الجدل الكبير الذي اثاره الخلاف حول المواضيع المقترحة للنقاش في مؤتمر الامم المتحدة المخصص لمكافحة العنصرية الذي ينعقد في دوربان بجنوب افريقيا، يوازي في الواقع اهمية المؤتمر ذاته. اذ ان هذا الجدل حدد وبشكل مسبق النتيجة المنتظرة من هذا التجمع الدولي، كما انه في الوقت ذاته كشف حقيقة بعض القوى الدولية ولا سيما الولايات المتحدة ومدى استعداد هذه القوى لتبني سياسة منطقية لمعالجة الاشكالات والمعضلات الكبيرة التي يعاني منها المجتمع الدولي،وبشكل خاص الدول الفقيرة التي تغرق في مستنقعات ازمات تتوالد وتتكاثر باستمرار. فقبل ان ينعقد المؤتمر بمدة طويلة حاولت القوى المتنفذة في العالم، وعلى رأسها الحركة الصهيونية والولايات المتحدة وبعض القوى الغربية الاخرى، ان ترسم نهاية المؤتمر وتقوده الى خانة اللاجدوى حتى قبل ان يدخل نقاشاته المنتظرة، وكأنها تضع حتمية الفشل على جدول اعمال هذا المؤتمر الدولي الكبير. وابرز الخطوات التي اتخذتها هذه القوى في هذا المجال هي المحاولات الكثيرة الرامية الى استبعاد موضوع الصراع العربي الصهيوني، واجهاض الدعوات المنادية باعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية، وهو موقف تبنته الجمعية العامة للامم المتحدة في عام 1975، اي ان الامم المتحدة التي ترعى مؤتمر دوربان هي ذاتها التي تحتفظ في سجلاتها بقرار يعترف بأن الصهيونية تساوي العنصرية، زد على ذلك ان الحركة الصهيونية لم تقدم منذ ذلك الحين مايبرر اسقاط القرار رقم 3379 الذي يعتبرها شكلا من اشكال العنصرية. اما النقطة الحساسة الثانية المدرجة على جدول اعمال مؤتمر دوربان فهي موضوع العبودية ومعالجة ما خلفه الاستعمار في الكثير من بقاع العالم، حيث ترفض دول الاستعمار سابقا، لا سيما تلك التي مارست تجارة الرقيق سيئة الصيت، تقديم اعتذارات صريحة عن جرائمها كما ترفض ان توجه اليها اصابع الاتهام من قبل الدول المستعمرة السابقة او من ضحايا سياسة الرق التي كانت تمارسها الدول الاستعمارية، مثلما ترفض ايضا فكرة تقديم التعويضات لضحايا الاستعمار والعبودية، وهو ما تطالب به البلدان المستعمرة السابقة او ضحايا العبودية، حتى ان المنظمات غير الحكومية الممثلة للمتحدرين من الذين استبعدوا سابقا تريد الذهاب الى ابعد من ذلك مستندة الى التعويضات التي دفعت لبعض ضحايا جرائم الحرب العالمية الثانية، او الاعتذار الذي قدمه الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون الى اليابانيين الذين اعتقلوا ابان الحرب العالمية الثانية، وصولا الى مبدأ محاكمة من تورطوا في الجرائم الكثيرة بحق الشعوب التي كانت مستعمرة. المنطق المتهاوي وقبل الحديث عن هاتين النقطتين ومدى امكانية توصل مؤتمر دوربان الى نتائج ايجابية ام لا، لابد لنا اولا ان نتوقف عند بعض المواقف والتصريحات التي سبقت انعقاد المؤتمر لنتعرف على خلفيتها خاصة وان بعضها قد صدر عن شخصيات في الامم المتحدة التي ترعى اعمال المؤتمر ويفترض ان تكون الجهة الاكثرسعيا لانجاحه. ففي تصريحات ادلى بها في اوائل الشهر الجاري وفي الوقت الذي كانت تجري فيه الاستعدادات للمؤتمر، دعا الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان الدول الاعضاء الى ما اسماه «عدم الانزلاق نحو تبادل الشتائم المرة والتوجه بدلا من ذلك نحو المستقبل». ويضيف الامين العام للمنظمة الدولية انه ينبغي على المؤتمر ان يتوصل الى اعلان والى وضع خطة عمل من شأنها ان تساعد على محاربة العنصرية. بيد ان هذا المسئول الدولي الاول نسي على ما يبدو او انساه منصبه انه هو ذاته ينتمي الى منطقة من العالم تضررت اكثر من غيرها من ظاهرة العنصرية وسياسة الاستبعاد التي مارستها الدول الاستعمارية الغربية. كما نسي ايضا ان محاربة العنصرية تقتضي قبل كل شيء اعطاء التوصيف الدقيق لمعنى العنصرية وتحديد القوى والحركات والجهات التي تمارسها بدون مواربة، وكذلك تحديد العناوين التي يجب ان تكون اهدافا مشروعة في الحرب ضد العنصرية، والا فإن الحديث عن محاربة العنصرية بهذا الشكل وبهذه اللغة الفضفاضة لن يكون الا مجرد حجر يلقى في مستنقع آسن سرعان ما يستمر في القاع من دون ادنى فائدة ترجى. واذا كان الامين العام للامم المتحدة قد تحدث بشكل عام عن رغبته في تجنب ما اسماه بالانزلاق نحو تبادل الشتائم، فإن المفوضية العليا لشئون حقوق الانسان في الامم المتحدة ماري روبنسون كانت اكثر وضوحا في تحديد ماتريده، حيث اعتبرت في تصريحات لصحيفة «لوتان» السويسرية في الخامس والعشرين من الشهر الجاري اي قبل اسبوع فقط من انعقاد مؤتمر دوربان انه «من غير المقبول اعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية»! وفي محاولة منها لتبرير هذا المنطق قالت روببسون ان مؤتمر دوربان لا يستطيع ان يحل قضية الشرق الاوسط، غير انه لا يستطيع تجاهلها ايضا. وتمعن هذه المسئولة الدولية في تجاهل الحقائق حيث مضت قائلة ان الوضع ميدانيا لم يلغ ابدا هذا الحد من الخطورة في معاناة الشعب الفلسطيني وكون الاسرائيليين انفسهم ضحايا العنف وانعدام الامن!! ولا نعرف هنا كيف وعلى اي اساس اعتبرت روبنسون الاسرائيليين ضحايا وهي التي شاهدت جرائمهم بأم عينها، لا بل تعرضت هي شخصيا لمضايقاتهم اثناء زيارتها الى الاراضي الفلسطينية بعد اندلاع انتفاضة الاقصى. واذا كان هذا هوحال المسئولين في الامم المتحدة التي ترعى مؤتمر دوربان تحت شعار مكافحة العنصرية، فإن موقف الدول الغربية المختلفة وعلى رأسها الولايات المتحدة كان هو الآخر موقفا يثير الاستغراب والدهشة، ويبين مدى سيطرة اللوبي الصهيوني على مراكز القرار في الدول الغربية والامم المتحدة على السواء، حيث هددت في الولايات المتحدة بمقاطعة مؤتمر دوربان في حال ادراج قضية مساواة الصهيونية بالعنصرية او اذا كان المؤتمر سيمثل مناسبة لمطالبة الدول الغربية بتقديم تعويضات عن استعبادها السود وعلى ماضيها الاستعماري. نفاق العنصريين واذا كنا نعرف مسبقا سبب الموقف الامريكي حيال ما يتعلق بالصهيونية، حيث تعتبر الولايات المتحدة ساحة خصبة للنشاط السياسي والفكري الصهيوني ومخزونا استراتيجيا للحركة الصهيونية، فإن ما يتعلق بالموقف الامريكي من القضية الثانية وهي قضية الاستعمار والعبودية ومسألة التعويضات التي قد يطالب بها ضحايا العبودية والاستعمار يفسره الواقع الامريكي الحالي بقوة. حيث انه وبعد ثلاثين عاما على انتهاء حقبة الفصل بين السود والبيض في الولايات المتحدة، لا تزال الانقسامات العنصرية قائمة في هذه الدولة التي تقدم نفسها للعالم على اساس انها المدافع الاول عن حقوق الانسان! ولعل اكثرما يغذي الشبهات بوجود تمييز عنصري في الولايات المتحدة انعدام التوازن في نسبة السود القابعين في السجون واولئك الذين يوقفون اثناء مخالفات بسيطة والفقر المزمن في اوساط هؤلاء السود، حيث تشير الاحصائيات الى ان 30% من عائلات السود الامريكيين مصنفة رسميا بأنها فقيرة، ناهيك عن الممارسات الوحشية للشرطة الامريكية ضد السود والتي تصل في كثير من الاحيان الى حد القتل. وفي تقرير تحت عنوان «العنصرية وادارة القضاء» كتبت منظمة العفو الدولية في يوليو الماضي ان الامريكيين من اصل افريقي والاقليات الاخرى بينها المتحدرون من دول ناطقة بالاسبانية، يعانون من نسب غير متوازنة في مجال الاعتقال حيث تشكل 60% من اجمالي عدد المعتقلين. واضافت ان السود يواجهون مخاطر الادانة اكثر من البيض بمعدل ثمانية اضعاف. واذا امعنا النظر في احوال بعض الدول الغربية الاخرى كبريطانيا او المانيا على سبيل المثال، سنرى ان الولايات المتحدة ليست وحدها التي تعاني من التمييز العنصري في مجتمعاتها. اما الكيان الصهيوني والذي يعد في الواقع من اوضح الامثلة على العنصرية والجرائم التي تندرج في اطارها، فانه شحذ اسلحته وجند كل طاقاته الاعلامية والسياسية لافشال اي توجه جدي للمؤتمر نحو معالجة المعضلات التي يعاني منها الكثيرون من ضحايا الاستعمار والعنصرية. ولان سجل «اسرائيل» الاسود فيما يتعلق بالعنصرية يجعل موقفها هشا اذا ما اصرت الدول العربية على ادراج موضوع الممارسات العنصرية الصهيونية في نقاشات مؤتمر دوربان، فان الكيان الصهيوني سعى باستماتة لابعاد هذه الورقة العربية عند جدول اعمال المؤتمر، حيث اعتبر نائب وزير الخارجية الاسرائيلي ميخائيل ملكيور ان الاقتراح العربي يصور الصهيونية على انها الشيطان الجديد في العالم، زاعما ان مثل هذه الاقتراح سيوجه ضربة ليس لاسرائيل فقط وانما الى حركة مناهضة العنصرية ونشاطات الامم المتحدة!! وازاء ذلك كله سواء فيما يتعلق بموضوع العنصرية او الاستعمار والعبودية يبقى السؤال المطروح بقوة: كيف ستكون مواقف ضحايا الاستعمار والعبودية وانظمة الفصل العنصري التي شهدها التاريخ؟ وهل سينجح العرب الذين يتعرضون حتى يومنا هذا لابشع الجرائم العنصرية الصهيونية في استغلال هذا المؤتمر الدولي وهل سينجح ضحايا العبودية من الافارقة وغيرهم في قول كلمتهم بقوة، خاصة وان عشرات المنظمات الافريقية غير الحكومية طالبت بالاعتراف بالرق كجريمة ضد الانسانية وبتعويضات لضحايا هذه الجريمة غير القابلة للتقادم والتي مازالت اثارها ماثلة بقوة لدى المتحدرين من الضحايا؟! واذا كان هناك ما يمكن قوله في مؤتمر دوربان الذي ينعقد تحت مظلة الامم المتحدة فهو ان فشل هذا المؤتمر وكما تقول المنظمات المناهضة للعنصرية وما خلفته السياسات الاستعمارية، افضل بكثير من تسويات واهنة لا تعدو كونها استعراضات كلامية او ملحا يرش فوق جراح الضحايا التي مازالت تنزف حتى اليوم! بقلم: نبيل سالم ـ كاتب واعلامي فلسطيني