تتطاير تكهنات وتوقعات كثيرة باحتمال إقدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإعلان عن انتخابات برلمانية مبكرة يستطيع من خلالها أن يضمن أغلبية مطلقة للأحزاب الموالية له على الحزب الشيوعي وحلفائه. في الوقت ذاته يرى بعض المراقبين أن هذه الانتخابات قد لا تأتي بما تشتهيه «سفينة الكرملين». فقد أظهر استطلاع أجراه المركز الروسي لاستطلاع الرأي في نهاية شهر يوليو الماضي وشمل 1600 مواطن روسي أنه لو جرت انتخابات مجلس الدوما في أغسطس الجاري لحصل الحزب الشيوعي الروسي على نسبة 33% من المقاعد وينوي 25 % من عينة الاستطلاع إعطاء أصواتهم لمرشحي حزب الوحدة الموالي للكرملين. أما اتحاد قوى اليمين ويابلوكو والحزب الليبرالي الديمقراطي الذي يرأسه فلاديمير جيرينوفسكي فمن الممكن أن تحصل على 8 و 7 و 6% على التوالي. ويمكن لحزب الوطن الذي يرأسه يوري لوجكوف عمدة موسكو أن يأمل في الحصول على نسبة 4%فقط . وينوي 5% من عينة الاستطلاع التصويت ضد جميع المرشحين. وفي ظل الترويج لاحتمال إجراء انتخابات برلمانية مبكرة ،يرجح العديد من المحللين أن تشهد روسيا في الخريف المقبل (تاريخ عودة مجلس الدوما من عطلته الصيفية) نشاطاً محموماً تقوم به الأحزاب الكبرى والصغرى في مقدمتها « الوحدة» « الوطن » والحزب الشيوعي وأحزاب اليمين. ولا يستبعد زعيم الحزب الشيوعي الروسي جينادي زوجانوف أن يقدم الكرملين على حل الدوما لأن حزب الوحدة (الموالي للكرملين) الذي قام أهل الحكم بتشكيله قبل الانتخابات البرلمانية التي جرت في عام 1999 «لم يحقق الآمال المعقودة عليه». ويواصل زوجانوف القول أن أعضاء مجلس النواب (الدوما) من هذا الحزب لا يقدرون على الإبداع وكل ما يستطيعونه هو التصويت لصالح مشروع قانون محدد «بإيعاز من أعلى». ويعتقد زعيم الحزب الشيوعي الروسي أن تشكيل حزب موحد للسلطة يجمع بين حزب «الوحدة» و حركة «الوطن » ما هو إلا دليل على خيبة أمل الكرملين بأن يقوم حزب الوحدة بمفرده بمهام حزب السلطة في روسيا. غير أن فلاديمير بيختين رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «الوحدة » يختلف مع زوجانوف في الرأي ويظن بأن الانتخابات البرلمانية المبكرة استحالة. ويقول «إذا كان زعيم الحزب الشيوعي يتحدث عن مثل هذه الانتخابات فإن بواعثه مفهومة، فشعبية اليسار الروسي في تدن مستمر ولذلك فالشيوعيون يحاولون كسب بعض الوقت. ويؤيد رأي بيختين بعض المحللين السياسيين الروس حيث يعتقدون بعدم توفر مبررات لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة ،إذ أن مجلس النواب (الدوما) في الخريف المقبل يجب عليه إقرار موازنة عام 2002 ومناقشة مشاريع قوانين هامة بشأن إصلاح جهاز القضاء ويقر قانوني العمل والأراضي بشكلهما النهائي. وكان المجلس قد صوت على مشاريع القوانين المذكورة في قراءة أولية وأظهرت نتائج التصويت أن الحزب الشيوعي وحلفائه لم يعودوا يملكون أغلبية قاطعة داخل الدوما. إلا أن البعض الآخر من المحللين والمراقبين يرون أن التجربة أثبتت أن كل شيء ممكن الحدوث في روسيا ،ومن ثم فإن الانتخابات البرلمانية المبكرة ليست استحالة. فإقرار الميزانية يمكن تأخيره حيث يمكن للحكومة أن تقوم بالإنفاق بصورة شهرية منذ بداية العام المقبل وفقا للاعتمادات المقررة في ميزانية العام السابق مقسمة على 12 شهراً . ويمكن تأخير إقرار كل القوانين الأخرى أيضاً . وفي ظل هذا الجدل وهذه التكهنات شرعت الأحزاب الروسية في تنظيم صفوفها استعدادا لأي طارئ. فأعلنت قيادة حزب «الوحدة» أنها لا تستبعد إنشاء مكاتب تمثيل للحزب في الدوائر الفدرالية السبع التي قسم الاتحاد الروسي إليها في عهد الرئيس بوتين. والهدف من ذلك أن يعمل ممثلو الحزب في مكاتب مندوبي رئيس الدولة في الدوائر الفدرالية لأن حزب الوحدة يؤيد الرئيس وحكومته. أما حركة «الوطن »التي يتزعمها عمدة موسكو يوري لوجكوف ويترأس تكتلها البرلماني يفجيني بريماكوف فهي منهمكة في إعداد نفسها للتحول إلى حزب سياسي. ومن المفترض أن يتم الإعلان عن قيام هذا الحزب في الثالث عشر من أكتوبر المقبل. وأشار أندريه ايسايف عضو الكتلة النيابية «للوطن» في معرض حديثه عن الاتجاهات السياسية للحزب الذي لا يزال في مرحلة التكوين أن الحزب الجديد سيظل في موقع يسار الوسط ولكنه لا يمكن له أن يسمي نفسه بالحزب الاشتراكي الديمقراطي لأنه يتطلع إلى الأخذ بالنظام الليبرالي وخاصة إنشاء اقتصاد يعمل بآليات السوق في روسيا. ويعتبر إيسايف أن «الوطن» سيكون حزباً للشعب يمثل مصالح أغلبية عامة الشعب من العمال وصغار أرباب العمل والطلبة وأصحاب المعاشات. وتجدر الإشارة أن هناك أحزاباً أخرى تتطلع لأن تصبح أحزاباً تمثل الشعب كحركة «نائب الشعب »التي حددت يوم التاسع والعشرين من سبتمبر المقبل لعقد مؤتمر يعلن عن قيام حزب اسمه «حزب الشعب» . في الوقت ذاته عاد إلى الحياة السياسية في روسيا أحد اقدم الأحزاب الروسية وهو الحزب الديمقراطي الروسي. وأعيد احياؤه عندما أعلن أن ميخائيل بروساك (المقرب من بوتين) محافظ مقاطعة نوفجورود أنه سيتولى زعامة هذا الحزب وبالفعل رشحت الخلايا القاعدية للحزب أثناء مؤتمرها العام (26يوليو الماضي) بروساك لرئاسة الحزب. ويؤكد العديد من المراقبين أن الكرملين أحيا هذا الحزب القديم لمنافسة حزب «اتحاد القوى اليمينية» الذي يضم في صفوفه معظم العناصر الليبرالية التي عملت مع الرئيس السابق يلتسين. غير أن بروساك أعلن أن الحزب الديمقراطي الروسي الجديد لا ينوي منافسة اتحاد قوى اليمين لأن حزبه لا ينتمي إلى هذا التيار السياسي بل ينتسب إلى تيار الوسط. ويريد بروساك أن يرى في الحزب الديمقراطي الروسي حزباً قومياً يعمل في اتجاه تكوين المجتمع المدني الديمقراطي وتقوية الدولة والمحافظة على وحدة الأراضي الروسية وتنمية الطبقة الوسطى وتطوير الصناعة الوطنية. وتجدر الإشارة أنه بذلت عشرات المحاولات لإنشاء حزب يحتل مكانة تيار الوسط في روسيا خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل تقريبا. موسكو ـ فاروق سعد الدين: