بعد شهور متواصلة من الاعداد الدولي لمؤتمر مكافحة العنصرية في مدينة دوربان الجنوب افريقية، ورغم مشاركة اكثر من سبعة آلاف مندوب من مختلف انحاء العالم، وحضور اكثر من عشرين رئيس دولة.. أبت أمريكا إلا ان تظل على عنادها ومكابرتها في رفض جدول اعمال المؤتمر والاصرار على افراغه من مضمونه وهدفه الاساسي. لم تأبه امريكا بكل المواثيق والقرارات الدولية الصادرة بشأن العنصرية واشكال التمييز المختلفة، واغمضت عينيها عن الممارسات اليومية العنصرية لسلطات الاحتلال الصهيوني، والتي تعرض على شاشات التلفزيون الامريكي نفسها كل يوم، بل لم تأبه حتى لمصالحها الذاتية في مختلف انحاء العالم الذي مازال يقاسي من مآسي التفرقة العنصرية والتمييز والاضطهاد، فضلا عن الآثار العميقة التي خلفتها قرون من تجارة الرقيق، والتي تتحمل امريكا والقوى الاوروبية المنصاعة لها، الوزر الاكبر فيها. فقد اصرت الولايات المتحدة على عدم طرح المساواة بين الصهيونية والعنصرية كبند من بنود جدول الاعمال، ورفضت أي شكل من اشكال الاعتذار عن جرائم الرق والاستعباد، متجاهلة كل الدعوات والمطالبات التي جاء بعضها، ليس من داخل المجتمع الامريكي العادي وانما من داخل مؤسسات السلطة، ومن الكونجرس الامريكي، الهيئة التشريعية التي يفترض انها تعبر عن آراء ومواقف الشعب الامريكي بمختلف شرائحه وتياراته. واذا كانت السياسة الامريكية مصابة أصلا بالعمى الاخلاقي، منذ نصف قرن على الاقل، الا ان الادارة الحالية يبدو انها مصابة، اضافة إلى ذلك، بالعمى السياسي ايضا. فلا هي تراعي مصالحها الاستراتيجية الدولية، ولا حتى مصالحها على المدى القصير وما يمكن ان يتركه موقفها الفاضح والمتهور من آثار سلبية داخل المجتمع الامريكي، وخاصة بين السود والملونين الذين تصل نسبتهم إلى اكثر من 40% من الشعب الامريكي. لكن امريكا بذلك انما تسبب الضرر لها هي قبل غيرها، ولمصالحها الداخلية وفي كل انحاء العالم، ولعل هذا هو الجانب الايجابي الوحيد فيما تقوم به وتتخذه ادارة بوش من مواقف وسياسات منذ وصولها إلى الحكم، وما هو متوقع منها ايضا في المدى المنظور. الملف