مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية والفصل العنصري وعداء الاجانب، اثار الكثير من الكلام منذ الاعلان عن خبر انعقاده، ذلك لأن القضايا المرتبطة بمصالح امريكا واسرائيل لا تمر عادة الا بمثل هذه الضجة. فمن ناحية تخشى اسرائيل من ان يعيد المؤتمر الروح الى القرار التاريخي رقم 3379 القاضي بمساواة الصهيونية بغيرها من منظمات التمييز العنصري، واعتبارها حركة عنصرية ومن الناحية الاخرى تخشى امريكا بأن يدعم المؤتمر فكرة تعويض المتضررين من التمييز العنصري وتجارة الرقيق، وهو ما يفتح الباب واسعا على المظالم التاريخية التي عانت منها قارة افريقيا بفعل الطمع الغربي. الصورة لا يمكن ان تخرج عن ألوانها الوهمية الى حقيقتها الا بقراءة ابعاد المؤتمر بكل عمق وجرأة، ولعل اول ما نسجله هنا هو المأزق الذي يجد فيه نفسه رجل مثل وزير الخارجية الامريكي كولن باول والامر لا يعني طبعا ان امريكا غير مهتمة ولا محرجة بما يحدث، بل المعنى ان كولن باول يقف الآن في نقطة تدافع وتقاطع مصالح كبرى، وهو ما يجعله في موقف لا يحسد عليه. افراغ المؤتمر منذ اسابيع كانت مجلة «جون افريك» تتحدث عن الزيارة التي قام بها باول منذ اشهر الى القارة السمراء معتبرة ان الزيارة لا تدخل في مشروع بوش الابن وسياسته، بقدر ما تدخل في المشروع الشخصي لباول. والقضية واضحة جدا اذا عرفنا ان الوزير الامريكي ذا اصول افريقية والصحف الغربية تصفه بأكبر مسئول من الجالية السوداء في امريكا او من المواطنين الامريكيين السود. يقول «فرانسيس كباتني» في موضوع له في «الانتيليجون» تحت عنوان «افريقيا المنسية»: «بالنسبة لبوش تقف افريقيا امام خطر ان تكون من جديد مؤجلة او منسية» لذلك فهو يرى ان باول انما زار افريقيا مغازلة لنسبة 13% تمثل الجالية ذات الاصول الافريقية في الولايات المتحدة وامام طموح وزير الخارجية فإن هذه النسبة تعني له الكثير في الانتخابات والدعم فهي خلفيته الداعمة، ورهانات اصواته وهي ورقة ضغطه ومجال تمثيليه الخاص، ورجل مثله يطمح في الوصول الى البيت الابيض لا يمكن ان يمر بغير هذا الطريق، لذلك فهو في امتحان حقيقي بين موقفه كسليل افريقي، وبين موقفه كامريكي، فبالنسبة لامريكا الامر محسوم وقد كان رأي «أري فليشر» الناطق باسم البيت الابيض حاسما وواضحا حين رفض الربط بين العنصرية والصهيونية وقد كان من الصعب لذلك ان يتلاشى الغموض الذي يلف قضية مشاركة الولايات المتحدة الامريكية في المؤتمر، حتى في الايام الاخيرة التي سبقت انعقاده. الخلاف حول جدول العمل والتشنجات التي دارت حول ذلك والاتصالات التي قامت بها واشنطن مع دول افريقية وعربية لافراغ الاناء من القطرتين اللتين افاضتاه كل ذلك يدل على ان المؤتمر يكتسي اهمية كبيرة خاصة وانه يأتي في توقيت زمني تمر به القضية الفلسطينية بأضيق وأبشع ممرات وأنفاق العنصرية الاسرائيلية. البعد الدولي وبالنسبة لاسرائيل فإن للمؤتمر ايضا ابعاده، فهو لا يستند الى الفراغ بل الى قرار تاريخي صادر عام 1975م لذلك فتكريس هذا القرار (رغم التراجع عنه سنة 1991م) يعطي ثقلا للفت تجريم اسرائيل في الصراع، فهل الصهيونية عنصرية فعلا؟! في يوم 10/11/1975م اصدرت الامم المتحدة قرارها رقم 3379 معتبرة الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية وكان ذلك مدعاة للاهاربي الصهيوني «ايجال ألون» ليقول في حديث لصحيفة «اوروبا» اللندنية بتاريخ 14/11/1975م: «ان المتطرفين العرب ارادوا في الامم المتحدة تمرير قرار يزودهم بقاعدة اساسية ودعائية لانهاء وجود اسرائيل.. ان الصهيونية كانت اساسا تعبيرا عن الثورة ضد اللاسامية، وضد التمييز، وهي تمثل شعبا كان اكبر ضحية للتمييز العنصري في العالم». وقد استندت الامم المتحدة في قرارها هذا الى وقائع وحقائق لا الى مجرد تطرف العرب كما ادعى «ايجال ألون» وطبقت في ذلك مواد صريحة يرى الكثيرون وجوب اسقاطها اليوم على الممارسات الاسرائيلية، من ذلك المادة الاولى من القسم الاول من الاتفاقية الدولية لازالة كافة اشكال التمييز العنصري «يعني اصطلاح التمييز العنصري» في هذه الاتفاقية اي تمييز او استبعاد او تحديد او تفضيل يقوم على العنصر او اللون او الاصل او الانتماء القومي او العرقي، ورأت الاتفاقية ان «اية نظرة استعلائية قائمة على التفريق العنصري انما هي باطلة علميا، ومدانة اخلاقيا وخطرة اجتماعيا. وفي المادة الرابعة: «تدين الدول الاطراف في هذه الاتفاقية كل دعاية وكل منظمة تقوم على افكار او نظريات تدعو لسيادة جنس او مجموعة اشخاص من لون او اصل عنصري». ويجمع الكثير من رجال القانون عالميا على ان العنصرية الاسرائيلية قد فاقت بكثير عنصرية هتلر وموسوليني وفيرفورد في جنوب افريقيا كما فاقت عنصرية روديسيا زيمبابوي ولئن كان هتلر قد انطلق في مشروعه لتصنيف الاجناس من افكار فيخته ونيتشه وكويستلر فإن الاسرائيليين كانوا اسبق في وضع وتبني هذه النظريات العنصرية يقول آحاد هاعام وهو مفكر يهودي قديم كما انه من مؤسسي المدرسة الانسانية الروحية يقول: ان اليهودية سبقت النيتشوية بعدة قرون بفكرة الرجل اليهودي المتفوق الرجل النقي ، الصديق الذي هو غاية في حد ذاته.. والذي خلق العالم لاجله». عنصرية متجذرة ونظرا للحس الاسرائيلي العنصري لم يكن الدكتور موشيه رئيس جنوب افريقيا وكر العنصرية في افريقيا في ذلك الوقت مخطئا او ملقيا للكلمات جزافا حينما زار اسرائيل عام 1969 وهو يردد: «يوجد لدى اسرائيل الكثير مما يمكن تعلمه». وفي الوقت الذي يستبعد ان تتنازل دول افريقيا السوداء المشاركة في مؤتمر دوربان عن مطلبها بوجوب التعويض للمتضررين من تجارة الرقيق والامتهان العنصري خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر، يبدو ان امريكا قد استطاعت عبر اتصالاتها ان تصرف نظر العديد من الدول العربية عن موضوع العنصرية الاسرائيلية، وبذلك يولد المؤتمر ميتا وبالمواصفات الصهيو ـ امريكية، وهو امر لا يعد سوى اضعاف لموقف الشعب الفلسطيني في الصراع المرير الذي يخوضه منفردا وبهذا كله سوف يرضي الحاخام مارفين هاير عضو المؤتمر ومؤسس ومدير معهد «سيامون ويسينثال في لوس انجلوس» بعد ان كان قد وصف المؤتمر بالسيرك وجدول عمله بالتهريج. وكان من المفروض ان يفهم الطرق المواجهة لاسرائيل انه بقدر تخوفها من مناقشة موضوع عنصريتها في المؤتمر بقدر ما كان يجب الضغط لتعرية ممارساتها من الدينية (شعب الله المختار)، ومن ستار الشرعية (الحق في فلسطين)، وبذلك يأخذ مشروعها شكله وصفته الاجرامية الحقيقية. بقي ان نقول ان الشعب الفلسطيني والاجيال القادمة قد تعذرنا في عدم قدرتنا على مواجهة اسرائيل عسكريا، لكنها لن تعذرنا اذا انحدرنا الى درجة ان الواحد منا لا يستطيع ان يقول لقاتله ياقاتل. فهل يصدر مؤتمر دوربان شهادة حسن سير وسلوك لاسرائيل بعد اعتبارها عنصرية؟ وهل سيكون ذلك مشجعا لها على المزيد من السلوك الحسن؟! بقلم: محمد جربوعة ـ كاتب وصحفي جزائري مقيم بدمشق