لم يعد هناك متسع للحزن، رغم المساحات الجغرافية الهائلة، عند قارتي آسيا وأفريقيا، أو مكان للندب على الأطلال التي تذكرنا بماض أليم لم يحمل لنا يوماً، إلا الويلات والعبودية والمذابح، ورائحة البارود المنقول على الحاملات البحرية من على سطح كل المحيطات، والبحار والمعابر المائية. لكن رغم الصورة القاتمة المفعمة برائحة الظلم واليتم، بقيت شعوب القارتين المنكوبتين منذ أول التاريخ وحتى هذه اللحظة التي نعيش، تراهن على المتغيرات الكونية، لعل وعسى أن تأتي اللحظة التي تنصفهم، أو على أقل تقدير، تعيد لهم ولو جزءاً يسيراً من كرامتهم ودمهم الذي لا يزال مباحاً بين العبودية الحاقدة المفعمة برائحة العنصرية المقيتة، والاحتلال القائم على القهر والاستلاب والامتهان والنهب والسرقة، حتى على قارعة طرقات مدنهم وقراهم وتلالهم، وتحت سمائهم وبين نسيمات هوائهم.. الخ. وليس جديداً أو غريباً على أحد منا، إذا ما قلنا أنه منذ اللحظة الأولى التي تم فيها تحديد ساعة انعقاد المؤتمر الدولي لمكافحة العنصرية في جنوب أفريقيا في دوربان، اعتقدنا بأننا سنحمل كل ويلاتنا وأوجاعنا إلى هذا المنتدى العالمي، في ظل أجواء انتفاضة الأقصى وما تحمله على جنباتها من أشكال الاستنكار لما يجري داخل فلسطين. بل أكثر من ذلك، وجدنا نحن العرب والمسلمون ومن يناصرنا من دول مكلومة ذاقت مرّ الهزائم والاستعمار مثلنا، بأننا أصبحنا نقف على عتبة صلبة، قد تعيد لنا الاعتبار ثانية، بعد أن خسرنا الجولة في ظل لحظة عاصفة اجتاحت أروقة الأمم المتحدة في العام 1991 ونجحت نجاحاً ساحقاً، في وأد القرار 3379 الذي كان قد اتخذ في 10 نوفمبر عام 1975. تزييف الحقائق لكن وعلى ما يبدو فإنه منذ اللحظة الأولى لطرح أجندة المؤتمر على شكل اقتراحات، أثارت حفيظة الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، لما لهذه النقاط أو البنود المثارة من حساسية مفرطة عند الغرب، تقض مضجعه حتى لمجرد طرحها في سياق تاريخي، يخص هذا البلد أو ذاك إن كان من آسيا أو أفريقيا فالأمر سيان، كونه شريكاً متساوياً وعلى قدم المساواة في العديد من الممارسات التي أدت لتلك المظالم الهائلة، بداية بالعبودية وانتهاء بالاستعمار وما خلفه من مظالم، لا تزال آثارها ماثلة للعيان حتى هذه اللحظة. ولعل الانقسام الذي حصل قبل ثلاثة أسابيع من انعقاد مؤتمر دوربان حتى هذه اللحظة يعبر عن مدى، أو إذا شئت، عمق الخلافات حول كل القضايا القابلة للبحث في قاعات المؤتمر وردهاته. فإذا كان هناك تقدم بسيط بشأن مسائل الرق والعبودية والمتاجرة بها والاستعمار، فيما تبدي الولايات المتحدة والدول الأوروبية تحفظات شديدة في هذا الشأن بسبب التعويضات المحتملة لضحايا هذه الممارسات من الدول التي أفادت منها، فقد وجدت قضية الشرق الأوسط والصراع العربي ـ الإسرائيلي، على الرغم من أن هذه القضية تلقي بظلالها على كل مراحل المؤتمر بداية من التحضير وانتهاء بالبيان الختامي الذي سيصدر عن هذا المؤتمر الذي سيعقد من 31 أغسطس وحتى 7 سبتمبر في جنوب أفريقيا موانع كبيرة وخطيرة تمثلت في بعض المواقف التي رفضت إدراجها على جدول أعمال المؤتمر بهدف تحييدها لتبقى في حيز محلي محض باعتبار أن هناك موقفين يتعذر التوفيق بينهما، البعض يرى ضرورة التطرق إلى هذه المسألة، والبعض الآخر يواجه ذلك برفض مطلق حتى ولو بشكل غير مباشر، بينما يرى عدد من الدول العربية، ضرورة إدراج الصهيونية على جدول أعمال المؤتمر باعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية. وهذا بدوره دفع واشنطن، التي لا يعنيها كثيراً قضايا الجوع والفاقة والأمراض والأوبئة والكوارث والفقر على المستوى العالمي، إلى التهديد بمقاطعة المؤتمر إذا ما أدرج الموضوع على جدول الأعمال، لتعيد للأذهان ذات الطريقة التي استخدمتها في المؤتمرين السابقين عام 1978 و1983، اللذين عقدا بجنيف وأكدا قرار سنة 1975 حيث فضلت الهروب بغيابها عن المؤتمرين، لأنها لا تملك حق استخدام الفيتو في الجمعية العامة للأمم المتحدة والندوات المنبثقة عنها، لذلك تهدد بالانسحاب على الدوام لأنها تفتقد القدرة على مواجهة المجتمع الدولي بما لا تستطيع الدفاع عنه. ولم يمنع غياب الولايات المتحدة عن المؤتمرين بلوغ أهدافهما واتخاذ قراراتهما. لذا فتهديد الولايات المتحدة الأمريكية بتغيبها هذه المرة عن مؤتمر «دوربان» لن يضر المؤتمر في شيء. فالغائب كما يقول الفرنسيون هو المخطئ دائما، وليس كما يقول العرب: حُجته معه. مأزق مزدوج لكن وبصرف النظر عن انكفاء الأماني والتطلعات ولو بشكل جزئي التي أبدتها الكثير من الدول الأفريقية والآسيوية، لما قد ينتج عن هذا المؤتمر، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى أمام مأزقين حادين لا يمكنها تجاوزهما، أولهما يتمثل في اعتراف اسرائيل، ومن خلفها بكل تأكيد الولايات المتحدة، بفشل مساعيها لإبعاد المؤتمر الدولي ضد التفرقة العنصرية عن إدانتها. وقد جاء هذا الاعتراف على لسان نائب وزير الخارجية الإسرائيلية، الحاخام ميخائيل ملكيئور. ومعروف أن اسرائيل بذلت جهودا جبارة لدى الولايات المتحدة وأوروبا والعديد من أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لتلافي إمكان إعادة وضم الصهيونية بالعنصرية من جهة، وتحميل اسرائيل مسئولية الجرائم التي يرتكبها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة من جهة أخرى. وتنظر اسرائيل بخطورة بالغة إلى هذا المؤتمر في هذا الوقت بالذات، لان المؤتمر، يعقد في ظل تزايد الوعي الدولي بتداخل القضايا الإنسانية وترابطها، وازدياد محاولات التشريع الداخلية في العديد من البلدان المتقدمة لـ «عولمة» القانون. بالمقابل لا بد من التنويه، بشيء من الغرابة، بأن كلا السببين لا يبرر موقف أوروبا ولا يمنحها العذر في الانحياز المطلق إلى الولايات المتحدة زعيمة جبهة الرفض، إذ أن هذا الشعور بالذنب لا تستفيد منه إلا اسرائيل، وتستغله أشنع استغلال لتتمادى في فرض عنصريتها على العرب وشعب فلسطين دون رادع، ولتواصل تحدي المجتمع الدولي بكبرياء وصلف، ولان الشعوب المستعمَرة من حقها على أوروبا أن تطالب بإصلاح ما ارتكبته، وتحصل منها على تعويضات عن الأضرار. ومهما يكن سخاء هذه التعويضات فلن يداوي الجرح المؤلم الذي لا تزال تعاني منه إلى اليوم الشعوب التي سبق أن خضعت لاستعمار أوروبا أكثر من قرنين من الزمن. مفاعيل جديدة ولعل ما قاله النواب الأوروبيون في المؤتمر التحضيري، أن الأوروبيين على استعداد لان يعبروا للأقطار المستعمَرة سابقا عن أسفهم لما حدث، ولكن ليسوا مستعدين لا للاعتذار ولا لتقديم تعويضات لا يبرئ أوروبا من دماء الشعوب المستعمرة من قبلهم، بل يعتبر لزاماً عليهم بعد أن أبدوا الاستعداد للأسف عن أفعالهم، أن يستتبع ذلك دفع الضريبة المستحقة لشعوب اضطهدت، لم يكن لها حول ولا قوة إزاء هذا العمل الذي يندى له جبين التاريخ. كما أن ذلك لا يعفيهم من التهرب في كواليس المؤتمر التحضيري، الذي عللوا من خلاله، معارضتهم لتسجيل نقطة مضاهاة الصهيونية للعنصرية بذريعة أن ذلك سيزيد اسرائيل عزوفا عن العودة إلى مفاوضات السلام، لأنها وحسب اعتقادهم الهش، لا تقبل التفاوض تحت الضغط. لكن الحقيقة هي أن وراء موقفهم وتهربَهم، نقطة واحدة لا غير تتمثل في خوفهم، من إلزام المؤتمر إياهم دفع التعويضات في الوقت الذي ما زالوا يطالبون قارة أفريقيا البائسة بإرجاع الديون المترتبة عليها لها بعد كل النهب المنظم من القارة. وهنا لا بد من التنويه أن من اعتبر المؤتمر، بمثابة أجنة ماتت قبل الولادة، أو قضايا وجرائم أصبحت في ذمة التاريخ، هم واهمون، استناداً إلى انه لا يضيع حق وراءه مطالب مهما طال الزمن. والاهم من كل ذلك، أنه لمجرد انعقاد المؤتمر الذي سيحضره 12 ألف مندوب ومسئول حكومي من 194 دولة، والمؤتمر الغير حكومي الذي ينعقد في الفترة من 26 وحتى 31 أغسطس الحالي وتحضره وفود وقيادات أكثر من ثلاثة آلاف منظمة غير حكومية، أو بمن حضر، انتصار لكل الشعوب المضطهدة على مساحة هذا العالم، وأنه قبل انعقاده قد أرسى جملة من الحقائق تتمثل في: أولاً: قد خفف من ذريعة حقوق الإنسان التي تستخدمها الولايات المتحدة بشكل انتقائي خاصة بعد اختلال التوازن العالمي الحاصل في هذه المرحلة التاريخية بالذات، وهذا بحد ذاته سيضعف أحد أسلحتها الحادة ضد الكثير من دول العالم الثالث، خاصة التي تطلق عليها الدول المارقة. وسيزيد من التفكير الجماعي على المستوى الكوني، في ضرورة الخروج من تحت العباءة الأمريكية. ثانياً: يجب الاعتراف، أن هذا المؤتمر قبل أن يعقد خلق مفاعيل أمريكية داخلية، وأن موقف الأمريكية ـ الأفريقية سينسيا ماكيني الذي انتقدت من خلاله الرئيس الأمريكي جورج بوش، بالقول: «إن البيت الأبيض غير مهتم بمكافحة العنصرية».. وردت على حجج البيت الأبيض الذي قال أن فتح باب التعويضات سيفتح سجلات أغلقت قبل أكثر من 200 سنة. وردت على تساؤل بوش، من يدفع لمن ؟ بأن واشنطن لم تتردد في تعويض المنحدرين من أصل ياباني عن المعاملة العنصرية التي تعرضوا لها خلال الحرب العالمية الثانية، حين احتجزوا في « مخيمات عنصرية» على أسس عرقية. ولعل هذه الأفكار والقناعات التي تتفاعل داخل المجتمع الأمريكي، هي ذاتها التي أثارت التوتر بين ممثلي اليهود الأمريكيين وسود أمريكا، وبالتحديد تحت قبة الكابيتول (مبنى الكونجرس) في نطاق المواقف الرسمية الأمريكية التي مارست ضغوطاً على الأمم المتحدة وماري روبنسون مفوضة حقوق الإنسان، وشريكة نلسون مانديلا في وثائق المؤتمر الذي ترعاه في جنوب أفريقي. إن حصيلة ذلك كله تؤكد أنه بات لزاماً على جميع الدول المتضررة، أن تحافظ على وحدة الموقف ووحدة الهدف الذي من أجله عقد المؤتمر، وأن لا تسمح للرشاوى الشكلية المقدمة لهذا الطرف أو ذاك من خلف الستارة بشق صفوفها، كما بات مطلوباً أكثر من أي وقت سابق، من الدول العربية ألا تتنازل عن حقوقها المشروعة، بالترافق جنباً إلى جنب مع التنديد وفضح ازدواجية المعايير والأمثلة أكثر من أن تحصى، وأن أي تنازل سوف يصب وبكل تأكيد في مصلحة الطرف الآخر، دون إسقاط أن الطريق إلى جهنم مليئة بأصحاب النوايا الطيبة. بقلم: عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني