منذ اللحظة الأولى لبدء الأعمال التحضيرية لتنظيم «المؤتمر العالمي ضد العنصرية» المقرر انعقاده في دوربان بجنوب أفريقيا من 31 أغسطس إلى 7 سبتمبر، ومحادثات الدول والمنظمات غير الحكومية التي ستشارك فيه تشهد صراعاً حاداً بين تيارين أساسيين. التيار الأول تقوده مجموعة الدول العربية والإسلامية والإفريقية وبعض بلدان أمريكا اللاتينية، ويهدف إلى جعل المؤتمر مفصلاً حاسماً لترسيخ مبدأ المواجهة والمحاسبة التاريخية للسياسات العنصرية والعرقية والاستعمارية التي ألحقت بالبشرية ولا تزال، خسائر فادحة وآلاماً متواصلة. وتيار آخر تقوده أمريكا واسرائيل وعدد كبير من البلدان الغربية يخططون ألا يتجاوز المؤتمر حدود الانعقاد واصدار بيان ختامي «يرضي جميع الأطراف»، دون ان يتطرق لجوهر المشكلة العنصرية، أو يلزم الدول التي أثْرت من آلام ملايين العبيد الأفارقة الذين شحنوا إليها، بدفع تعويضات مالية تقر مبدأ الاستحقاق التاريخي والاعتراف بالجرم، والتعويض عنه، ومن ثم اتخاذ خطوات جادة لانهاء العنصرية جوهر الفكر الاستعماري. الخلاف بين التيارين تبلور حول نقطتين أساسيتين، الأولى تتعلق بمطالبة الدول العربية والإسلامية بـ «مضاهاة الصهيونية للعنصرية» أي إعادة الاعتبار لقرار الأمم المتحدة الذي ألغي في عام 1991 ـ بمساعدة الدول العربية ـ والذي كان يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. والنقطة الثانية ترتبط بواحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الانساني ألا وهي «العبودية». وعلى الرغم من البعد التاريخي للقضية فإن الدول الافريقية ـ وهي محقة تماماً ـ تطالب بدفع تعويضات مالية للذين عانوا من نظام الرق الذي تعرضه له أفريقيا في العهود الاستعمارية. وهاتان النقطتان رفضت أمريكا ادراجهما على جدول أعمال المؤتمر، وأبدت استعداداً خجولاً لمناقشة الوضع في الشرق الأوسط، وإعلان اسفها للأفارقة على اتخاذهم عبيداً لقرون، دون ان يعني ذلك اعتذاراً أو التزاماً بدفع تعويضات مالية لهم. الفرز الحاصل بين تيارين متعارضين في المؤتمر لم يكن وليد الصدفة التاريخية أو عوامل تكتيكية أو انقساماً طارئاً بين كتلتين دوليتين. إنما إفراز تاريخي بين منهجين فكريين أو رؤيتين لماضي العالم وحاضره ومستقبله، والسؤال المطروح: إلى أي مدى تعد العنصرية جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الفكرية الغربية؟ سيطر مفهوم مركزية الغرب في الحضارة الانسانية على فلاسفة عصر التنوير في أوروبا، وفي ظل النهضة الحضارية للقارة الأوروبية وتحديداً منذ القرن الخامس عشر الميلادي وحركة الكشوفات الجغرافية والسيطرة العسكرية والمادية على العالم، أضحى مفهوم المركزية الغربية جزءًا أصيلاً في العقلية الأوروبية، وإذاكان هناك استثناءات ليست هينة أو بسيطة في داخل الفكر الأوروبي ترفض هذه المركزية، فإن الغالبية العظمى من الاكاديميين والمثقفين والسياسيين الغربيين على قناعة بأن الغرب وفي قلبه أوروبا هو مركز العالم، و من ثم المنتج الأوحد للقيم الانسانية، والمعيار الأساسي لاصدار «شهادة» المرور من عالم البربرية إلى عالم التحضر والمدنية. وهنا تحديداً يكمن الجانب الاستعلائي ـ الممهد الطبيعي لتبلور النزعة العنصرية في مرحلة لاحقة ـ في الثقافة الغربية، فمع ترسيخ مفهوم الهوية الغربية التي ترافقت مع اكتشاف أمريكا (وطرد المسلمين من الاندلس)، تجلت النظرة الاستعلائية في رؤية الغرب لذاته، ورافقها نتيجة قوته المادية وبريقه الفكري نظرة دونية للثقافات والشعوب غير الغربية، وهو ما شكل في مرحلة تالية البنية الرئيسية للعنصرية وما خلفته من مبررات أخلاقية تسمح للدول الاستعمارية بالهيمنة على شعوب العالم. اختلاف المفاهيم احساس الغرب بمركزيته وادراكه ان اسرائيل جزء من هذه المركزية، يدفعه للوقوف بشدة ضد أي محاولة لإدانة اسرائيل أو أي مسعى لوصم الصهيونية باعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية، ويعتقد البعض ان مفهوم جنوب أفريقيا يختلف عن مفهوم العنصرية لدى الفكر الأمريكي. فالعرب يرون ان العنصرية تعني التفريق والتمييز بين البشر بناء على «الهوية»، وبذلك يصبح التمييز بين الألماني والفرنسي وهما بيض البشرة أو بين المصري والهندي، وكلاهما أسمر البشرة شكلاً من أشكال العنصرية، لكن الفكر الأمريكي لا يرى في ذلك عنصرية، وإنما شكلاً من أشكال التفريق والتمييز الاثني، أما العنصرية فتعني في الفكر الأمريكي التمييز بين البشر على أساس لون البشرة بالأساس أي بين البيض والسود. ولا شك ان لذلك جذوراً تاريخية تعود إلى حاجة المجتمع الأمريكي الناشئ والمشكل من أعراق بيضاء بالأساس إلى توحيد جهودهم وتقليص الخلافات «العرقية» بينهم في مواجهة الآخر، سواء كان هندياً أحمر في البداية أو مكسيكيين ولاتينيين أو عبيداً سوداً في مرحلة أخرى، ولا شك ان تاريخ العبيد في أمريكا يجعل لون البشرة وارتباطه بالعنصرية نقطة حاكمة في العقلية الأمريكية. لكن الخلاف في التعريف لا يمنح الأمريكيين المشاركين في المؤتمر وهم على ادراك تام بهذه الخلافات أي مشروعية لمواصلة دعمهم لتل أبيب ورفضهم وصمها بالعنصرية، إذ ان الفقرة الأولى للاتفاقية الدولية لازالة جميع أشكال العنصرية (1965) حددت التفرقة العنصرية على أساس انها «أي تمييز أو استبعاد أو فرض قيود أو منح أفضليات بسبب الجنس أو القومية أو الأصل العرقي والذي يكون الغرض منه أو نتيجته إلغاء أو اضعاف الاعتراف بحقوق الانسان وحريته الأساسية في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية أو غير ذلك في مجالات الحياة العامة». ولا شك ان القوانين الاسرائيلية وفي مقدمتها قانون العودة الصادر عام 1950 ينطبق عليه تماماً هذا التعريف، ومن ثم فالعنصرية وفقاً لتعريفات الاتفاقية الدولية والقوانين الصادرة في اسرائيل لتنظيم علاقة اليهود بغير اليهود، تبرهن على عنصرية الدولة العبرية ليس فقط في مواجهة الآخر، بل تمتد لتطال في بعض جوانبها اليهود من أصول شرقية. معوقات عربية على الرغم من العدوان العنصري السافر الذي تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، فإن واشنطن تصر على مواصلة دفاعها عن تل أبيب وعدم السماح للمجتمع الدولي بتوجيه أي نقد حقيقي لها. وبصرف النظر عن موقف أمريكا واعتقادها انها بحماية اسرائيل تضمن حماية مصالحها في المنطقة! فإن السؤال المطروح الآن يتناول ذلك التخاذل العربي وسعي البعض للقيام بدور الوسيط بين وجهة النظر الأمريكية الرافضة لمضاهاة الصهيونية بالعنصرية والجمعيات العربية والاسلامية غير الحكومية المصرة على التمسك بموقفها من اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، بغض النظر عن تهديد أمريكا واسرائيل بمقاطعة المؤتمر أم لا، فبحث بعض العرب عن أرضية مشتركة «ترضي جميع الأطراف» أمر مثير للدهشة في تلك المرحلة التي لا تحتمل المهادنة أو التردد في فضح الصهيونية كايديولوجية وممارسة يومية ضد الشعوب العربية. إن البحث عن قواسم مشتركة لارضاء الأمريكيين ودفعهم للمشاركة يعني مواصلة العرب تخليهم عن الحد الأدنى من حقوقهم القومية والوطنية في مواجهة الصلف الصهيوني. فلا يمكن لواشنطن ان تكون المحدد الفعلي لمايمكن بحثه في المؤتمر الدولي القادم حول العنصرية وما يجب ان يكون خارج نطاق البحث والتداول. إن الصيغ الدبلوماسية ذات الطابع العائم الغائم التي تجعل كل المشاركين يعودون إلى أوطانهم سعداء يفسرون البيان الختامي بما يحلو لهم، لن تكون مجدية للدفاع عن الحقوق العربية. وهو ما يلقي بمسئولية ثقيلة على عاتق المنظمات غير الحكومية العربية والإسلامية المشاركة في المؤتمر لتعرية التحالف الأمريكي الصهيوني السافر، ويتطلب الانصاف ان تساهم الحكومات العربية طالما عجزت عن القيام بدورها في مواجهة الصهيونية بتسهيل السبيل على المنظمات غير الحكومية لأداء هذا الواجب، حيث يعجز بعضها عن توفير نفقات سفر ممثليه للمشاركة في المؤتمر. ثورة العبيد ولربما أتاح المؤتمر فرصة تاريخية لا تعوض للكشف عن واحد من أقبح أوجه الصلف الغربي في التعامل مع الآخر، فقضية عنصرية الصهيونية تتداخل مع موضوع الرق ودفع تعويضات عن مظالمه التي سحقت ملايين من أبناء افريقيا. ومن ثم فإن المؤتمر يتجاوز الصراع العربي الاسرائيلي، ليضحى نزاعاً أمريكياً مع الكتلة الرئيسية لبلدان العالم الثالث. لكن اليمين الأمريكي لا يرفض فقط الاقرار بتلك الجريمة التاريخية وتعويض القارة السمراء عنها، بل وصل الأمر ببعض المفكرين والسياسيين اليمينيين في أمريكا إلى اعتبار جريمة الرق نموذجاً ايجابيا لالتقاء الشعوب والثقافات باعتبارها عاملاً فعالاً في ظهور ذلك التنوع الثقافي الذي تتمتع به أمريكا وما يمثله من اسهام في اثراء الثقافة الانسانية عموماً، وينسى أو يتناسى أصحاب هذه الدعوة ان تجار العبيد وملاكهم لم يفكروا في أي لحظة من اللحظات بمنهج تبادل الثقافات أو حتى تبادل المنافع، وربما كانت نظرتهم لخيولهم أكثر رقياً من نظرتهم لعبيدهم، ناهيك عن تفاعل ثقافي معهم، فيجب ا لتصدي بقوة لمحاولة الغرب التهرب الأخلاقي من جريمته بتصويرها على انها عمل حضاري، والعمل على فضح زيف ادعاءاته في كافة المنتديات والمؤتمرات الدولية. ولا شك ان ذلك سيخلق أرضية قوية للعمل السياسي المشترك مع افريقيا التي تشهد تراجعاً في مواقفها الداعمة للحقوق العربية بعد ان اخلى العرب الكثير من مواقعهم في القارة لاسرائيل وانصارها. إن التهديد الأمريكي والاسرائيلي بمقاطعة المؤتمر لا يجب ان يقلق أحداً، ولا يجب ان يثنينا عن التمسك بدعوتنا بمضاهاة الصهيونية للعنصرية، والمطالبة بحق الأفارقة في الحصول على تعويضات مالية لما تعرضوا له من اضطهاد باختطاف اجدادهم واتخاذهم عبيداً. فالمساومة على المبادئ لن تقود إلى تحقيق الاستقرار كما يعتقد الداعون إلى الوصول إلى نقاط التقاء مشتركة من أجل انجاح المؤتمر، فالحقوق الثابتة للعرب والأفارقة لن تسقط بالتقادم والتسوية الواهية ستقود إلى مزيد من تفاقم الوضع وتدهوره. وليقف الضعفاء ويقولوا كلمتهم ويمشوا خيراً لهم ألف مرة من مشاركتهم في مؤتمر تنوي واشنطن ان تنتزع خلاله صكاً دولياً بمواصلة مساندتها لاسرائيل والتغاضي عن جرائمها التاريخية في حق ملايين الأفارقة. بقلم: هشام بدوي ـ كاتب وإعلامي مصري