذ لديهم مشاغل أخرى لا تسمح لهم حضور لقاء خاص بإنهاء حرب تدر عليهم يومياً المزيد من الأموال». أدرك جيداً كم يبدو إخلاصنا للقيم الشيوعية وكراهية الاستغلاليين والتعاطف مع المضطهدين والحماس الصادق في المشاركة في إحلال عصر المساواة والعدالة الاجتماعية كم يبدو كل ذلك الآن مثيراً للضحك! ولكننا مثل الملايين من الرجال والنساء في العالم كنا نؤمن بهذه المثل بكل جوارحنا وكنا على استعداد للتضحية بأرواحنا في سبيلها. هل كان جوليوس يجهل أعمال التطهير والمحاكمات السياسية والقمع الستاليني؟ لم يسألني أبداً عن هذا الموضوع يبدو لي أنه كان على اقتناع بأنه لا يمكن للثورة أن تستغني عن العنف وكان قد قرأ الكثير وكان يحدثني عن كرومويل والثورة الفرنسية وروبسبيير ... ولم يدهش لاقتتال الحمر والبيض كان يجب ان يستمر صراع الطبقات بعد الحرب الأهلية. كان يرى ان الأحداث الدامية التي تخللت بناء الاشتراكية لا تؤثر على كون هذا النظام أكثر عدالة بكثير من الرأسمالية. ازدادت لحمة تقاربنا الأيديولوجي باليقين بأن الجنس البشري يواجه عدواً مستعداً للقضاء على المكاسب الألفية للحضارة باسم فكرة جنونية. كان الخيار بسيطاً بشكل رهيب: إما النازية أو نحن . فبالنسبة لجميع الذين كانت لهم فكرة واضحة عن هذه المواجهة كانت الانشقاقات والمصالح في المعسكر الحليف تبدو كنشاطات ضارة للغاية. كنا نرى أنه لا يجب أن يكون هناك أي شيء يحول التحالف المعادي للفاشية عن المهمة الملقاة على عاتقه وهي القضاء على هتلر بأي ثمن. خونة أم أبطال؟ أنا لا أفكر أبداً في أن أقوم بالدعاية، فاهتمامي الوحيد ينحصر بأن أشرح جيداً دوافع أشخاص أمثال جوليوس روزنبرج وجون كيرنكروس ودونالد مكلين وكلاوس فوش الذين اعتبرتهم العدالة في دولهم خونة والذين يبقون أبطالاً في نظري. وعلى أية حال ساعدت مشاركتهم في المجهود الحربي للاتحاد السوفييتي دون شك على إنقاذ مئات الآلاف أو حتى الملايين من المواطنين السوفييت وربما كان شقيقاي بوريس وجينادي منهم. سرعان ما أصبح روزنبرج الأولوية رقم واحد في عملي التطبيقي فهو يقدم لنا الوثائق الفنية المتعلقة بالأجهزة اللاسلكية (ذات قيمة لا تقدر بثمن) التي تساعد الدفاع الجوي على التمييز بين الطائرات الصديقة والطائرات المعادية وتأكدت أهمية عمله في بداية عام 1944 عندما قدم لنا عدداً من المخططات والأوراق المتعلقة بجهاز التفجير عن قرب، كانت شركة ايمرسون راديو تهتم بتطوير هذا الجهاز الثوري. وحتى ذلك الحين كانت القذائف لا تنفجر إلا بالملامسة المباشرة للطائرة. وإذا لم تمس هذه القذائف نظاماً حيوياً في الطائرة كان لها فرص قوية في أن تهبط أو حتى تعود إلى قاعدتها. وصمم المفجر عن قرب لكي يفجر القذيفة على بعد مسافة قريبة من الهدف كانت الشظايا تتطاير على شكل كرات وكان باستطاعة عدد منها على الأقل أن تسبب أضراراً فادحة في الطائرة لا يمكن إصلاحها. وكانت له فائدة أخرى أيضاً، كان يصحح أتوماتيكياً مسار الشحنة المتفجرة حسب موقع الطائرة. كان الجهاز يجسد رؤوس التوجيه المستقبلية الخاصة بالصواريخ. وعلى الرغم من الخطأ الصغير الذي تحدثت عنه من قبل عندما حياني جوليوس بصوت عال في الشارع فلقد كان جاداً تماماً في العمل السري لا أذكر أنه تخلف عن موعد أو أنه وصل متأخراً إلى موعد. كانت صحته ممتازة ولكنه كان يصاب بالحساسية في بداية كل صيف كانت عيناه الحمراوان تدمعان وكان أنفه ينغلق وكان المنديل يلازمه باستمرار. وعندما أراه في هذه الحالة كنت أباعد المسافة بين لقاءاتنا. كنا نشكل فريقاً حقيقياً. كنت بالطبع محترفاً. ولكنه كان يعرف أكثر مني بلاده ومواطنيه وعقلياتهم وردود أفعالهم. هذا عدا عن إطار عمله. وفي الغالب عندما كنا نناقش الإمكانيات الفنية للحصول على هذه الوثيقة أو تلك أو ظروف لقائنا التالي كان روزنبرج يصغي إلي من دون أن يقاطعني ثم يقوم بعد ذلك بتغيير كل شيء في خطتي الأساسية. ولم أفكر بحاجة أبداً إلى أن أسأله عن رأيه فقد كان هو السباق دائماً. كان يظهر أيضاً لامبالاة تامة تجاه الأمور المادية. كان يرتدي الملابس المناسبة ولكن من دون أناقة. فالشيء الوحيد ذو القيمة الذي كان يرتديه هو خاتم الزواج. وفي المطاعم كان يطلب دائماً الوجبات الأرخص وعندما نطلب زجاجة خمر للاحتفال بحدث معين كان يعتبر ذلك ترفاً. لم تكن هذه مفاجأة، كان سميونوف قد حذرني أن روزنبرج يرفض وباستنكار أية أجرة. وعلى الرغم من كل شيء كنت بين حين وآخر أبحث عن حجة لأعطيه القليل من المال. لم تكن ايثل تعمل. ومن الواضح أن راتب جوليوس لم يكن يكفيه للوصول إلى نهاية الشهر إلا بصعوبة. فكنت استخدم الكثير جداً من اللباقة والكياسة لكي لا اجرحه. ومن دون نتيجة! وكل ما كنت أحصل عليه هو تسديد مصاريف النقل والاستهلاك التي كان يدفعها لزملائه الذين كانوا يصبحون مخبرين لدينا من دون أن يعلموا بذلك. وكنت أشعر بالفخر عندما أتوصل إلى أن أجعله يقبل 25 دولاراً في الشهر. ولكن مساهمته كانت كبيرة لدرجة أنه حتى الملايين لم تكن كافية لتفيه حقه. المؤلف يتلقى وسامه الأول من كليمنت فوروتشيلوف رئيس مجلس السوفييت الأعلى أناتولي اياتسكوف.. السرطان أجبره على التخلي عن مسئولياته لفكليسوف