شهدت الفترة الماضية جدلا واسعاً على الساحتين الاقليمية والدولية حول مؤتمر دوربان لمناهضة العنصرية، الجدل جاء بسبب جدول أعمال المؤتمر. ففي الوقت الذي سعت فيه الدول العربية لادراج الصهيونية على اساس أنها مساوية للعنصرية، كانت الولايات المتحدة والدول الاوروبية عموما على الجانب الآخر يرفضان ذلك بشدة بل ووصل الأمر بالرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بالتهديد بمقاطعة المؤتمر اذا شمل جدول الأعمال أية اشارة للممارسات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين. كما ثار جدل آخر حول التعويضات الخاصة بفترة العبودية حيث طالب البعض بالحصول على تعويضات وهو مارفضته أيضا الولايات المتحدة والغرب. فما هي أبعاد وانعكاسات هذا الخلاف حول جدول الأعمال على المؤتمر؟ وماهي النتائج المتوقعة له؟ ولماذا هذا الاصرار الأمريكي الغربي على استبعاد موضوع مساواة الصهيونية بالعنصرية؟ تضارب الموقف بداية يقول نجاد البرعي الأمين العام السابق للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان: يجب أن يكون واضحا في أذهاننا أولا أن مؤتمر دوربان له شقان، الأول حكومي رسمي وهذا ليس متوقعا منه الكثير بالنسبة لدعم أو مساندة القضايا العربية والفلسطينية، لأن الحكومات العربية نفسها لم تبذل أية مجهودات خلال الاجتماعات التحضيرية التي عقدت في جنيف من أجل تمريره حتى أن الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني هي ممارسات عنصرية، وليس اعتبار الصهيونية مساوية للعنصرية وكانت حجتهم في ذلك ان هناك مصالح وتوازنات وأشياء من هذا القبيل يجب مراعاتها. ومن هنا فغالبا سيخرج هذا المؤتمر بمجرد صيغ عامة فيما يتعلق باسرائيل ومنها الدعوة لاحترام حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، ولكن ادانة اسرائيل بشكل مباشر والقول بأن الصهيونية مساوية للعنصرية، وهذا ما لن يحدث أبدا تؤكده تصريحات المسئولين الأمريكيين والأوروبيين وبالنسبة لقضية الاسترقاق والعبودية التي عاشت فيها شعوب أفريقية كثيرة فمن المنتظر أن يصدر عن هذا المؤتمر مجرد توصيات بضرورة تقديم المعونات لهذه الشعوب والعمل على تنمية مواردها، أما القول بتقديم تعويضات فهذا خيال أيضا. ويضيف نجاد البرعي: ولكن بالنسبة للمؤتمر غير الحكومي والذي ستشارك فيه المنظمات الأهلية والمدنية فمن المتوقع أن يصل الى نتائج أفضل، فهذه المنظمات منحازة بطبيعتها للقضايا الانسانية وتعمل على محاربة كل مايتعارض مع حقوق الإنسان من قضايا وممارسات كالعبودية والعنصرية، أيضا مما يرجح امكانية الوصول لنتائج أفضل من تلك المتوقعة عن المؤتمر الحكومي هو أن المنظمات العربية كان أداؤها خلال الفترة الماضية أكثر احترافا حيث استطاعت أن تقيم تحالفاً واسعا مع منظمات أخرى آسيوية وأفريقية وأوروبية، لدعم وتأييد فكرة أن الممارسات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني هي شكل من أشكال العنصرية. كما أن هذا المؤتمر غير الحكومي من المنتظر أن يؤكد على ضرورة دفع التعويضات عن فترة العبودية والاسترقاق التي قامت بها الحكومات الغربية ضد شعوب دول العالم الثالث وخاصة الافريقية. وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي من القضايا المعروضة على المؤتمر واصراره على عدم صدور أية توصيات أو بيانات تدين الممارسات الاسرائيلية، يرى نجاد البرعي بضرورة أن نفرق كذلك بين الموقف الرسمي الأمريكي والذي لم يأت بجديد في هذا المؤتمر فهو دائما منحاز لاسرائيل ولا يسمح بأية ادانات ويستخدم حق الفيتو في مجلس الأمن لحمايتها ومنع صدور أية قرارات ضدها، وموقف منظمات حقوق الإنسان الأمريكية فالكثير منها أبدى تفهما للقضايا العربية وخاصة حقوق الشعب الفلسطيني، ويرى بضرورة وقف الممارسات الاسرائيلية ضده وهناك عمل دائم بين المنظمات الحقوقية العربية والأمريكية في هذا الاتجاه. تهديد ووعيد ومن جانبه يقول منتصر الزيات عضو الجمعية المصرية لمناهضة العنصرية تحت التأسيس: ان الموقف الأمريكي من جدول أعمال المؤتمر وماشهدته مرحلة الاعداد التي سبقت انعقاده لا يعكس فقط موقفا سياسيا منحازا على حساب الحقوق الثابتة للفلسطينيين، بل يعكس في الوقت نفسه استمرارا في انكار إنسانية ابناء الجنوب. ومن ثم انكار حقوقهم، فقضية العبودية ومسئولية الغرب عنها اخلاقيا وسياسيا من القضايا التي يشكل التنكر لها برهانا قويا على أن علاقات الشمال - الجنوب مازالت تحكمها إمبريالية أخلاقية ورثت الاستعمار التقليدي، والولايات المتحدة بهذا الموقف تثبت أن معركتها للسيطرة على مؤسسات الأمم المتحدة لم تتوقف. ويقول: ان الدولة العظمى التي تقف لتهدد وتتوعد وتضغط بكل قوة لحرمان المجتمع الدولي كله من حقه في مناقشة قضايا تتصل اتصالا مباشرا بقضية العنصرية هو في حد ذاته موقف عنصري، حيث أن منطق الوصاية والاملاء ينسف كل دعاوي المساواة. وهذا المشهد يختلف كثيرا عن مشهد الدولة العظمى التي وقف وزير خارجيتها (وارين كريستوفر) على منصة المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان (فيينا 1993) معلنا أن بلاده لن تسمح بأن تكون الخصوصيات الثقافية مبررا لاهدار حقوق الإنسان. في مسعى استهدف الزام كل شعوب العالم بمعايير واحدة لا تقبل الاستثناء. واعتذار الرئيس الأمريكي لشعب جواتيمالا لأن بلاده تشترك في تحمل المسئولية بشكل غير مباشر عن مقتل الآلاف من معارضي الحكم فيها. ويضيف أن تجارب الصراع في القرن العشرين بأشكالها المختلفة أثبتت أن القدرة على التدمير تتزايد بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية ومالم نثبت جميعا على اختلاف انتماءاتنا اننا نشعر بمسئولية مشتركة ازاء الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين فسوف تكون البشرية أمام مخاطر حقيقية وأهم ركائز الأمن والسلم الدوليين وجود نظام للعلاقات الدولية يتمتع باحترام حقيقي من كل أطرافه. وجود قواعد ملزمة تتبعها الدول جميعا بغض النظر عما تحرزه من قوة أو ثروة ومن هنا فإن مواجهة العنصرية أيا كان شكلها أو مكان وجودها هو الحد الأدنى اخلاقيا وسياسيا الذي يضمن تحقيق هذا الهدف. وعن رأيه في المطلب العربي باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية يقول أنه ينبغي النظر الى ذلك على مستويين الأول قانوني متصل بالكيفية التي ينبغي أن تدار بها العلاقات الدولية. ذلك أن القرار الصادر عن الأمم المتحدة في هذا الشأن هو وثيقة صدرت عن مؤسسة دولية تعبر عن المجتمع الدولي. ونحن لا نقر التراجع عنه ونشدد على أن السعي لاعادة الاعتبار اليه سعى مشروع بكل المعايير وبالتالي فإن مساعي الولايات التي تستهدف منع ادراج الموضوع على جدول أعمال المؤتمر يتجاوز كونه انحيازا لا يبرره منطق اخلاقي سوى ليكون سابقة تحول الصهيونية الى أمر مقدس لا تجوز مناقشته ولا وضعه موضع التقييم. الأمر الذي يفتح الباب لصراعات ثقافية قد توفر مناخا لصراعات أخرى أشد تكتوى البشرية بنارها، نحن هنا يجب أن نفرق بين اليهودية والصهيونية. فاليهودية كديانة سماوية تحتل فلسطين فيها موقعا مهما على المستويين الروحي والتاريخي ويحق لمعتنقيها أن يشعروا بالحنين الديني الى بقعة معينة. وهو ماليس موضع تحريم لأنه شعور ديني دخل ضمن حرية المشاعر الدينية التي تكفلها كل المواثيق الدولية، وهي مواثيق نحترمها جميعا، أما الصهيونية التي ترتب على هذه المشاعر الدينية مشروعا استيطانيا أو حقوقا سياسية مدعاة فهي العنصرية بعينها، فهذه الأرض التي اغتصبها الصهاينة بدعم من القوى السياسية الغربية الكبرى هي أرض فلسطينية والانتقال من الفكرة الصهيونية الى المشروع الصهيوني يكشف عن المزيد من معالم الجريمة. فالصهيونية التي استغلت ظرفا دوليا مواتيا وتصورات لمصالح القوى الغربية الاستعمارية الكبرى لتحول (الأرض المقدسة) الى (العجل الذهبي) ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني من الجرائم مايفوق ماتعرض له أعضاء الجماعات اليهودية في أي مكان في العالم على امتداد التاريخ الإنساني. ولقد أثبتت تجارب الاستيطان الصهيوني أن الدولة الصهيونية لن تكون قادرة على البقاء في أرض فلسطين الا بإنكار انسانية ابنائها كمقدمة لإنكار حقوقهم. ثم انكار وجودهم نفسه في متوالية تؤدي حتما الى ابادة ابنائه وسرقة تاريخه وتهويد ثقافته. ولا فرق في نظر أي منصف بين نقل العبيد من بلادهم قسرا للغرب ليكونوا وقود آلته الاقتصادية وبين طرد الملايين من ابناء الشعب الفلسطيني من ديارهم لتقوم على انقاض وطنهم ثكنة عسكرية لحماية مصالح الاستعمار الأمريكي تستخدم اليهودية لتسويغ جرائمها. ان منطق الازدواجية الاخلاقية هو أهم مرتكزات الفكر العنصري. وقد كان من أهم مبررات ارتكاب جريمة العبودية. وهو في المقام الأول مرض صهيوني أصيل. القاهرة - مكتب «البيان»: