في مواجهة الضغوط الأمريكية والصهيونية ، صرحت وزيرة خارجية جنوب أفريقيا دلاميني زوما، أن أي شكل من أشكال التمييز خصوصا فيما يتعلق بالعنصرية، سيكون في نطاق البحث، وأضافت الوزيرة أنه (ليس من السهل حذف «مساواة الصهيونية بالعنصرية» قبل تواجد اجماع على تكريسه أو ما يحل محله). ومن المعروف ان مؤتمري عام 1983 وعام 1987 اللذين سبقا مؤتمر دوربان الواقع في هذه الفترة 9/8 ـ 31/8 كانت قد ركزت على دولتين تمارسان التمييز والعنصرية وهما جنوب أفريقيا وإسرائيل، فبعد نجاح النضال ضد نظام الأبارتيد والتطهير العرقي في جنوب أفريقيا بقيت إسرائيل الصهيونية ثابتة على عهدها بالفصل والتطهير والحصار الاقتصادي ونسف البيوت والمعاقبة الجماعية والطرد والاذلال للسكان والعزل عبر الكانتونات وسن القوانين العنصرية وممارسة التعليم العنصري والتمييز العرقي بين اليهود أنفسهم. كل ذلك تحت نظر الضمير الغربي الذي مارس كل ذلك في عصوره الاستعمارية تجاه اليهود أنفسهم في أوروبا، وكأن ذلك أدى إلى أن يدفع العرب ثمن خطاياهم بإحتلال فلسطين عبر الاستعمار الصهيوني العنصري وطرد أهلها حتى تتحقق فريتهم وأكذوبتهم المفضوحة، (وطن بلا شعب لشعب بلا وطن). كما كان لأصحاب الضمير الغربي هذا تاريخ في النهب والسلب والتفرقة والتمييز والاستعباد لكل ما هو أسود في قارة افريقيا وحتى الآن يشهد سوء الولايات المتحدة الأمريكية على تلك السيرة الاستعلائية، كما تشهد حوادث التمييز في أوروبا ضد ما هو أجنبي: عربي - تركي - أصفر (حسب التعبير المتداول) على هذا الضمير غير المعذب حتى الآن رغم الرطانة المستخدمة من قبلهم عن حقوق الإنسان والعهد الدولي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ورغم لجان تفتيش الكونجرس الأمريكي، الخ. اعترافات صريحة وتعريف العنصرية بسيط وواضح في كل القواميس المتداولة - وبالذات في الغرب - (احتقار واضطهاد جماعة من الناس والتمييز ضدها بسبب الدين أو اللون أو العرق)، وتعريف الاستعمار أيضا بسيط واضح وفي نفس تلك القواميس (السيطرة والنهب المنظم من قبل دولة أو دول لثروة شعب ووطن آخر عنوة تحت تهديد قوة الاحتلال أو بوسائل الهيمنة). فإذا كان ما يحدث في فلسطين وعلى أيدي الحركة الصهيونية وإسرائيل تعبيرها المؤسساتي من قتل وتشريد وحصار وتجويع وتمييز وتفرقة وطرد وإحلال هو بمثابة استخدام مفرط للعنف - كما يطنطن الغرب بإعلامه وتصريحات مسئوليه. إذن فماذا تفسر عنصرية الفكرة الصهيونية وبماذا تفسر عنصرية الممارسة الاحتلالية الصهيونية؟! وقد كان (أحاد هاعام) صهيونيا صريحا عندما قال: ان اليهودية سبقت النيتشوية بعدة قرون. وكان ذلك في تعليقه على كتاب نيتشه (إعادة تقييم القيم) وفيه يقول أيضا: لو كان نيتشه يهوديا وليس ألمانيا لأختار رجله المتفوق من بين اليهود بعد أن يكون قد أضفى عليه المسحة الاخلاقية. وليس هناك من حاجة لخلق نيتشوية يهودية لأنها موجوده منذ قرون. فأتباع رجلها المتفوق خاضعا للرجال العاديين وهم أنفسهم الصهاينة المتمسكون بنقاء العنصر، فها هو الزعيم الصهيوني الأمريكي لويس براندي يقول: (إن الزواج المختلط كان محدودا جدا. لذلك فإن نسبة الدم الأجنبي لدى اليهود اليوم منخفضه جدا). وزعم هيس في كتابه (روما والقدس) أن العنصر اليهودي بقى غير مغشوش، فالأنوف اليهودية لايمكن أن يطرأ عليها أي تغيير، كما أن الشعر اليهودي الأسود المتموج لايمكن أن يتغير. إن تلك الملامح اليهودية تنم عن تعابير (روحية جميلة). ومن أجل تبرير الاحتلال كان لابد من الاختلاق. وجزء من الاختلاق هو البحث عن رابطة ما بين اليهود القدامى والإسرائيليين القدامي وبين الإسرائيليين الجدد الذين جاءوا إلى فلسطين غزاه محتلين طاردين بني شعبها الأصلي وهنا كان الحديث عن وحدة ونقاء العرق اليهودي. وقد أشار هرتزل إلى ذلك في كتابة (الدولة اليهودية) إن اليهود بقوا شعبا واحدا وعرقا واحدا ومتميزا، إن قوميتهم المتميزة لايمكن ولن. ويجب أن لا تقوض. لذلك. لا يوجد غير حل واحد فقط للمسألة اليهودية هو (الدولة اليهودية) كما عبر ن. سوكولو رئيس المنظمة الصهيونية عن وجهة النظر العنصرية بقوله: (تشتمل الطبيعة على أجناس مختلفة، فالصقر لا يجهد نفسه من أجل السمك، ولا الأسد من أجل القطة. أنظروا إلى الأشجار، وإلى سنابل القمح المنتصبة، هل كانت لتنمو بهذا الشكل الرائع، وهل كانت لتكبر بمثل هذا الغنى وهذه النضارة، فيما لو تم خلطها بالقوة، وامتصت الواحدة منها رحيق الأخرى). أما بالنسبة لموسي هيس (فإن النوع اليهودي ليس فقط موهوبا بذكاء وثقافة مسيطرين، ولكنه أيضا متفوق في تغليب الحب الحقيقي الأمومي على الحب الجنسي، فهو الوحيد القادر على أن يفسح مجالا للحب الحميم تجاه العائلة وهو القادر على الإرتقاء الروحي) فهذا الشعب القادر على الإرتقاء الروحي هو نفسه الذي قال منظره الأول والداعي لتأسيس كيانه على أرض فلسطين هرتزل (كل ما هو عاجز عن البقاء يمكن أن يدمر، سوف يدمر، ويجب أن يدمر) وهو القائل: (القوة تتقدم على الحق و(إن الاخون الإنسانية لا تمثل حلما جميلا) وكل ما يخص العلاقات بين الدول والأمم هو مسألة قوة، و(أنني أرى من الجنون حل المشاكل بواسطة الاستفتاء الجماهيري). وهكذا كان قادة إسرائيل اليوم أشبالا من أسد هرتزل!! أدلجة الدين وللحقيقة فيجب أن يعلم القارئ أن عنصرية الصهيونية لم تكن وليدة الاضطهاد الأوروبي والتأثير النيتشوي والنازي فقط إنما كانت أقدم من ذلك بكثير إنها وليدة التأويل السياسي للتوراه أو وليدة أدلجة التوراه وتوظيفها السياسي في الصهيونية، لذا كان من الطبيعي أن تكون الصهيونية أيديولوجية عنصرية. لقد ظل الدين اليهودي لفترة طويلة منذ القرن الثاني قبل الميلاد حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي هو العامل الرئيسي في توجيه الحياة اليهودية وبالتالي في توجيه حياة اليهود كبشر وأفراد وجماعات، لذا كان من الطبيعي أن تتفاعل الاحتياجات البشرية مع تلك الأفكار وتكيفها حسب الحاجة للحياة والظروف الحاكمة، وذلك بالإضافة إلى أن اليهود لم يسجلوا ويدونوا ما يمتلكوه وما عاشوه من أقوال ومأثورات عن موسى النبي إلا بعد الف عام. أي بعد السبي البابلي ولعل هذين المدخلين. مدخل الحياة والتماذج بين البشر اليهود، وبين التوراه لما يقرب من عشرين قرنا تقريبا عاش فيها الكتاب التوراتي موجها ومرشدا وملبيا لاحتياجات اليهود، المدخل الثاني عدم التدوين الفوري أو القريب لأحداث وأقوال موسى النبي إلا بعد ألف عام. لذا كان من الطبيعي أن نجد نصوصاً عنصرية كاملة تنفي عن صفات الله العدل والحق بل تسند إليه التحيز والتمييز. حيث جاء في (سفر العدد) (إن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكا في عيونكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم). وفي (سفر التثنية) متى أتى الرب الهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد أصحابها من أمامك وضربتهم فإنك تحرقهم (تبيدهم). لا تقطع لهم عهدا ولا تشفق عليهم). وفي النظرية الصهيونية ومن كتاب هرتزل (الدولة اليهودية) نقرأ إن هذه الدولة اليهودية في فلسطين ستشكل جزءا من حصون أوروبا ضد آسيا، وستكون موقعا أماميا للحضارة ضد البربرية). والذين جاءوا لاحتلال فلسطين تحت حجة وذريعة أنهم موقع أمامي للحضارة ضد البربرية هم الذين نشروا الإرهاب بذبح قرى بأسرها، كما حدث في دير ياسين وقبية والقدس ويافا واللد والرملة وغيرها، حيث لاذت آلاف العائلات بالفرار من جراء تلك المذابح وتركوا أرضهم وممتلكاتهم، عندئذ صدر مرسوم الطوارئ بشأن ملكية (الغائبين) في 1948، وقد أصبح قانونا في عام 1950، واعتبر كل الفلسطينيين الذين غادروا ديارهم قبل أول أغسطس 1948 من (الغائبين) وعلى هذا النحو صودر 70 ألف هكتار من 110 آلاف مملوكة للعرب أي ثلث الأراضي. وهكذا تم تجسيد شعار (الأرض اليهودية) تقنين العنصرية ولم يكن شعار (العمل اليهودي) أقل فتكا من شعار الأرض اليهودية، حيث كانت الصهيونية حريصة من البداية على عدم توفير العمل إلا لليهود، حيث ظل الهستدروت (إتحاد نقابات العمال العبريين في أرض إسرائيل) يرفض قبول عمال عرب في صفوفه حتى عام، 1966، وتسود نفس الروح الاستعمارية العنصرية عبر تهميش والغاء الثقافة العربية وعبرنة الثقافة السائدة وها هو أوري لوبراني يقول (لاريب أن من الأفضل ألا يكون هناك طلاب عرب). وحين سئل الجنرال دايان عن مقدرة إسرائيل على استيعاب السكان العرب وبالذات بعد ضم الأراضي بعد 1967. قال إننا قادرون من الناحية الاقتصادية، ولكنني أعتقد أن هذا لن يتماشى مع خططنا المقبلة. ذلك أنه لن يتمخض عن دولة يهودية بل عن دولة مزدوجة القومية ونحن نسعى إلى دولة يهودية. ويكشف الدكتور (إسرائيل شاهاك) رئيس الرابطة الإسرائيلية لحقوق الإنسان والاستاذ بالجامعة العبرية بالقدس في كتابه (عنصرية دولة إسرائيل)، ان إسرائيل مدنا كاملة يمنع فيها رسميا سكنى غير اليهود (الكرمل. الناصرة. ايليت. هاتزور، أرداميتزب، رامان) وغيرها. ومن المعروف أن النظام العنصري الصهيوني في (إسرائيل) يخضع العرب الواقعين تحت الاحتلال لكافة صنوف التمييز، حيث يعتمد الأساس القانوني لهذا التمييز بشكل رئيسي على قوانين الطوارئ التي أصدرتها الحكومة الإسرائيلية استنادا إلى قانون ومرسوم الإدارة رقم 5708 لعام 1948 وقانون الطوارئ (مناطق الأمن) التي أصدرتها دولة الاحتلال البريطاني في عام 1945 وهي تخول وزير الدفاع الحق في إقامة (مناطق آمنة) ونقل إدارتها إلى الحاكم العسكري الذي يتمتع بسلطات غير محدودة، فمن سلطته مثلا أن يخضع الشخص لرقابة الشرطة وأن يحدد إقامته في مكان معين وأن يسجنه دون توجيه إتهام أو محاكمة لفترة غير محدودة، أو أن يطرده من البلاد، وأن يصادر الملكية الخاصة لأي شخص، الخ. كما يعترف قانون العودة بحق كل يهودي في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على الجنسية في حين لايسمح للاجئين العرب المولودين في البلاد بالعودة لديارهم. ويتسم قانون الجنسية بنفس الروح العنصرية، فاليهود يصبحون أتوماتيكا مواطنين أما العرب فلابد من إجراءات للتجنس ليصبحوا إسرائيليين. بعد كل ذلك أليس من الطبيعي أن ترى ما نراه في قتل وذبح للعرب الفلسطينيين على أيدي صهاينة العصر الحديث، الألفية الثالثة، كما أنه من الطبيعي أيضا أن يجدوا كل الدعم من قبل الإمبريالية القادمة على سنوات الألفية الثالثة بالتفوق التكنولوجي. الإمبريالية الأمريكية - كما تنادي وتصرح علنا بعض المنابر والأصوات الأمريكية الآن. فليس غريبا على مستوطني أمريكا وقاتلى الهنود الحمر والعنصريين في مواجهة السود الأمريكان أن يؤيدوا بكل قوتهم الممارسات العنصرية الصهيونية. كما أنه ليس غريبا أن تسمع تصريحات الحاخام الأكبر لطائفة السفارديم عوفاديا يوسف عن الفلسطينيين الأفاعي، والاسماعليين العرب الذي ندم الله على خلقهم. بعد كل ذلك أليست الحركة الصهيونية ودولتها (إسرائيل) استعمار عنصري يقوم على الاحتلال والطرد والتشريد والتمييز العنصري. ما هي إذن العنصرية وما هو الاستعمار. عالم عجيب وغريب!! بقلم: أمين اسكندر ـ كاتب مصري