في ظل العولمة وتأكيدها على احترام حقوق الانسان وضرورة التزام الدول بتلك الحقوق تبرز قضية النازحين من الاماكن المضطربة إلى الأماكن القريبة كإحدى القضايا المهمة وبخاصة في ظل تعريفات العولمة بأنها اللاوطن، وانعدام الحدود والحواجز وتحول العالم إلى وطن عالمي واحد وهو ما يعني حرية انتقال الاشخاص - بالاضافة إلى أشياء أخرى، بين ارجاء هذا الوطن، ولعل دول الخليج معنية بهذا الامر خاصة وانها قريبة جدا من منطقة تعد من أشد المناطق اضطرابا وتوترا في العالم وهي منطقة شبه القارة الهندية. فهذه المنطقة تمتليء بالعديد من الدول التي تحوز الاسلحة النووية مثل الصين والهند وباكستان، وهي دول بينها عداوات وعلاقات مضطربة لاسيما الهند وباكستان خاصة بسبب إقليم كشمير المتنازع عليه، ومع دخول هاتين الدولتين النادي النووي عام 1998 فقد انتقل توازن الرعب النووي إلى المنطقة، وقد كشفت بعض المصادر والمؤسسات الدولية ان الدولتين ستستمران في تطوير قدراتهما التسليحية سواء التقليدية أو غير التقليدية ولاشك ان هذا الامر كما ذكر برنامج الامم المتحدة للتنمية ينعكس سلباً على برامج التنمية الاقتصادية لكلتا الدولتين، حيث من المتوقع في حالة استمرار البلدان في سباق التسلح أن يتراجع معدل التنمية فيهما إلى ما دون المعدل السائد في دول أفريقيا جنوب الصحراء الاكثر فقراً في العالم، وهو ما ينتج عنه تعرض البلدان وخاصة باكستان إلى اضطرابات عنيفة وشديدة قد تؤدي إلى حدوث مجاعات وأوضاع اقتصادية شديدة السوء من شأنها ان تسفر عن عملية نزوح نحو المناطق المحيطة ولعل منطقة الخليج العربي هي الاقرب جغرافيا، وفي هذا الصدد فقد كشفت بعض التقارير والصحف الأمريكية «صحيفة ذانيشن» والهندية «مجلة Outlook» الاسبوعية أوائل شهر سبتمبر من العام الماضي النقاب عما جاء في تقرير لوزارة الدفاع الهندية يصور عدة سيناريوهات مستقبلية لمنطقة شبه القارة الهندية حيث تكهن التقرير بتمزيق الدولة الباكستانية وانهيارها عام 2010 بسبب الازمات الاقتصادية والصراعات العرقية وعجز الحكومة عن فرض سيطرتها والتحكم في النظام والقانون، كما توقع التقرير ايضا ان تثور العرقيات الموجودة في باكستان مثل السفود والبلوش والبشتون ضد الهيمنة البنجابية، وفي ظل هذا الوضع ومع زيادة التطرف الديني في باكستان ستصبح الدولة مشلولة تماما مما قد يدفع الهند نحو التحرك إلى كشمير من اجل ضمها نهائيا وقد تقوم حرب تقليدية بين الدولتين تنتهي بانتصار الهند في تدخل أمريكي لصالحها. خطر النزوح الجماعي ولاشك ان تلك الاوضاع المضطربة وغير المستقرة بين الهند وباكستان يمكن ان تعود نتائجها على الخليج العربي فمع استمرار تلك الاوضاع وتدهور الاحوال الاقتصادية والمعيشية حتى ان الامور يمكن ان تصل إلى حد المجاعة يمكن ان ينزع الآلاف من سكان الدولتين وخاصة باكستان إلى منطقة الخليج، والمشكلة هنا ان هؤلاء النازحين قد يحاولون الدخول إلى سوق العمل الخليجي تمهيدا لاستمرار اقامتهم ـ ولو بطريقة غير شرعية ـ ولعل هذا الامر يكون يسيراً خاصة وان ذويهم ينتشرون في سوق العمل وخاصة القطاع الخاص، كما ان ظروف هؤلاء النازحين واوضاعهم السيئة والمتدهورة سوف تدفعهم إلى قبول أية اعمال تعرض عليهم نظير أي اجور، والمشكلة هنا أن دول الخليج ليست مستعدة لمثل هذه الاوضاع فتلك الدول لم تعد مستعدة لقبول اي عمالة اخرى بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، حيث تشهد الان ما يعرف باسم تراجع دولة الرفاه» فقد كانت الدولة في مرحلة سابقة قادرة على تقديم الخدمات التعليمية والصحية وخدمات الاسكان والتوظيف للمواطنين والاجانب بالمجان أو بأجور رمزية، ولعل هذا يرجع إلى عدة اسباب أهمها: ـ تراجع عائدات النفط بصورة ملحوظة في الاعوام السابقة وهو مما اثر على الموازنات العامة لتلك الدول. ـ زيادة السكان بمعدلات كبيرة حيث شهدت بلدان الخليج في الآونة الاخيرة تزايدا كبيرا في عدد السكان فقد وصل معدل النمو السكاني في عام 1998 إلى ما يقرب من 5% وارتفاع نسبة سكان الحضر حيث بلغت في الامارات في عام 1998 نسبة 85% من السكان وفي السعودية بلغت 84% من نسبة السكان وفي الكويت بلغت 97%. ـ زيادة النفقات العسكرية حيث تعتبر منطقة الخليج اكبر سوق للسلاح منذ بداية التسعينيات، حيث بلغت الموازنات العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي وحدها ما قيمته 24.4 مليار دولار عام 1994 فقط في حين بلغ مجموع ما انفقته تلك الدول على الشئون العسكرية خلال السنوات من 1990 ـ 1991 اكثر من 181 مليار دولار وهذا بالطبع رقم خيالي من شأنه ان يستنزف القدرات المالية لهذه الدول، وقد استمر الانفاق العسكري الخليجي في التزايد حتى وصل عام 1998 إلى حوالي 35 مليار دولار حسب مؤشر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وقد بدأت انعكاسات هذا الانفاق العسكري الضخم تلوح بشكل سافر حيث بلغت عجوزات الموازنة الحقيقية لدول مجلس التعاون مشتركة حوالي 40 مليار دولار في عام 1999، ولاشك ان هذا الرقم قد زاد كثيراً في السنوات التالية خاصة في عام 1998 مع انخفاض اسعار البترول بنسبة 28.1% في تلك السنة عن سابقتها، وكان من تداعيات تلك العجوزات توصية صندوق النقد الدولي بضرورة تخفيض المصروفات الحكومية تحت مسمى ترشيد الانفاق كما اجبرت هذه الدول على اتخاذ اجراءات اقتصادية قاسية لتعويض النقص في الموازنة من خلال تقليص الانفاق في بعض القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم وفرض رسوم اضافية اخرى جديدة على الخدمات العامة كالكهرباء والوقود واستخراج الوثائق الرسمية والاكثر من ذلك فقد قدمت هذه الدول الجزء الاكبر من استثمارتها الخارجية التي كانت تقدر بـ 400 مليار دولار واصبحت دولاً مدينة للبنوك الأجنبية. الضغوط الخارجية لاشك ان دول الخليج في ظل هذه الاوضاع الاقتصادية التي تمر بها اصبحت غير قادرة على تحمل اية اعباء جديدة ناتجة عن نزوح أي لاجئين اليها من منطقة شبه القارة الهندية، الا انه قد ترضخ تلك الدول للضغوط الخارجية التي قد تمارسها عليها دول ومنظمات اخرى من اجل استقبال هؤلاء النازحين ولاشك ان مثل هذا الامر قد يؤدي إلى حدوث اثار وانعكاسات سلبية على دول ومجتمعات الخليج العربي في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والامنية، فمعظم هذه الدول ذات مساحة صغيرة باستثناء المملكة العربية السعودية، وبالتالي فان استقبال لاجئين أو نازحين انما يعني تسلل هؤلاء إلى داخل تلك المجتمعات وقد يرفضون العودة إلى موطنهم مرة اخرى اذا ما استطاعوا الحصول على عمل لهم ولعل هذا الامر يعني مباشرة التأثير السلبي على سياسات الاحلال التي تقوم بها الدول الخليجية لإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة وخاصة الآسيوية، ولاشك ان دخول اعداد كبيرة اخرى إلى سوق العمل يحد كثيراً من فرص العمالة الوطنية خاصة في القطاع الخاص مع الاخذ في الاعتبار ان العامل النازح سوف يرضى بالعمل تحت اي ظروف وبأي اجر وهو ما يرفضه بالطبع العامل الوطني، ويترتب على هذا الامر تعميق الاثار السلبية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية الناتجة عن وجود العمالة الآسيوية في المجتمعات الخليجية، وهو ما يؤدي إلى فشل أو ضياع جهود تلك الدول لمواجهة تلك الآثار السلبية التي يمكننا ان نتحدث عنها سريعاً فيما يلي: ـ بالنسبة للآثار الاقتصادية: فان وجود النازحين في دول الخليج يترتب عليه زيادة الانفاق الخليجي عليهم وهو ما يشكل عبئا جديدا على ميزانيات تلك الدول ومن جهة فان دخول هؤلاء لسوق العمل يؤدي إلى زيادة المستنزف من اقتصاديات دول المنطقة فالعمالة الاجنبية الموجودة حاليا تستنزف في الوقت الحاضر ما يقارب من 29 مليار دولار سنويا، ويرتفع هذا الرقم إلى 58 مليار دولار اذا ما تم الاخذ في الاعتبار نفقات وخدمات الاعاشة بل ان هذا الرقم قد يصل إلى 100 مليار دولار اذا ما احتسبت نفقات اخرى كثيرة غير مباشرة اهمها النفقات الخاصة بتأهيل وتدريب العمالة الاجنبية، ولاشك ان هذا الرقم سيزيد في ظل استقبال الخليج للنازحين من المناطق المحيطة. مشكلات سياسية وأمنية ـ وبالنسبة للآثار السياسية والامنية: فان وجود هؤلاء النازحين واتصالهم بأقرانهم من الهنود أو الباكستانيين أو أية جنسيات آسيوية اخرى قد يؤدي إلى نشر افكار وايديولوجيات مخالفة للمجتمعات الخليجية، بل ان هؤلاء قد يقومون بتنظيم انفسهم - في ظل زيادة اعدادهم - في روابط أو جماعات سرية أو معلنة للدفاع عن حقوقهم والمطالبة بمساواتهم مع المواطنين، والاكثر من ذلك أن هؤلاء النازحين وأقرانهم من العمالة يمكن ان يستخدموا بمثابة ورقة للضغط على الدول الخليجية، كما يمكن ان يتحول هؤلاء ـ وبخاصة العمالة ـ إلى قوى تمارس دوراً سياسيا خطرا على الوجود والكيان السياسي ويمارس ضغوطا على دول المنطقة كما ان المزيج السكاني المتنافر سيكون عاملا يمكن ان يسفر عن حدوث تصدع في البنية السياسية اذا ما توافرت له الظروف المناسبة، والاكثر من ذلك ان هذه الفئات قد تطالب بحق تقرير المصير حيث يمكن ان تفرز اجيالا من المهاجرين الذين يتحولون بمرور الوقت من مستوطنين إلى متوطنين لهم اوضاعهم الاجتماعية الخاصة بهم التي تتحول إلى حركات سياسية تعبر عن فكرها وطموحاتها ومطالبها. ـ وبالنسبة للآثار الأمنية: فان هؤلاء النازحين يمكن ان ينقلوا صراعاتهم إلى المنطقة مثل الصراعات الدينية بين المسلمين والهندوس في الهند، أو داخل اعراق الدولة الواحدة في اي منهما، وبالتالي قد ينتقل الصراع بين هذه الاعراق ايضا حالة نزوحهم إلى الاراضي الخليجية ولاشك ان هذه الامور انما تعني زعزعة الأمن في المنطقة، ومن جهة اخرى فان النازحين قد يلجأون إلى ارتكاب جرائم السرقة أو النهب وما إلى ذلك من جرائم تؤدي إلى نشر الذعر بين المواطنين. ـ بالنسبة للآثار الاجتماعية: فان وجود النازحين واختلاطهم بالمجتمع الخليجي كفيل بزيادة المشكلات الاجتماعية في ذلك المجتمع، ومن اهمها نقل سلوكيات وعادات وتقاليد وامراض نفسية واجتماعية إلى الفرد والاسرة والمجتمع ذاته الذي يمكن ان يتعرض لعملية تشويه ثقافي وتهديد للشخصية الخليجية العربية، والاكثر من ذلك ان وجود هؤلاء النازحين سيؤدي إلى تعميق الخلل في التركيبة السكانية الخليجية ذلك الخلل الذي تعاني منه اصلا دول المنطقة حيث سيزداد اعداد الوافدين ويقل عدد المواطنين وهو ما ينطوي على آثار سلبية على تلك المجتمعات أبرزها تهديد هوية المواطنين الاصليين كما ان تصارع حضارات وثقافات النازحين سوف يؤثر بالطبع على الحضارة العربية ويؤدي إلى انتشار لهجات ومصطلحات جديدة داخل المجتمعات الخليجية العربية. ـ وأخيرا الآثار الثقافية: إن محاولة تحول النازحين سواء كانو رجالا أو سيدات إلى خدم أو مربيات في البيوت الخليجية من شأنه أن يزيد من الخطر الثقافي القائم فعلا في شكل عمالة آسيوية، والذي يهدد الهوية الثقافية في المجتمع الخليجي فوجود هؤلاء يؤدي إلى انتشار عادات وتقاليد مختلفة تماما عن نظيرتها الخليجية والعربية والخطر الاكبر هنا هو تعرض الاطفال لهذه العادات والتقاليد من خلال المربية أو الخادمة، فالطفل يتعلق بثقافة المربية التي يقضي معها اغلب الوقت، وتكمن خطورة هؤلاء المربيات والخدم في تدني مستواهن الثقافي والاجتماعي بل وحتى الديني ولذلك فانهم يمدون الاطفال بقيم اجتماعية وثقافية متدنية تتنافى مع نظيرتها الخليجية. لاشك ان كل هذه الآثار الاقتصادية والسياسية والامنية والاجتماعية التي يمكن ان تترتب على وجود النازحين من شبه القارة الهندية يمكن ان تعمق وتزيد من المشكلات التي تعانيها دول الخليج بالفعل من جراء وجود العمالة الآسيوية اصلا في اراضيها، وهو ما يجعل هذه الدول حائرة في التصرف مع تلك الظاهرة وفي مواجهتها بل ويضيف عليها اعباء اخرى تتطلب مجهودات اكبر واكثر ولاشك ان كل ذلك يمكن ان يؤثر في قدرة هذه الدول على ممارسة سلطتها وسيادتها على اراضيها خاصة وانها لا تستطيع ان ترفض استقبال النازحين في ظل الضغوط التي سوف تمارسها ـ في ذلك ـ بعض الدول وبعض منظمات حقوق الانسان الدولية. المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: