سبق للجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة أن نظمت مؤتمرين عالميين، في عامي 1983 و1987، حول قضية العنصرية ومناهضة التمييز العنصري. لكن هذه اللجنة ومن ورائها الأمم المتحدة تريد من مؤتمر دوربان أن يكون خطا فاصلا في الحرب ضد العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب على مستوى العالم. وتنظر المنظمات المعنية بحقوق الانسان، لاسيما غير الحكومية منها، للمؤتمر من المنطلق ذاته. لذلك من المتوقع أن يكون لقرارات دوربان انعكاسات مهمة بأثر مستقبلي ممتد، ولعله حاسم، فيما يتعلق بالقضايا العامة والتفصيلية موضوع التداول والنقاش. وهذا يفسر الجدية البالغة التي أولتها القوى المختلفة للمؤتمر، العاطفة منها على حقوق الانسان والمعادية لها. فبعد دوربان سيكون الجميع ملزمين بالمقاربات الفكرية والمقررات الحركية التي ارتضاها المؤتمرون، حول مفهوم العنصرية والتمييز وكراهية الاجانب، باعتبارها حصاد جهد انساني عام، لا يمكن التذرع بعدم عموميته وعالميته. بشيء من التأمل ربما أمكننا استبصار مواقف هذه القوى حتى من قبل التئام المؤتمر ومعرفة ما سيدور في رحابه. فالتناظر الصاخب الذي اندلع أثناء الملتقيات التحضيرية وفي مختلف المنتديات المعنية بجدول اعمال دوربان، يعرض لأنماط التفكير والمعالجات التي سيحدد المؤتمرون مواقفهم في اطارها. ان هذا التناظر لم يكن بلا مغزى قبل المؤتمر، كما أنه لم يفقد معانيه ودلالاته داخل المؤتمر وكذا بعد انفضاضه. وبين ما يلفت النظر ويعني عالمنا العربي في هذا الاطار ما يلي: أولا: ان الولايات المتحدة لا تقف مع اسرائيل وحيدتين في معارضتهما لانشغال المؤتمر بمساواة الصهيونية بالعنصرية وقضية التعويض عن زمن الاسترقاق والعبودية. حقا أبدت الدولتان قدرا زائدا من المعارضة بهذا الخصوص، لكن دول الاتحاد الأوروبي أيدتهما في هذا الموقف. فكأن المدافعة عن الفكرة الصهيونية، ومن ثم عن ممارساتها العنصرية البغيضة تجاه العرب، الفلسطينيين بخاصة، عبر السياسات الاسرائيلية، اتجاه غربي عام. وقد تجلي هذا التوافق الغربي ابان الاجتماع التحضيري لدوربان في جنيف (30 ـ7 الى 10 ـ 8). ومن المثير أن الغضب العربي قد انصب على الطرفين الأمريكي والاسرائيلي، حتى أن الأوروبيين ظهروا كمستبعدين من اللوم في هذا السياق. وكي نقدر ابعاد المقاربة الأوروبية لقضية التمييز ضمن منظومة حقوق الانسان والديمقراطية، علينا أن نتذكر أيضا الحكم الذي أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان، بتأييد اجراءات الحكومة التركية بحظر «حزب الرفاه الاسلامي» ما يعني الانحياز الأوروبي «بالقانون» ضد قوة سياسية ديمقراطية الاهداف والوسائل، لمجرد أنها تتبنى المنهجية الاسلامية. انه مظهر أخر للتمييز أيده القضاء الأوروبي بلا وجل، في الوقت ذاته الذي يعترض فيه الأوروبيون على مساواة الصهيونية بالعنصرية. وهو ما ينطوي على عظة بشأن الأسس الفلسفية والانتقائية السياسية التي يعمل بها هؤلاء، تماما مثل الولايات المتحدة، الاخ الأكبر في عالم الغرب. ثانيا: ان الأهواء السياسية وتسييس قضايا حقوق الانسان، التي تحف بموقف الغرب الأمريكي والأوروبي، اثرت على مواقف وتكييفات بعض أهم من يفترض أنهم يسهرون على حراسة هذه القضايا. وقد تلصص هذا التأثير عبر مواقف كوفي أنان أمين عام الأمم المتحدة، وماري روبنسون رئيسة لجنة حقوق الانسان. وذلك حين عبرا عن ميلهما للسياسة الأمريكية الاسرائيلية تجاه مؤتمر دوربان، وأيدا صراحة أو على استحياء استبعاد ما يود عالم الغرب استبعاده من جدول أعماله. لقد أبدا المسئولان الدوليان حرصا على حضور الولايات المتحدة للمؤتمر، بأكثر من حرصهما على الموضوعية والحياد في تناول القضايا التي تشغل المؤتمرين، وذلك حين اهتما بأن لا تقاطع واشنطن دوربان بعد ازالة أسباب التهديد بالمقاطعة «وهي حذف قضيتي الصهيونية والاسترقاق من جدول الأعمال» مثل هذه المعالجة لا تليق بمقام أنان وروبنسون وبالمواقع التي يستأمنان فيها على حقوق الانسان والقانون الدولي بعامة. ما يعنينا من هذه التجربة، ضرورة الحذر الى أن مقام المسئولين الدوليين في أعلى المستويات، لا يدرا عنهما ولا يعفيهما من شبهة الانحياز لرؤى القوى الدولية المهيمنة، عن قصد أو بدون قصد. وهذا يتطلب من العرب كأمة مهضومة الحقوق، متابعة ما يصدر عن هؤلاء المسئولين بخصوص قضاياهم، وتفحصه بدقة وعدم الاطمئنان الى حيادية الوظيفة الدولية. ولا يقلل من هذه الضرورة الوقائية أن تكون روبنسون قد تراجعت الى حد كبير عن تصريحاتها بشأن دوربان، فقد تم ذلك بفعل الضغوط والاحتجاجات التي جوبهت بها المسئولة الدولية.. ففي اجتماع جنيف المشار اليه، التقت سكرتارية المجموعة العربية بالسيدة روبنسون الا أنها أصلحت من موقفها وذكرت أنها مهمومة بعدم استبعاد قضية الشرق الأوسط وبخاصة ما يتعلق منها بالفلسطينيين، وأنها سبق أن نددت بالسياسة الاسرائيلية. ويستفاد من هذا التراجع، أن المجال مفتوح على امكانية تعديل المسئولين الدوليين لانحرافاتهم، اذا ما لمسوا صلابة من جانب الأطراف المتضررة من هذه الانحرافات أو الانحيازات. ثالثا: موقعة دوربان وما اثارته من تدافع فكري وفلسفي وسياسي وحقوقي، وضعت المنظمات ومراكز البحوث وجماعات حقوق الانسان العربية غير الحكومية بالذات، على محك التجربة والاختبار الجدي، فقد كان عليها ومازال الاختيار بين مبادئ تحقيق الحياة الحرة الكريمة وبين ارضاء مصادر تمويلها. وما ظهر حتى ساعة المؤتمر هو تردد بعض هذه الجهات الممولة من مصادر غربية، ايثار المناوشة الخفيفة مع القضايا الخلافية التي برزت في المراحل التحضيرية. ويقتضي الأمر متابعة الكيفية التي ستستقر عليها هذه الجهات، غير أن المنظمات الفلسطينية غير الحكومية حسمت في مؤتمر جنيف موقفها، وأعلنت التزامها بالخيار الأول، علما بأن هذه المنظمات هي الأقل قوة على الصمود في وجه غائلة الممولين وطموحاتهم، بالنظر الى الظروف الموضوعية، التي تجعلها أو تضعها في موضع الحاجة للدعم والتمويل الغربيين. والواقع أن الاختبار ذاته ينصرف الى معظم المنظمات الممولة غربيا في دول الجنوب، وسيكون لاختيارها نتائج بعيدة المدى بالنسبة لصدقية تبنيها لخطاب حقوق الانسان والديمقراطية ونبذ العنصرية والتمييز العنصري. رابعا: ينطوي مؤتمر دوربان، ما سبقه وما سيعمل فيه من نقاشات، على مؤشرات قوية حول قدرة العرب على تجديد العمل بقرار الأمم المتحدة لعام 1975، الملغي عام 1991، الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية ويدمغها بالتمييز العنصري، فاذا نجح المؤتمرون في دوربان في بحث هذه القضية أولا، ثم في استصدار قرارا واضحا حولها ثانيا، على الرغم من الضغوط الغربية المضادة، فان ذلك يبشر بامكانية تحقيق الشيء ذاته عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا مع العلم بأن مجرد صدور موقف صلب بشأن العنصرية الصهيونية في دوربان، يمنح الطرف العربي «الفلسطيني ضمنه» حجة راقية ضد السلوك الصهيوني الاسرائيلي في فلسطين ومحيطها الاقليمي، ومن المنتظر أن تكون قرارات دوربان وثيقة عالمية، تضاف الى التراث الانساني العام حول مكافحة العنصرية والتمييز، بما من شأنه أن يرتب مقياسا لمستوى أداء الدول بهذا الصدد. وهذا يستدعي أن تصبح اسرائيل ـ في حال اقرار مساواة الصهيونية بالعنصرية ـ طرفا مدانا بشكل بديهي وأن تصبح المجموعة الدولية مطالبة بالوقوف في وجه سياساتها بلا مواربة، بما في ذلك احتمال تعريضها للعقوبات الرادعة أدبيا أو ماديا. بقلم: د. محمد خالد الأزعر ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة