الطائفية ما زالت موجودة، ولبنان لم يتحصن تماما ضدها، خاصة في ظل استمرار المشروع الاسرائيلي الهادف الى اعتباره مدخلا لتقسيمه أولاً، وبالتالي تقسيم الشرق الأوسط وفق خريطة تتوزع دينيا، وطائفياً، وعنصرياً. بتلك العبارات يختصر الأمين العام للجنة الحوار الاسلامي ـ المسيحي محمد السماك واقع الحال المهزوز في لبنان، بعد سلسلة التطورات الأخيرة التي حصلت خلال الاسابيع الأخيرة لجهة التوقيفات، وعودة الحديث عن احتمالات تجدد الصراع والحرب والفتن. ويعترف السماك في حديثه لـ «البيان» ان الغاء الطائفية السياسية لم يتم كما يجب وفق ما نصت عليه «وثيقة الوفاق الوطني» في الطائف، ربما لان هذا الالغاء كما يقول: «هو مسار وليس قراراً» وبالتالي فإن أي الغاء بقرار يؤدي الى فتنة. ومن موقعه كواحد من أمينين عامين للجنة، الثاني حارث شهاب عن الموارنة، يؤكد السماك ان اللجنة ترفع شعارات الخطأ ممنوع، وهي تقيس الأمور ببيض النمل، وتجهد لفك الارتباط بين اي خلاف سياسي وموقف وطني، واستكمال غسل دماغ الجيل الجديد المطبوع على مرادفات الحرب وبالتالي الطائفية. وتمثل تلك اللجنة المراجع الروحية لـ 18 طائفة في لبنان، وهي انشئت عام 1993 بعد أول قمة روحية عقدت في تاريخ لبنان الحديث في الصراع الماروني في بكركي، وتتألف من 3 مسلمين «سني، شيعي، ودرزي» و4 مسيحيين «ماروني، ارثوذكسي، كاثوليكي، وأرمني»، ويعتبر كل واحد فيها ممثلاً للمرجعيات الروحية الاسلامية والمسيحية معاً، وليس لمرجعية طائفته فحسب، وفيما يلي نص الاسئلة والأجوبة مع السماك. ـ هل تحولت لجنة الحوار الاسلامي ـ المسيحي في لبنان الى مؤسسة فعلاً؟ أم انها لا تزال مجرد ردة فعل الظروف ومعطيات تتغير من هنا أو من هناك، لا تتحرك الا في ظروف طارئة، فيتوقف عملها بزوالها؟ ـ يفترض ان أؤكد على أمر أساسي وهو ان لتلك اللجنة صفة تمثيلية ، تمثل المرجعيات الدينية الاسلامية والمسيحية جميعها بدون استثناء، وعندما عقدت أول قمة اسلامية ـ مسيحية بتاريخ لبنان الحديث عام 1993، تم الاتفاق؟ على تشكيل تلك اللجنة حتى تكون ممثلة للمرجعيات الروحية الاسلامية والمسيحية في لبنان. ولذلك فان اللجنة، بصفتها التمثيلية، تمثل المؤسسات الدينية الموجودة، بمعنى انها تمثل دار الفتوى، والبطريركية المارونية، والمجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، والبطريركية الارثوذكسية، أو الكاثوليكية، وبيت الطائفة الدرزية، والى اخره، أي جميع العائلات الروحية في لبنان والتي يبلغ عددها كما هو معروف 18 عائلة «طائفة»، لكل منها مرجعية روحية، وكل هذه المرجعيات ممثلة بتلك اللجنة، ولذلك فان اللجنة ليست مؤسسة لكنها تمثل كل تلك المؤسسات مجتمعة، وتستمد صدقيتها ودورها من صفتها التمثيلية لهذه المرجعيات، وكل دور وطني تقوم به، انما يحصل بموافقة هذه المرجعيات، وبصفتها التمثيلية لها، وباسمها. لذلك، فنحن لا نستطيع من حيث الشكل، ان نشكل مؤسسة خاصة، نحن نمثل هذه المؤسسات، وعندما نمثلها كلها لايجوز ان نطلب من وزارة الداخلية ان تعترف بنا كجمعية أو كمؤسسة أو كهيئة، نحن نتجاوز من خلال تمثيلنا المرجعيات ان نطلب صفة من الداخلية أو أي مرجعية رسمية أخرى. يتعامل المسئولون اللبنانيون، مثل رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب، رئيس الحكومة، مع هذه اللجنة بتلك الصفة، ويستقبلونها ويستمعون الى رأيها، ويتعاملون مع بياناتها بهذه الصفة التمثيلية. كذلك الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية، التي تتعامل كلها معنا على اننا نمثل الهيئة التي تعبر عن التوافق الاسلامي ـ المسيحي في لبنان. هذا هو الدور الذي نقوم به، ولذلك فنحن في كل المبادرات التي قمنا بها، نحرص على أن تكون مقبولة، وتمثل فعلاً قرارات كل المرجعيات الاسلامية والمسيحية ـ وهذه ليست مهمة سهلة، خاصة في لبنان المتعدد الطوائف والمذاهب، وتتداخل القضايا السياسية فيه بالمرجعيات الدينية والمواقف الروحية. لذلك فان اللجة، عندما تتخذ مبادرة، فانه من المفترض بها ان تحسب تماماً، وان تقيس كل كلمة تقولها بميزان «بيض النمل» كما يقولون. لان الخطأ ممنوع، ولذلك فان كثيراً من المهمات التي تقوم بها اللجنة ليست اعلامية، فتحاول ان تمد الجسور بين المرجعيات الروحية نفسها، وبينها وبين المسئولين في الدولة، من بينها رئيس القوى الحزبية والسياسية الفاعلة في البلد، كذلك مع الجامعات والمؤسسات الاعلامية داخل لبنان، وفي المؤتمرات الدولية في الخارج، حيث تطرح قضايا تتعلق بالعلاقات المسيحية ـ الاسلامية، فكل هذه النشاطات التي تقوم بها اللجنة مبنية على الخط الجامع بين كل تلك المرجعيات الروحية. ـ الى أي مدى تسمح تلك الصيغة الروحية القيادية المجموعة في اللجنة بأن تكون مؤثرة على الأرض، خاصة في ظل خلافات طائفية تصل احياناً الى تناقضات وصراعات؟ ـ تمثل اللجنة توافقا مسيحياً ـ اسلامياً وعندما تقع خلافات سياسية، تبادر اللجنة الى فك الارتباط بين الخلاف السياسي والموقف الطائفي. المجتمع اللبناني بحيويته السياسية والاعلامية، والاجتماعية يطرح دائماً قضايا جدلية للبحث والنقاش، ووراء كل قضية فرقاء معها، وآخرون ضدها، والذين معها هم دائماً من طوائف متعددة، كذلك الأمر بالنسبة للذين ضدها. ولكن يغلب احياناً طابع طائفي معين على موقف محدد فتبرز الصورة على شكل انقسام طائفي، هنا تتدخل اللجنة بفك الارتباط بين الالتزام الطائفي والالتزام بالموقف السياسي، ليس كل خلاف سياسي في لبنان هو خلاف طائفي، حتى اثناء الحرب التي عصفت بلبنان، كانت هناك انقسامات شديدة وأعمال قتل، ودماء سفكت، ولكن لم تطرح «بضم التاء» في تلك السنوات الطويلة السوداء أية قضية دينية خلافية، طرحت قضايا سياسية خلافية، لا دينية، ولا مذهبية على الاطلاق، كانت هناك صراعات سياسية، واقتصادية حول النظام، والوضع الاقتصادي والاجتماعي، والعلاقات الخارجية، والصراع مع اسرائيل والتحالف مع أوروبا، كل هذه القضايا طرحت لكن لم تطرح كقضية دينية ذات بعد خلافي بين المسلمين والمسيحيين كمسلمين وكمسيحيين أي بين المسيحية والاسلام، لم تكن هناك قضايا مطروحة من هذا النوع، بل أخرى يختلف عليها المسلمون والمسيحيون وان غلب جانب في هذا الطريق أو ذاك. ولذلك فان مهمة اللجنة، هي السهر دائماً على فك الارتباط بين الخلافات السياسية والانتماءات الدينية والمذهبية. اقتراحات حلول للمشاكل ـ الى أي مدى تأثر اللجنة على المستويات السياسية؟ ـ الرؤساء الثلاثة «الجمهورية، مجلس النواب، ومجلس الوزراء يستمعون الى اللجنة بكثير من الاحترام، وحتى الاسبوع الماضي كنا في آخر لقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ونحن على موعد قريباً مع رئيس الحكومة رفيق الحريري، لا نطرح نحن المشكلة، أو نحذر من وقوع مشكلة، لكن نحاول أن نحمل اقتراحات لحلول لها، وهناك سوابق عديدة قامت بها اللجنة، وعالجت مع الدولة اللبنانية قضايا خلافية حساسة جداً، وتجاوب المسئولون مع الاقتراحات التي قدمتها اللجنة، وصدرت اجراءات تنفيذية بشأنها. ذلك على صعيد الدوائر الرسمية، اي السلطة، أما على صعيد المجتمع السياسي، فكل الاحزاب السياسية التي نلتقي بها، ونحن على لقاءات مع الجميع، تتعامل مع اللجنة بكثير من التجاوب والاحترام، باعتبار ان ان هذه اللجنة غير مسيسة، وتمثل مرجعيات دينية، وبالتالي ليس لها اي تطلعات سياسية بمعنى الحسابات السياسية المحلية، بل تنظر الى الامور من زوايا وطنية، ومن أجل مصالح وطنية، ولذلك تلقى التجاوب من القوى السياسية في البلد. تمويل العودة مشكلة ـ لنأخذ مثالا تتداخل فيه السياسة والطوائف، وهو محوري دقيق من مسببات الحرب، ويتعلق بعودة المهجرين، وتتداخل فيه خلافات وانقسامات متعددة وواضحة بين طائفتين اساسيتين، أو مجموعة طوائف من هنا وأخرى من هناك، أي دور قامت به اللجنة، وتقوم على صعيد عودة المهجرين؟ وكيف اسقطت العوامل الطائفية؟ ـ عودة المهجرين في الأساس هي قرار وطني، هناك اجماع في لبنان على انه لايمكن أن يستعيد وحدته الوطنية بدون عودة المهجرين، ونقصد كل المهجرين من كل المناطق، المشكلة التي تعرقل هذه العودة هي تمويلية وليست مبدئية، بمعنى انه لا يوجد خلاف حول مبدأ العودة. المصالحة في البلقان ـ لكن هناك مصالحات لم تتحقق، فما علاقة ذلك بالتمويل؟ ـ تماما لكن هناك مصالحات كثيرة تم تحقيقها، والأخرى المنتظرة والمهمة جداً، بعد عمل متواصل من أجل تذليل الصعوبات المشكلة التي تعترضها تتعلق في امكانيات التعويض وظروفه، على المتضررين، وليس على مبدأ العودة، أو على المبدأ المصالحة، فهناك تفاهم اسلامي ـ مسيحي، في الجبل على المصالحة، ونعتبر ان مستلزمات الوحدة الوطنية هي بتحقيقها، خلافا لما يجري في البلقان مثلاً، حيث عملية الفرز تؤدي الى المصالحة، بحيث يكون المسلمون لوحدهم، كذلك الكروات والصرب، السلام هناك مبني على الفصل بين المسلمين والمسيحيين، انما في لبنان فهو يقوم على عودة المهجرين، اي بعكس ما يجري هناك تماماً. ولذلك فالمشكلة ناتجة عن تمويل العودة ليس أكثر والدليل جولة البطريرك «الماروني نصر الله صفير» الى الجبل وما رافقها من مظاهر احتفالية بين الدروز والموارنة، وهذا يعكس فعلاً مدى تجاوز لبنان لذيول الحرب التي عصفت به، ومدى تجاوب الناس، مسلمين ومسيحيين مع المصالحة على أساس العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين. غسل دماغ ـ لكن حتى بعد جولة صفير برزت بعض المظاهر السلبية، الى أي مدى ترى اللجنة ان جرثومة الطائفية ما زالت تفتك بلبنان؟ ـ الجرثومة هذه موجودة في الجسم اللبناني، ويجب ان نكون صريحين، فنعترف انه منذ اتفاق «الطائف» حتى الآن لم تقم الدولة اللبنانية، ولا المجتمع اللبناني، بالجهد اللازم من أجل مكافحة هذا الوباء الذي يفتك بجسم لبنان، كلنا نشعر بمساوئ الوضع الطائفي، وبالخطر الذي يحمله على البلد، وبالألم من استمرار هذا الوضع، لكن قليلين منا، اشتغلوا ثقافيا وتربوياً في تنشئة الجيل الجديد على أساس التحرر من هذا المرض، بل على العكس، فان الجيل الجديد الذي نخشى منه، قد نشأ على ثقافة الحرب واعلام الحرب، والكلام الذي كانت تردده الاذاعات والصحف آنذاك، فهو يحتاج الى عملية غسيل دماغ، ربما أكثر من جيلنا نحن، هذا الأمر لم يحدث، ولذلك نجد ان هناك تقصيراً بالفعل في العمل من أجل مد الجسور الثقافية والتربوية بين الجيل الجديد من اللبنانيين. وهنا أدركنا في لجنة الحوار أهمية التربية الثقافية الدينية، بمعنى أن يتمكن المسيحي من ان يتعرف على الاسلام ويخرج من الصور النمطية التي رسمتها في ذهنه ثقافة الحرب، كذلك ان يتعرف المسلم الى المسيحية، متحرراً من تلك الصور النمطية، ونحن الآن بصدد العمل على وضع كتاب تربوي ثقافي وليس دينيا، بحيث يتعرف المسلم على المسيحية، والمسيحي على الاسلام وستعمل في صياغة هذا الكتاب مجموعة من الكتاب المسلمين والمسيحيين، ويمكن أن يملأ هذا الكتاب فراغاً معرفياً وثقافيا في المجتمع اللبناني، وهذا قليل، اذ ان المطلوب أكثر من كتاب للثقافة العامة للمرحلتين الثانوية والجامعية، معا، يبرز القيم المشتركة، والايمان المشترك، وما الى ذلك من تاريخ التعايش، الاسلامي ـ المسيحي في العالم منذ بداية الدولة الاسلامية حتى الان، إذ أن كثيراً من الصور على هذا الصعيد غائبة عن شبابنا حتى الآن، فتلك مجرد محاولة نقوم بها. وقد قامت اللجنة قبل ذلك بمبادرات توفقت فيها بالنسبة للاعلام الديني، وتعليم الدين في المدارس وما إلى ذلك مما اعتمدته الدولة، وأصبح الآن من القوانين السارية. مصالح الزعماء السياسيين ـ لنكن موضوعيين، الى أي مدى تعتقد من داخل لجنة الحوار الاسلامي ـ المسيحي، وكمراقب وشريك في مسئوليات وطنية، ان من مصلحة العديد من السياسيين والاقطاعيين ابعاد جرثومة الطائفية عن المجتمع اللبناني؟ وهم الذين يتغذون بوجودها سياسيا وعلى صعيد بناء زعاماتهم واستمرارها؟ ـ طبعاً هناك فئة سياسية مستفيدة من هذا الوضع، وتبني شخصيتها السياسية، ونفوذها السياسي، وحضورها السياسي على ذلك الوضع الطائفي ولذلك لن يكون في مصلحتها اي تغيير ضد الطائفية لكن هذا الامر لا يشمل كل العاملين السياسيين حتى لا نطلق الاتهامات جزافاً، وندين الكل جماعياً، ليس الأمر كذلك، هناك فعلاً من العاملين في الحقل العام طاقم سياسي يؤمن بوجوب القضاء على الطائفية، كما نص عليه اتفاق الطائف. لكن هناك صراعاً دائماً في وجه أي عمل تغييري، لانه عندما يتم تغيير النظام السياسي، الى نظام لا طائفي، فانت تصنع بذلك مجتمعاً جديداً، ونظاماً سياسياً جديداً، وهذا ليس بالامر البسيط لذلك فان هذا التغيير يجب أن يتم على مراحل. وأقصد التغيير التطوري، ولذلك نحن نقول ان الغاء الطائفية السياسية لا يكون هراء بل هو مسار يحتاج الى بعض الوقت، والى تربية وثقافة وتنشئة وطنية، وثمة أدوار للجامع والكنيسة والمنزل والدولة والتربية الوطنية يجب القيام بها في ذلك المجال، لكن كل تلك الادوار مغيبة للاسف، وعندما تتضافر كل هذه الجهود في اطار تهيئة التغيير اللا طائفي، عند ذاك نستطيع ان نغير، اما ان يصدر قرار عن السلطة بالتغيير، فهذا لا يجدي نفعاً ويؤدي الى فتنة، ولا يمكن ان يساعد لبنان على تحقيق وحدة وطنية حقيقية، فالعملية تطورية ـ ثقافية ـ تربوية ويجب ان تدرك كل العائلات الروحية التي يتألف منها المجتمع اللبناني، ان لها مصلحة في الغاء الطائفية، وان هذا الالغاء لا يستهدف الغاء الطوائف ـ فهناك خط واضح بين الغاء الطائفية والشخصية المميزة للطوائف، لان لبنان هو ائتلاف طوائف، يعيش بينها، وهي تستطيع ان تتعايش من دون نظام سياسي طائفي، وهذا ما نسعى اليه. بانتظار المستقبل ـ هل تعتقد ان المجتمع اللبناني، وبعد كل المرارات التي قطعها قد وصل الى مثل تلك القناعات؟ ـ النص على الالغاء في وثيقة الوفاق الوطني «الطائف». ـ لكن نصف الوثيقة لم ينفذ بعد؟ ـ صحيح لكن لو لم يكن هناك توافق على ذلك الامر لما تم الاتفاق عليه في الطائف، ثم ان تعديل الدستور اللبناني في العام 1990 تبنى ذلك الأمر في ضوء ما تم في الطائف، اضافة الى القمة الروحية المسيحية ـ الاسلامية وتشكيل لجنة الحوار، هي ايضا تعبير عن الرغبة في السير في هذا الاتجاه اللا طائفي. رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه طرح هذا الموضوع مرات عدة في المجلس، اي ما يتعلق بالغاء الطائفية السياسية وفقاً لبنود الطائف ـ لكن تلاطم الاحداث في لبنان، اقليميا وداخليا، لا يترك متسعاً للتنفس السياسي فنحن لا نكاد نرفع رأسنا من موجة تغمرنا، حتى تأتي موجة أخرى ـ وهكذا نعيش دائماً في حالة مواجهة مع احداث ومتغيرات متسارعة ومتلاطمة. عملية التغيير في النظام السياسي نحو اللاطائفية تحتاج الى هدوء، والى متسع من الوقت، والى تحضير ثقافي وتربوي وديني، هذا الامر لا تعطيه الظروف بعد الوقت الكافي حتى يقوم به لبنان، لكن هناك اجماعا على انه في المستقبل لابد من ان نصل الى مثل هذا الأمر هذا هو المشروع الاسرائيلي. ـ هل يمكن اختصار الأمر بالقول ان لبنان بات محصنا ضد حصول أية خضات طائفية جديدة فيه؟ وإلى أي مدى؟ ـ أحب أن أشير الى أمرين في هذا المجال، أولهما ان اللبنانيين تعلموا جيدا من التجارب المرة التي مروا بها، لكن الأمر الثاني هو ان هناك مشروعاً اسرائيلياً يستهدف المنطقة كلها، بمعنى ان هذا المشروع يهدف الى اعادة النظر في الخريطة السياسية للشرق الأوسط وفقاً للتجمعات الدينية والعنصرية، بحيث يكون لكل مجموعة دينية أو مذهبية أو عنصرية كيان سياسي خاص بها. المشروع الاسرائيلي كان الاسرائيليون يعتبرون ان لبنان هو المدخل الى هذا المشروع الاقليمي، لذا فهم لم يتخلوا عن هذا المشروع ولذلك فان لبنان مستهدف دائماً لاثارة النعرات الطائفية من اجل الابقاء على ذلك المشروع حياً وقابلاً للتداول. تجد الاسرائيليين في جنوب السودان، والحركة الكردية، وفي اي انقسام سني ـ شيعي، أو بين البربر الآن في شمال افريقيا، حيث توجد انقسامات عنصرية أو دينية أو طائفية، تجد العامل الاسرائيلي المباشر وغير المباشر بالسلاح أو بالمال أو بالإعلام أو بكل هذه العوامل موجوداً. فلبنان لم يتحصن نهائياً من مرض الانقسام الطائفي، لان هناك دائماً عملية تحريض لذلك، انما اللبنانيون تعلموا ودفعوا الثمن غالياً، حتى تعلموا الدرس بان لبنان لايقوم الا بالوحدة الاسلامية ـ المسيحية. وان الدفاع عن هذه الوحدة الوطنية في لبنان هو دفاع عن وحدة المنطقة كلها، ضد المشروع الاسرائيلي الذي يستهدف المنطقة وليس لبنان وحده، ولذلك حتى يستطيع لبنان ان يدافع عن نفسه يحتاج الى دعم من اشقائه الذين سيكون دورهم التالي من بعده، اذا لا سمح الله تعرض لبنان لفتنة التقسيم. بيروت ـ وليد زهر الدين: