تستطيع في القاهرة أن تختزل بعض الكلمات فتقول: (إنني ذاهب إلى السيدة).. فيفهم الجميع أنك تقصد حي السيدة زينب الذي يستضيف (بنت بنت النبي عليه السلام). و(السيدة ) حي شعبي قديم إشتهر بسبب مقام السيدة زينب، وقربه من مقام (الحسين ).. لكنه أيضا حي الفتوات والفقراء وخريجي (المدبح ) والذي ظل إلى سنوات على بعد خطوات من مقام السيدة زينب. هكذا كانت شهرة هذا الحي الذي ضم أول مدرسة ثانوية للبنات في مصر، وأول مصحة للأمراض الجلدية والتناسلية، وربما في الشرق الأوسط كله. الحي، يتحدث الآن عن شئ لم يتوقعه، وهو أن يستضيف شارون متهما أمام نيابة السيدة. والقصة بدأت حين تقدمت لجنة تدعى (اللجنة المصرية لتوحيد الأمة العربية) ببلاغ إلى النيابة بطلب التحقيق في ملف الأسرى المصريين وعمليات التعذيب والقتل التي تعرضوا لها عامي (56، 67) أما المتهمون فهم عشرة جنرالات بينهم: شارون وباراك. القضية أمام وكيل نيابة السيدة، وهو شاب صغير، وسوف تأخذ مجراها إلى القضاء لو استطاعت النيابة أن تتصدى، أو أن تسمح للمتقاضين بالإستمرار في دعواهم والتي تبدأ بإستدعاء شارون أو ممثله في القاهرة.. السفير الإسرائيلي. وعلى بعد خطوات، وفي نطاق نفس الحي وبناء على طلب عدد من أعضاء مجلس الشعب سوف يناقش المجلس ملف الأسرى من جديد، والخطوات التي إتخذتها الحكومة، أو سوف تتخذها بهذا الصدد. و.. هكذا يصبح شارون مطلوبا في محكمة السيدة، كما هو مطلوب في محكمة بروكسل.. مسلسل الجرائم متصل: حرب 56، حرب 67، غزو لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا عام (82) وقد يمتد الخيط ليشمل جرائم (2001) والتي تجرى الآن على مرأى ومسمع من الجميع. السؤال: ما هي جدوى هذه المحاكمات والجرائم مستمرة، والحيوان المفترس ينهش أظافره كل يوم في لحوم أبنائنا بفلسطين ؟.. ما فائدة أن يصدر حكم غيابي يدين شارون أو غيره من القتلة المحترفين الذين يتدثرون بعباءة السياسة ؟ في الأدبيات القضائية يقولون: (إن الحكم هو عنوان الحقيقة ).. فهل نحتاج بعد كل ما شهدناه، وعرفناه.. إلى التعرف على الحقيقة ؟.. أم أننا نحتاج للمحاسبة وإنزال العقاب؟ وقد روت الحقيقة مذكرات كثيرة بعضها إسرائيلي، وسوف يرويها أمام نيابة السيدة خمسون شاهد عيان.. والتوثيق أمر مهم في كل الأحوال، سواء كان في بروكسل أو القاهرة، بهدف إظهار الحقيقة أمام الرأي العام العالمي، أو بهدف القيام بحملة سياسية تضعف من مكانة إسرائيل وحكومتها التي تخوض حربا شاملة ضد المدنين العزل . سوف نصل القديم بالجديد، ولا بأس وسوف نجرد شارون، وربما بيريز وباراك من ملابسهم ليظهروا بصورتهم الحقيقية.. وسوف نفرح بحكم قضائي غير قابل للتنفيذ الفوري، لأن المتهم غائب من المحكمة.. ومع ذلك سوف يبقى لهذه الأحكام قيمتها العملية. لقد تم القبض على مجرمي الحرب النازيين، وجرت محاكمتهم وإعدامهم.. وتم القبض على ميلوسيفيتش وكان وراء المحكمتين محكمة نورمبرج، ومحكمة لاهاي قوى عظمى تساند القضاء، وتقبض على الجناة، وتنفذ العقوبات. الآن لا يتوافر هذا الدعم، ولكن يبقى للأحكام حجتها وقوتها التنفيذية فلو أن حكما قد صدر في بروكسل ضد شارون لجاز تنفيذه في أي بلد يدخل الإتحاد الأوروبي.. أي أن حصارا قانونيا وحرجا دبلوماسيا سوف يحيط بشارون.. ومن هنا وحتى لا يتعرض لنوع من حظر التجول إهتم شارون بالقضية وأرسل من يمثله (لبحث الأمر). السؤال: لماذا يقتصر تحريك الدعاوى على أفراد ومنظمات شعبية؟. ولماذا لم تنفذ الحكومات العربية ما قررته القمة العربية من السعي لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين ؟ لقد كانت الحكومة اللبنانية قادرة أن تنضم للدعوى المرفوعة في بروكسل. وكانت الحكومة المصرية قادرة على أن تتحرك قضائيا في القاهرة أو بروكسل أو من خلال محكمة جنائية دولية يجرى تشكيلها لهذا الهدف. لقد تقاعست الحكومات العربية عن أي رد عسكري مناسب تجاه ما تفعله إسرائيل الآن.. فهل هي عاجزة أيضا عن رد سياسي يعيد بعض الحق ويحفظ ماء الوجه؟ في كل الأحوال فإن صدور قرار إتهام أو حكم قضائي ضد شارون في القاهرة يعني أن الرجل يصبح (مطلوبا) ولا يستطيع دخول مصر.. بل إن القوة التنفيذية للحكم تمتد لعواصم عربية كثيرة تربطها بمصر إتفاقات قضائية. المطاردة الشعبية تستطيع أن تفعل الكثير، وجلسات المحاكمة سوف تكون مناسبة إعلامية مثيرة.. لكن الأهم أن تدخل الحكومة المصرية، وغيرها من حكومات تمسها القضية إلى حلبة المحاكمات.. والمطالبات. اليابان تقدم التعويضات والاعتذارات عما فعله جيشها أثناء الحرب العالمية الثانية، ونحن مازلنا نتردد: هل نطلب الحق في القصاص والحق في التعويض.. أم نمتنع؟ حكوماتنا مازالت تمتنع!!