كل ما أخشاه ان يتهم العرب بالعنصرية في مؤتمر دوربان؟! وقد يأتي هذا الاتهام لأنهم سيحاولون بشكل من الاشكال اعادة احياء القرار الدولي 3379 لعام 1975 الذي يؤكد ان الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية والاصح هي العنصرية. ولعل هذه الخشية تأتي من «مكتوب يظهر عنوانه» وتتوضح معالمه «فماري روبنسون» المفوضة العليا لشئون حقوق الانسان في الامم المتحدة استجابت لرغبة اسرائيل والادارة الامريكية وأدلت اخيرا بتصريحها (اللانساني)، وهي شخصية كبيرة في شئون حقوق الانسان حينما قالت: «انه من غير المقبول اعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية» وتابعت انها «وبعد تفكير عميق اعتبرت انه لا مجال لتجاهل دوربان معاناة شعوب الشرق الاوسط، ان الوضع ميدانياً لم يبلغ ابدا هذا الحد من الخطورة.. معاناة الشعب الفلسطيني وكون الاسرائيليين انفسهم ضحايا العنف وانعدام الامن». فهل يمكن لنا ان نتصور حقيقة ما قالته ماري روبنسون؟ لنلاحظ بداية انها لم تقبل اعتبار الصهيونية شكلا عنصريا، واذا ما سلمنا بأن هذا رأيها الخاص فهل يمكن ان يمتد هذا الرأي لان تقول معاناة الشعب الفلسطيني وبالمقابل الاسرائيليين هم ضحايا العنف وانعدام الامن؟! ان التحليل المباشر يوحي بأن الفلسطينيين هم من يقصف اسرائيل بالطائرات والدبابات والمدافع!! لذلك كانت الخشية من اتهام العرب بالعنصرية ما دام الفلسطينيون ما زالوا في رأي الولايات المتحدة ارهابيون!! فهل يمكن لأي عقل موضوعي ان يتخيل هذه المعادلات المتداخلة والواضحة برأي روبنسون وواشنطن؟! حقائق التاريخ ان مجرد النظر في الايديولوجية الصهيونية باستنادها التوراتي التلمودي قد يعطي صورة واضحة لروبنسون وغيرها ان لم تكن تشاهد مجازر شارون، والمنطق يفرض علينا ان نتكلم بلغة روبنسون نفسها بما انها مفوضة عليا لحقوق الانسان في الامم المتحدة، فقد عرفت هذه المنظمة العنصرية في الاتفاقية الدولية لازالة جميع اشكال التفرقة العنصرية وبالتحديد عام 1965 بالتالي وهو «اي تمييز او استبعاد او فرض قيود او منح افضليات بسبب الجنس او القومية او الاصل العرقي، والذي يكون الغرض منه او نتيجته الغاء الاعتراف بحقوق الانسان وحرياته الاساسية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية او غير ذلك من مجالات الحياة العامة». ولنفترض هنا ان الصورة التلفزيونية لمجازر الاسرائيليين غير مقنعة بالنسبة لروبنسون ومن تمثله، لذلك سنحاول اعطاءها صورة مكتوبة عن الصهيونية وفهمها التلمودي وبناء هذا الكيان على اساس الثقافة التوراتية المحرفة. ونبدأ مباشرة بسفر التثنية وكيف يمارس حاليا على الارض الفلسطينية في سبيل اخضاع شعبها بعد تجويعه، ونقرأ في هذا السفر: «اما الشجر الذي تعرف انه ليس شجرا يؤكل منه فإياه تتلف وتقطع وتبني حصنا على المدينة التي تعمل معك حربا حتى تسقط»! وقطع الاشجار الذي تمارسه الصهيونية الآن يعتبر اولا انتهاكا لحقوق الغير وثانيا عدم اعتراف بالحقوق الاقتصادية لهذا الشعب. ولننتقل الى سفر صفنيا (الاصحاح الثالث) حيث يقول: «قومي ودوسي يابنت صهيون، لأني أجعل قرنك حديدا وأظلافك اجعلها نحاسا فتسحقين شعوباً وأحرم غنيمتهم للرب وثروتهم لسيد كل الارض». ولنقارن بالواقع، فبنت صهيون لا شك الصهيونية التي لا تريد ان تعترف بعنصريتها، اما كيف تدوس فهي تفعل ذلك الآن بدباباتها وجرافاتها وبهدم البيوت فوق رؤوس اصحابها. اما (قرنها الحديد) فهو سلاحها وطائراتها و(أظلافها النحاس) فهي طلقاتها وقذائفها، وغنيمتها فهي سرقة الاراضي واحتلالها، وسيد كل الارض برأيهم هو شعب الله المختار كما يصورون انفسهم فهل هذا ايضا لا يتناقض مع تعريف العنصرية؟! ولنتابع التكوين الثقافي الاساسي للصهيونية كما جاء في سفر التثنية: «فضربا تضرب بسكان تلك المدينة بحد السيف، وتحز بكل ما فيها من بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها، وتحرق بالنار المدينة، وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك فتكون تلاً إلى الأبد لا تبني بعد». وأمام الواقع ألا يفعل الصهاينة ذلك؟ ألم يضربوا بمختلف أنواع أسلحتهم دون تمييز؟ ألم يدمروا ويحرقوا البنية التحتية للاقتصاد الفلسطيني كمفهوم للأمتعة ناهيك عن حرق أمتعة المواطنين كحقيقة؟ وإذا لم يكن سفر التثنية واضحاً للبعض فإنه يتوضح في «يشوع» حين نقرأ: «وحزّوا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف». والطبع فإن هذا القول الذي تبني عليه الصهيونية أيديولوجيتها ليس بحاجة إلى شرح لأنه يمارس الآن على أرض الواقع. أما الإبادة الجماعية التي تلاحق تهمتها بل حقيقتها شارون في صبرا وشاتيلا، فإنها تمارس الآن استناداً إلى النص: «لما انتهى اسرائيل من قتل جميع سكان (عاي) في الحقل.. في البرية حيث لحقوهم وسقطوا جميعاً بحد السيف حتى فنوا» (يشوع 8:23). ومن هذه القراءة نتساءل: هل سيحتاج مؤتمر مناهضة العنصرية (WCAR) لتأكيدات تاريخية أخرى لكي يساوي الصهيونية بالعنصرية، وحسب تعريف الأمم المتحدة ذاتها؟ وإن كان المؤتمر بحاجة إلى اعتراف أكثر صراحة فيمكن ان نرجعه إلى سفر التثنية الاصحاح الرابع عشر حين يذكر: «لأنك شعب مقدس للرب إلهك فقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق الشعوب الذين على وجه الأرض»، وهذا دليل قاطع على ان الصهيونية ليست عنصرية فقط على الفلسطينيين، بل على العالم أجمع. العنصرية الحديثة وقد تحاول اسرائيل هنا ان تعتمد على مفهوم الدولة العلمانية التي تتستر بها لتخفي وجه حقيقتها، ولكن من رؤية الصهيونية ذاتها نستطيع ان ندرك بغير جهد الوجه العنصري الحقيقي لها من خلال أفكار زعمائها وبنيتها القائمة أصلاً على نظام الفصل العنصري (الابارتيد) والاقناع بمفهوم (يهوه) الذي يدعون بأنه رب الجنوب والمحارب القاتل، فمنذ عام 1962 حين نشر (موزيس هيس) كتابه «روما والقدس» وبشر باليهودية كقومية، بنى ذلك على مفهوم القوة والاستعداد واعتماد الدين اليهودي بنية في تكوين القومية، فإنه شن حرباً على العقل واستبدله بالدماء التي تحيا في القومية اليهودية المستعلية، وجاء هيرتزل ليؤكد الفكرة ذاتها (بالحلم الصهيوني) معتمداً مع بوتنسكي فلسفة العنف العنصري، وبوتنسكي هو من تبنى فلسفة العنف علناً وقدم فكره الصهيوني من خلالها. أما بن جوريون الذي ادعى انه أسس دولة القانون والديمقراطية فهو يقول: «لقد أرجعتمونا إلى المكان الذي أعطينا منه القانون وفيه كلفنا الرب بأن نكون شعباً مختاراً». وهنا نتساءل: كيف تبنى دولة قانون وفيها «شعب مختار»؟ وماهي طبيعة الديمقراطية التي تدعيها الدولة الصهيونية؟ ولكن موشى ديان قد أوضح هذه الرؤية العنصرية حين قال: إذا كنا نملك التوراة وإذا اعتبرنا أنفسنا شعب التوراة وجب علينا احتلال الأراضي التوراتية أراضي قضاة ورؤس القدس والخليل وأريحا وغيرها من الأماكن». وهذه الاستمرارية في الرؤية العنصرية يطلقونها علناً وما زالوا يعتبرون الصهيونية بشكل داخلي قرأناه في أقوالهم حركة تؤيد القتل وتخالف أي تعريف حضاري أو غير ذلك للانسانية، وجرائمهم على مر التاريخ لا يمكن حصرها، فأي صهيوني لم يرتكب مجزرة وأي منهم لم يدمر قرية أو مدينة سواء كانوا قادة أو غير ذلك؟! فليس جولدشتاين مرتكب مجزرة الحرم الابراهيمي في الخليل بعيداً عن الذاكرة، وليست تصريحات عوفاديا يوسف العنصرية التي تدعو إلى إفناء العرب وضربهم بالصواريخ واعتبارهم حشرات يجب تطهير الأرض منها، كما يرى سوى استمرار لرؤية الصهيونية، والاقتراح الاخير لنائب وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي «جدعون عيزرا» ليس سوى استمرار للفكر العنصري وهو الذي يدعو لقتل أقارب الاستشهاديين. إذاً ليس العرب الآن أمام مشكلة تأكيد العنصرية على الصهيونية، وليس العالم كذلك، إنما المشكلة الآن في الأسلوب الذي يجب ان يتعامل به العرب في مؤتمر دوربان، وقد أكدت ماري روبنسون انه لن يتم حتى مجرد مناقشة النصوص الأكثر راديكالية حيال اسرائيل، والتي اقترحتها بعض الدول الاسلامية، هذا الأمر بالطبع يرتبط بفكرة العنصرية ذاتها، فمجرد التأكيد على رفض مناقشة أي موضوع في مؤتمر يبحث في مناهضة العنصرية هو شكل من أشكال العنصرية لأن فيه محاصرة وقمعاً لحرية الرأي ومزايدة على حقوق الانسان تعتمدها الولايات المتحدة التي ترفض حتى مناقشة العنصرية وهي التي تمارس عضويتها، ليس على اللون فقط بل على المعتقد سواء كان صاحبه أبيض أم أسود. ويبقى السؤال عن دور العرب في هذا المؤتمر وكيف يمكن ان يسجلوا اختراقاً فيه؟ الواقع ان المشكلة الرئيسية لا تكمن فقط في هذا المؤتمر وقراراته، بل تتعدى ذلك، فإحياء قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية لن يسجل أي اختراق لأن (الفيتو) الأمريكي، وهنا سيكون الفيتو معنوياً وسيكون حاضراً حتى ان أرادت الولايات المتحدة الغياب فقد جمد القرار 3379 عام 1985 بعد أن اتخذ الكونجرس قراراً بإلغائه وطالب بذلك الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، قبل ان تلغيه الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991. والآن ونحن نرى السياسة الأمريكية بكل تحدياتها للعرب وبشكل علني وبكل دعم للكيان الصهيوني فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي خاصة بعد فشلها في لجنة حقوق الانسان ولن يبقى بذلك أمام العرب سوى خيار وحيد وهو اللجوء هذه المرة إلى إعلان المقاطعة العربية ليس لإسرائيل فقط بل للولايات المتحدة، لأن الكونجرس وإدارة بوش لن يتأثرا بكل القرارات العربية والإسلامية، إذا لم تكن مهددة لمصالحها، وعند ذلك فالإدارة الأمريكية ذاتها مع توابعها ستعمل حقا مع العرب على إحياء القرار، أضف ان الشعب الأمريكي سيضغط على إدارته من أجل ذلك، فمصلحة هذا الشعب ليست مع اسرائيل، بل مع العرب، ورغم كل فعل اللوبي الصهيوني، ولكن أمام تهديد المصالح الأمريكية ستختلف كل الموازين خاصة ان الولايات المتحدة ذاتها تضم نسبة كبيرة من الملونين الذين يضغطون على إدارتهم. فهل سيفعل العرب شيئاً مهماً ويجعلون الولايات المتحدة تحت رحمتهم بدل ان نبقى تحت رحمة الطائرة الأمريكية والصاروخ الأمريكي والفيتو الأمريكي والعنصرية الصهيونية؟! بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق