انتهت الأزمة الأمنية والسياسية في لبنان لكن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مستمرة. انتهت الأزمة فيما بين أهل الحكم من جهة، وبين أهل الحكم وأهل المعارضة من جهة ثانية بحركة استيعابية واسعة قادها اميل لحود حين زار البطريرك الماروني في الديمان، واستقبل وليد جنبلاط في قصر بعبدا، ولملم اطراف حكومة رفيق الحريري المتناثرة. خلال هذه الأزمة سقط وهمان: وهم استقواء بعض اهل الحكم على البعض الآخر بخصوم الحكم، ووهم الاستقواء بالسلاح الاقتصادي لتبديل بعض المواقف السياسية والامنية. وبصورة اكثر وضوحاً نشير إلى فشل محاولة رفيق الحريري ووليد جنبلاط في الاستقواء بالمعارضة المسيحية في وجه اميل لحود بعد ان اظهرت التحقيقات القضائية ان بعض افراد المعارضة تربطهم علاقات بإسرائيل، وهم يتحركون بالتنسيق معها. فما كان بمقدور رفيق الحريري ووليد جنبلاط الاستمرار في الرهان على اطراف لهم علاقة باسرائيل فانفرط عقد مشروع استقواء بعض اهل الحكم ضد اميل لحود بخصومه على الساحة المسيحية. على المقلب الاقتصادي خيل لرئيس الحكومة انه قادر على ان يضغط عن طريق الاقتصاد المتهاوي على رئيس الجمهورية ليبدل في بعض مواقفه، أو على الاقل لتقليص بعضاً من حضوره السياسي. وكان ثمن هذه اللعبة مكلفاً على الصعيد المالي اذ اضطر مصرف لبنان ـ وفق معلومات جدية ـ ان يسحب مليار دولار من احتياطيه لدعم سعر العملة الوطنية. غير ان رئيس الجمهورية لم يبدل خياراته ومواقفه وحمل الحكومة على تبنيها والسير في ضوئها، نظرياً انتهت الأزمة بعودة مياه العلاقات بين اهل الحكم إلى مجاريها. عملياً خرج اميل لحود، صاحب النظرة السياسية في إدارة شئون البلاد. منتصراً على رفيق الحريري، صاحب النظرة الاقتصادية. ويبدو ان الأزمة الحالية تلاشت، لكن اسبابها مازالت قائمة. وأرى من الضروري ان يتوحد اهل الحكم حول «خطة اقتصادية» واحدة و«خط سياسي» واحد. «الخطة الاقتصادية تتطلب التضحيات والجهود. و«الخط السياسي» يتطلب الكثير من الشجاعة والتعقل، ولا مفر من ان تلتقي الخطة والخط ويتناسقان. ان اثقال الدين العام تقضي اللجوء إلى خطة اقتصادية غير شعبية لكنها في المحصلة هي الطريق الوحيد للخروج من الضائقة الحالية. وان المخاطر السياسية الداخلية منها والاقليمية تفرض اعتماد خط سياسي يحفظ الأمن لضمان الرغيف والحرية. عسى ان يكون الكل قد استخلص الامثولات من الأزمة التي مضت. واني احس بأن النار مازالت تحت الرماد، وان الامن مهدد من إسرائيل، والاقتصاد محاصر من الولايات المتحد، والحرية تعاني من صعوبة الأمن والرغيف. جانب كبير من الأزمة الامنية اقتصادي. وجانب كبير من الأزمة الاقتصادية سياسي. وجانب كبير من الأزمة السياسية ينعكس سلباً على الامن والاقتصاد على حد سواء. ان المشاكل مترابطة والمعالجات يجب ان تكون متلازمة. ولا فائدة من معالجة الامن بمنأى عن الاقتصاد، والاقتصاد بمنأى عن السياسة. فالكل متداخل في الكل. صحيح ان الأمن ممسوك وممنوع اللعب به. لكن الاقتصاد ما زال متهالكاً ومتاحاً التلاعب به. المشكلة الامنية حلت، لكن المشكلة الاقتصادية لم تحل، وهي تشكل «الديفرسوار» الاخطر في المستقبل المنظور.