أظهرت الجلسة الافتتاحية واليوم الأول لمؤتمر مناهضة العنصرية في دوربان ان الأفارقة يستحوذون على نصيب الأسد، حيث نجحوا في تحول المؤتمر الى مسرح لمحاكمة الغرب. وبدأ افتتاح مؤتمر التمييز العنصري في مدينة دربان ساحة للتنفيس الافريقي عن فترة احتقان طويلة عبر خلالها المشاركون عن مشاعر الغضب والاسى تجاه الدول الاوروبية وتاريخها المتورط بجرائم ضد الانسانية اجتاحت القارتين الافريقية والاسيوية في آن واحد تمثل في تمدد الاستعمارالفرنسي والبريطاني والهولندي والبرتغالي بكل اتجاه.وغصت القاعة بالمتحدثين والمستمعين من القارة السوداء وتخلف عنها الجنس الابيض باستثناء بعض الملونين او من اطلق عليهم اصحاب البشرة الداكنة الذين تعاطفوا مع شعارات المؤتمر الملتهبة بالحماس والتصفيق. الا ان ثمة مراقبين يرون تناقضا واضحا في اطروحات الوفود وتباينا في تصنيف أشكال التمييز وتسمياته فالبعض اقحم النزاعات الاقليمية بين الدول في كلمات الافتتاح كما فعل ياسر عرفات حين استنكر العدوان الاسرائيلي على المقدسات الاسلامية والمسيحية وعلى الشعب الفلسطيني الاعزل والقمع الصهيوني القائم على اسس عرقية بينما وضع آخرون التمييز في قالب حقوق الانسان والانتهاكات التي تمارسها بعض الدول ضد مواطنيها انفسهم. وكان خطاب الرئيس الكوبي فيدل كاسترو اكثر اتزانا خصوصا بعد تحوله من اللباس العسكري الى اللباس المدني واتسم بيانه بالطرح الشمولي لقضية العنصرية حيث رفض فكرة حصر الاستعمار بالقرن الافريقي وعدد نماذج للتمييز والابادة الجماعية طالت شعوبا بأكملها في اسيا واستراليا والاسكيمو واستهل الامثلة بالمغرب العربي. كاسترو الذي اثار اعجاب الحضور انتقل بهم الى اشكال من التمييز العنصري القائم على تفاوت الطبقات والثقافات وليس على مبدأ اللون والعرق فقط وحمل الغرب مسئولية تفشي الفقر والتخلف والبؤس والشقاء في العالم الثالث. أما رؤساء الوفود الافريقية فقد اجمعوا على ضرورة الحد من اخطاء المستقبل بتعلم اخطاء الماضي ولم يخف بعضهم اصراره على مسألة التعويضات المادية والاقرار بخطايا الاستعمار الاوروبي وعدم السماح بالاعتذار المهذب والمجرد من المحاسبة والعقاب وتحمل تبعات الماضي كما اتضح ذلك في خطاب كوفي عنان الذي كان ممثلا عن الامم المتحده وعن مشاعره الخاصة تجاه بني قومه.والسخرية اللاذعة من شخصية طرزان ذلك الرجل الابيض في ادغال افريقيا كان رسالة امتعاض واضحة للاعلام الغربي الذي حول ابناء هذه القارة الى وحوش بشرية تسلق بعضها في قدور كبيرة وينبغي ان تروض لخدمة الرجل الابيض الذي يفوقها قوة وذكاء. ولم يدر في خلد المشاركين او بعضهم ان الحساسية بين الشعوب على مدار التاريخ لم تقتصر على اللون فنيوزيلندا مثلا التي حولها الاستعمار البريطاني الى منفى للسجناء ويراها في اسفل العالم موقعا ومنزلة تلك الجزيرة العملاقة المختبئة خلف استراليا ردت على التهكم الانجليزي بأسلوب غريب وفريد. فقد قلبت خريطة العالم وادارت الكرة الارضية لتصبح هي في قمة الكرة وكتبت في كل الخرائط التي تعلق في المكاتب الرسمية نحن الاعلى دائما وكان ردا منطقيا على من قسم العالم الى شرق وغرب وشمال وجنوب وفق موقعه هو من الخريطة. عبث البشر بالبشر كما وصفه رئيس الجابون لم يكن سمة الماضي فقط فالقرن الحالي يعج بالامثلة الدامية اذ بلغت الاطماع العراقية حد الانتقال من الغاء الحدود الى الغاء الوجود وشطب الكويت من خريطة العالم واللهو بمناهج الجغرافيا والتاريخ ودفع العراق ثمنا باهظا لذلك. والتطهير العرقي مازال ماثلا لم تخمد ناره في البوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان ولا داعي للغوص في الاعماق فمذابح رواندا ليست بعيدة وقد راح ضحيتها نحو مليون انسان عام 1994 بسبب تعصب قبلي تغذيه اياد خفية فهناك مواجهات بين البيض وهنا مواجهة بين السود. منذ امد قريب عمت الشوارع البريطانية احداث شغب عارمة بين البيض والملونين من الاسيويين وغيرهم وهي مواجهات اهلية وليست عسكرية لا تنتهي بغالب ومغلوب وهو ما دفع الحرب الاهلية في لبنان الى التوقف قسرا بعد 15 سنة من المعارك الطاحنة التي دمرت كل شيء ولم يخرج منها منتصر واحد. مؤتمر عدم التمييز العنصري مازال في مهده والبعض ابدى توجسا من تحوله الى منبر خطابي او خيمة سيرك لاستعراض الشعارات الرنانة والبراقة دون الخروج بآلية قابلة للتنفيذ في نبذ العنصرية وازالة الحواجز النفسية بين شعوب العالم. والمؤتمر محاولة افريقية بثوب عالمي لارسال نداء استغاثة لاعادة الكرامة والحقوق التي انتهكت مدة من الزمن للانسان الافريقي ويبقى الزعيم نيلسون مانديلا شاهد العصر رمزا للكفاح والنضال الذي انطلق من هنا واعاد لشعبه كرامة طالما حرموا منها. كونا
